تاريخ 05 يوليو 1962م صار رسميًا يُعد مُناسَبة مهمة لاحتفاء أحرار الإنسانية بذِكرى استِرجاع استقلال دولة الجزائر، الجُمهورية المُسلِمة المَغَاربية في شَمال اتحاد إفريقيا؛ إذ إن آخر ثورة دامية مريرة كُبرى لتحرير الجزائر من الاحتلال الأجنبي الاستيطاني المُجرِم ثورة 01 نوفمبر 1954 - 1962م كانت حدثًا دوليًا مهمًا في العصر الحديث؛ لكون تلك الأحداث الفظيعة كان لها إلهام وصدى وتأثير تعدى حُدود الجزائر، وكثير مِن المُضطهَدين صار كفاح شعب الجزائر نموذجًا مهمًا مُلهِمًا ومُحفِّزًا لهُم.
مسار نحو الحرية: من ثورة نوفمبر إلى يوم النصر
أيضًا فالاحتلال -كما هو معلوم تاريخيًا- وبسبب شراسة ثورة الجزائر، اضطره الحال إلى إبرام اتفاقيات استقلال وطني مع عدد من الدول، خاصة في قارة إفريقيا؛ من أجل التفرغ أساسًا لمحاولة مُجابهة الكفاح الوطني التحرري في الجزائر. ومع ذلك فكفاح شعب وجيش و«جبهة التحرير الوطني الـ F.L.N» ألزم حلف الاحتلال إلى وقف إطلاق النار فيما صار يُسمى في الجزائر «يوم النصر» 19 مارس 1962م، ثم بعدها جرت إجراءات تقرير المصير وإعلان تاريخ 05 يوليو 1962م يومًا وطنيًا لاسترجاع استقلال دولة الجزائر سليلة دولة نوميديا ⵣ الدولة الأمازيغية -البربرية- العتيدة.
نموذج الجزائر.. دروس في الحق والإرادة
إن كُل المعنيِّين في العالَم ممن يُؤمِنون بأن قضيتهم الوطنية هي قضية عادِلة عليهم أخذ العِبر إيجابًا مِن نموذج الجزائر. وليس القَصد -طبعًا- التعاطي بمنطق التطابق؛ فيقينًا كل قضية لها مُعطياتها الخاصة، وإنما النموذج والعِبر في المَبدأ وفي القيم وفي الثوابت، بما في ذلك الإيمان بصِدق مقولة إنه «ما ضاع حق مِن ورائه مُطالِب»، ومقولة إن «الحق يُؤخَذ ولا يُعطى»، وعدم تبني منطق مَن يتصورون أنهم عقلانيون وواقِعيون، وأنه وكأنه هو تهوُّر أن يُجابِه الضعيف خصمه المُتجبِّر.
بناء على النموذج الجزائري فقد جرى إسقاط مِثلُ هكذا مَنطِق مُتخاذِل، فاحتلال الجزائر كان مِن 1830م إلى 1962م، وحِلف الاحتلال كان يَحوي قوى عِدة، وكانت حتى المنظومة الدولية الرسمية في صف قوى حلف الاحتلال، حتى الوطنيِّين من الجزائريِّين كانوا قبل ثورة 1954م في انقِسام ونزاع بشأن مدى جدوى وفاعلية مُجابَهة قوى حلف الاحتلال، وكان تأسيس جيش وجبهة التحرير الوطني -الجزائرية- في قناعات كُثُر حينها هو أنه عمَل صِبياني! ومُتهوِّر!

إبداع القيادة الجماعية: ثورة تنظيمية شاملة
لكن الثوار كانوا يَعون ما يَفعلون، ولم يتصرفوا بصيغة العبث، بل تم تأسيس «نظام»، وتم التخلي على منطق «الزعامة»، وإبداع فِكرة جديدة تم تسميتها رسميًا «القيادة الجَماعية» بمعنى «دولة المؤسسات»؛ إذ إن غياب أو استشهاد الأفراد مهما كان مقامهم لا يُؤثر في المسيرة الوطنية المَنشودة، أيضًا فالكفاح التحريري ليس فقط العمل العسكري والفدائي -الذي هو كذلك يتم بصيغة «حرب العصابات» بسبب عدم التكافؤ في العتاد مقابل قوى حِلف الاحتلال- بل الكفاح الوطني يَشمل أيضًا كل الميادين، بما في ذلك السياسية والدبلوماسية والإعلامية والفَنية، بل وكل شيء صار يُضمَّن رسائل شعب الجزائر المطالِبة بالحق في تقرير المصير والتحرر واسترجاع السيادة الوطنية.

وبموازاة كل ذلك جرى دوليًا تجييش الحُلفاء وجُل الرأي العالمي الدولي، حتى كان تدريجيًا التضييق على قوى حلف الاحتلال من شتى الزوايا، فصار مَن كانوا يُوصفون بالضعفاء أقوى من الظلَمة؛ لأن القضية عادلة، ولأن الوطنيِّين مُصِرين على تقديم الأثمان في سبيل القضايا الثمينة.
فتحية لكُل وشتى الوطنيِّين، والمَجد والخُلود لشُهداء الوطن، وتحيا الجزائر.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.