استنزاف المرأة باسم النبالة!

صديقتي لا تدخن، بل تشاركني كراهيتي الشديدة لرائحة دخان السجائر، لكنني لا حظت أنها توقفت عن الكلام، وأمسكت فنجان القهوة بيدها بدون أن تشرب منه، حيث راحت عيناها إلى بعيد خلف كتفي.

قلت لها: إلى أين سرح فكرك؟

قالت: لا تنظر خلفك، لكن اعلم أن امراة تجلس وحيدة، تدخن سيجارتها، وتطلق دخانها في الهواء، وتغمض عينيها حتى لا ترى الدخان يتلاشي مخلفًا رمادًا مؤلمًا في الروح.. هذه امرأة مستنزفة!

قلت ضاحكًا: وما أدراك؟ هل أخبرك فنجانك؟ ربما تكون امرأة سعيدة تفكر في ذكريات جيدة

قالت: لو كانت سعيدة لتأملت الدخان، ولما أغمضت عينيها، الاستنزاف يبدو على ملامح وجهها، في عينيها المفتوحتين على الخواء، والمغمضتين على الألم.. أتعرف؟

قلت: لا طبعًا.. لا أعرف.

قالت مبتسمة: أتعرف أن النساء في مجتمعنا مستنزفات حتي آخر قطرة في أرواحهن؟

سألتها: ماذا تقصدين بالاستنزاف هنا؟

قالت: هناك أنواع كثيرة من الاستنزاف يتعرض لها الإنسان الرجل والمرأة، لكن أسوأها في رأيي الاستنزاف باسم القيم النبيلة والمثل العليا.

قلت: مثل ماذا؟

قالت: أن يطلب منك أحدهم أن تموت من أجل الدين، أي من أجل فهمه هو للدين، أو أن يطلب منك آخر أن تموت أو تفقد بعض أعضائك في معركة من أجل وطن ضيَّع هو بعض أراضيه، تموت أنت أو تصاب باسم قيم سامية، ومن طلبوا منك ذلك هم وذووهم ينعمون ولا يضحون بشيء من أجل القيم التي يتحدثون عنها!

قلت: يا صديقتي! ومن طلب من المرأة أن تحارب؟

قالت ساخرة: أراك تتغابى! لكن لا بأس، سأشرح لك.

قلت: اشرحي، ويارب أفهم!

ضحكت، وشربت رشفة من قهوتها، ونظرت إلى المرأة الجالسة خلفي والتي يحرقني الفضول لرؤيتها، وتمنعني اللياقة من الالتفات، ثم قالت: المرأة في مجتمعنا مستنزفة تماما باسم البنوة الصالحة، فعليها طاعة الأب والأم والأخوال والأعمام والأخوة الذكور الكبار وحتي الصغار منهم، ثم باسم الزوجية الصالحة التي هي سبيلها الملكي إلى الجنة والنعيم الأخروي، فتذوق جحيم الدنيا، لكنها تحافظ على البيت والأسرة من أجل الأبناء، وهنا الاستنزاف الأكبر للمرأة، فباسم الأمومة المقدسة تنسى أنها امرأة، تنسى أنوثتها، وتنسى شخصيتها المستقلة، ترضى بما لا يرضى به إنسان، لكنها تستمر في حياة لا تطاق حتي لا تتخلى عن أبنائها، الرجل قد يتخلى عن أبنائه، لن يلام كثيرًا، بل يمكن أن يحصد الكثير من (اللايكات) بلغة (الفيس بوك)، إذا كان يرسل إلى أبنائه نقودًا بانتظام، ويا سلام لو زارهم من وقت لآخر كملاك الرحمة الذي يأتي ليدللهم ويلاعبهم، ويهد في لحظة ما تبنيه المرأة في شهور.. لكن المرأة التى تتخلى عن أبنائها من أجل أن تكون أنثي تُحِب وتُحَب، تتزوج برجل آخر يسعدها، أو تكمل دراساتها العليا، أو تعمل وتترقي وظيفيًا، أو تكتب، أو ترسم إلخ تفعل شيئًا ترغبه لنفسها، مثل هذه المرأة ستكون مرجومة اجتماعيًا لأنها تخلت عن الأبناء، لأنها ضيعتهم، لأنها هدمت الأسرة، وكأن الأسرة خيمة بعمود واحد يقع عليه اللوم كله وكامل المسؤولية وهي المرأة، وسيظل المجتمع يقدم ويكرم الصورة الأخرى المزيفة، الأم المثالية، التى تخلت عن كل ما يخصها من أجل أبنائها، فأصبحوا في وظائف مرموقة (لاحظ هنا أنها لابد أن تكون فقيرة، وتعاني الأمرين على مدار سنوات عمرها، والمقياس نجاح الأبناء وظيفيًا وليس أخلاقيًا ولا سلوكيًا)، وعندما يكبر الأبناء يتزوجون، ويمدح المجتمع من لا يتخلى منهم عن هذه المرأة ويزورها من وقت لآخر، أو يعطيها بعض النقود أحيانًا، ولا يطلب منهم أحد التخلى بالمثل عن أنفسهم وحياتهم من أجلها.

قلت لصديقتي: إذن يتخلى الرجل عن أسرته، وتتخلى المرأة أيضًا، ونترك الأسرة التي هي اللبنة الأولي للمجتمع تنهار لأن كلًا منهما يفكر في ذاته فقط؟!  الأسرة عمومًا والأبناء بالذات مسؤولية مشتركة بين الأب والأم.

قالت صديقتي محتجة: أنت تلوي عنق كلامي، لم أقل هذا، لكني أشرح لك ما يحدث، فباسم ما هو نبيل نقتل أنبل ما في المرأة كإنسان وهو شخصيتها، ونجعلها في خدمة الآخرين الذين لا يقدمون لها المثل في أغلب الأحيان، لكن أتعرف ما المشكلة الأكبر في رأيي؟

قلت ضاحكًا في محاولة لتخفيف التوتر: وهل هناك أكبر من كل ما قذفتني به بمدفعك الرشاش؟

ابتسمت وقالت: نعم! أنا أدين المجتمع، لكن الإدانة الأكبر مني هي للمرأة ذاتها، هي التي تصمع الوهم، أو تتلقفه، ثم تنفخ فيه وتجسمه ليكون حقيقة مقدسة، ربما لتبرر انصياعها الضعيف، أو لتشعر بسعادة الجندي الذي يضحي في ميدان المعركة من أجل الآخرين، لكن لا معركة فعلًا، ولا ميدان، لكن هناك الوهم، وهناك تلك المرأة التي تنفث دخان حياتها، ثم تغمض عينيها محاولة ألا تراه وألا تعيد التفكير فيه.

بقلم منير عتيبة

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب