استعمار الضمير وفلسفة العبور: نحو الحرية الممكنة

في إحدى الأمسيات الهادئة، حين ألقى الغروب بظلاله الممتدة على أزقة المدينة، جلست في غرفة مكتبي المكتظ بالأوراق والمجلدات القديمة. كانت الأصوات تطنّ في رأسي، ليس بجيشٍ من الغزاة الغرباء، بل بصوتٍ واحدٍ تشظّى إلى ألسنةٍ عدة: صوت كل من أبي ومعلمي، المؤسسة التي أنتمي إليها، والتاريخ الذي طُبِع في وجداني منذ الصغر. كان السؤال الحاضر في سِرّي: «حين أختار مساري، هل أختاره بأصابع إرادتي، أم أن لي يدًا أخرى خفية حرّكها الموروث والسلطة في داخلي دون أن أدري؟».

كانت تلك اللحظة هي الستارة التي ارتفعت عن مأساة «استعمار الضمير». لقد أدركت أنني لست مجرد خاضع لسلطة خارجية تشير إليّ بالبنان، بل إن السلطة قد استوطنت ضميري، وجعلت من الامتثال طبعًا تلقائيًا، ومن النقد مجرد وعيٍ مأساوي أرصد القيد واقفًا أمامه عاجزًا. لكني، ومن نافذة «فلسفة العبور»، أرفض أن أبقى حبيس النواح السلبي؛ إذ إن اكتشاف القيد ليس نهاية المطاف، بل هو العتبة الأولى لتأسيس «الحرية الممكنة».

من استعمار الضمير إلى اكتشاف الحرية الممكنة

فالإنسان لا يبدأ حياته من عدم، ولا يمتلك إرادةً مطلقة تُسقط عنه مجريات التاريخ واللغة والجغرافيا وروابط الدم. لم أختر لغتي ولا أسرتي، لكني أدركت في تلك الليلة الفرق الجوهري بين أن يكون الإنسان «مشروطًا» بواقعه، وبين أن يكون «محددًا بالكامل» كحجرٍ يتساقط بحتمية صماء. لم أستطع تغيير أحداث الماضي، لكني أتساءل: «ما الذي أستطيع فعله الآن داخل هذا النطاق الذي لا أملك تغييره؟».

لقد مرّت بي أوقات كان يختار فيها تحت مظلة الخوف، أو استجابةً لتوقعات الجماعة، ظانًّا أني أمارس حريتي، في حين أني كنت أتحرك داخل سجنٍ من «البدائل المحددة سلفًا». وكي أكسر هذه الدائرة، وجدت أن أول انتصار للضمير لا يكمن في سرعة اتخاذ القرار، بل في إيجاد «المسافة».

المسافة بين المؤثر والاستجابة وصناعة الفعل الثالث

وقفت عند مفترق طرق سياسي وفكري في مدينتي؛ حيث شُطِر المجتمع إلى ثنائية حادة: إما التأييد المطلق للسلطة أو الرفض الأعمى الذي يكرر أدواتها بطريقة معكوسة. شعر الجميع بالاندفاع، لكني اخترت أن أمارس أعمق أفعالي الأخلاقية: التوقف.

لم يكن توقفي ضعفًا أو تحيرًا، بل كان تعطيلًا صريحًا لآلية الاستجابة التلقائية التي تتغذى عليها السلطة. في تلك المسافة الزمانية والمكانية بين «المؤثر» و«الاستجابة»، التقطت أنفاسي وسألت نفسي: «لماذا حُصرتُ بين هذين الخيارين فقط؟ من صاغ هذه القائمة؟ وهل أستطيع إنتاج خيار ثالث؟».

لم أرتضِ أن أختار بين الأبواب الجاهزة التي شَيّدتها بنية الإكراه، بل شرعت في صياغة «الفعل الثالث»؛ ذلك الخيار الذي لا يقع في منتصف الطريق كأنشوطة مساومة، بل يعيد رسم الخريطة السياسية والأخلاقية بأكملها. لقد انتقلت من استهلاك الممكن المتاح إلى إنتاج ممكنٍ جديد لم يكن مرئيًا للخاضعين لسطوة الثنائية.

وفي رحلتي هذه، التقيت برفيق دربي، رجلٍ عاش طويلًا في كنف التقليد والمقدس البشري. احتدم النقاش بيننا حول التراث واليقين. لم يدعُ إلى قطيعة جدارية مع الماضي، ولم يطالب بمحو الذاكرة، بل أصرّ على أن الذاكرة ليست قدرًا يُحتّم، بل مادةٌ يُعاد تأويلها. قال لرفيقي: «التراث ليس حصنًا نحرسه، بل هو سؤال مفتوح. والوفاء له لا يكون باستنساخ معاركه القديمة، بل بعبور معانيه إلى حاضرنا».

وحين تطرقنا إلى المقدس، ميّزت بوعيٍ حاد بين «المقدس في ذاته» وبين «التفسير البشري للمقدس». رفضت أن يُمنح أي صوتٍ بشري حق التحدث باسم المطلق، مؤكدًا أن مراجعة الفهم البشري للنصوص والتقاليد ليست إنكارًا للإيمان، بل هي أعلى درجات المسؤولية الأخلاقية أمام الله والعقل.

لم تخلُ تلك المراجعات الفكرية من ثمنٍ باهظ؛ إذ شعرت في بعض اللحظات أن اعترافي بخطئه سابق يهدد هويتي. أتساءل في لحظة شك: «إذا تراجعت عما كنت أدافع عنه لسنوات، فمن أكون؟». غير أنه سرعان ما أدركت أن الهوية الحقيقية ليست كتلة جبلية صماء تخشى التآكل، بل هي «هوية عابرة» تستمر وتتسع وتنمو عبر التحول. إن قولي «كنتُ مخطئًا» لم يكن انهيارًا لذاتي، بل كان برهانًا ساطعًا على أني ذاتٌ حية، قادرة على العبور من جمود التصلب إلى مرونة التخلق والتعلم.

من حرية الفرد إلى مسؤولية الدولة والمجتمع

ولم تقف هذه الحرية عند حدود الفردانية النرجسية. علمت أن الفعل الأخلاقي يخرج من الذات ليعبر نسيج العالم المترابط؛ فاختياري للكتمان أو النطق، للمقاومة أو السكوت، لن يقف عند حدوده الشخصية، بل سيمتد ليترك أثرًا في حياة الآخرين، وفي البنية المؤسسية والدستورية لدولته. فالدولة المغلقة، كما رأيتها، لا تحتاج دائمًا إلى قمع جليّ؛ بل يكفيها أن تستعمر الضمائر حتى يمارس المواطن الرقابة الذاتية على نفسه. أما «الدولة العابرة»، فهي التي تُبقي مؤسساتها وقوانينها مفتوحة أمام المساءلة والمراجعة، وترى في المواطن الحر المشكك ضمانة لبقائها وديناميكيتها، لا تهديدًا لاستقرارها.

مع مرور الأيام، أدركت أن كل اختيار واعٍ أتخذه لا يستنفد حريتي، بل يوسع مجالها. فالحرية ليست رصيدًا ثابتًا نولَد به ونخسره بالتدريج، بل هي قدرة ديناميكية تتسع كلما تعلم الإنسان لغة جديدة، وشكّك في بديهية قائمة، وصالح خوفه، واستمع إلى صدى صوت «الآخر» المغاير في حوارٍ لا يُلغي الاستقلال، بل يحرره من وهم الاكتفاء الذاتي.

في نهايات تلك المسيرة الفكرية الحافلة، وقفت أراقب الفجر وهو ينبلج فوق أسطح المدينة. لم أعد الشخص نفسه الذي جلس قبل سنوات يغرق في ضجيج الأصوات الموروثة. كان قد انتقل من المعادلة التابعة: «أنا لأنهم قالوا»، لأقف بثبات مسؤول على عتبة المعادلة العابرة: «أنا لأنني اخترت.. ولأنني اخترت، فأنا مسؤول عن أثر فعلي في حاضر العالم ومستقبله».

لم أعد أرى في الماضي قيدًا مكبلًا، ولا في المستقبل أفقًا مسدودًا. لقد أدركت أن العبور ليس مجرد وصولٍ إلى ضفةٍ أصلب، بل هو امتلاكٌ دائم للقدرة على الحركة والتجدد، وترك العتبات المفتوحة لمن سيأتي بعدي، ليعبروا هم أيضًا نحو أفقٍ أكثر حرية وعدلًا.

أبقيتُ على الأفكار والتراكيب والمصطلحات كما هي قدر الإمكان، ولم أتعمد إعادة صياغة النص أدبيًا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة