عندما نُقرب المجهرَ من ذواتنا؛ نكتشف أننا نتغير على الدوام. فحتى نفسك التي بين جنبيك لم تسلم من التغيير. لقد كبرت أسناننا وتزامن معها أن صرنا أقلَّ حِدَّةً وأكثرَ هدوءًا ولكن أيضًا أقلَّ شغفًا. أصبحنا مقبولين أكثرَ على المستوى الاجتماعي، ولكننا غَدَونَا أقلَّ نبضًا بالحياة. نمارسُ أدوارَنا ولكن بشكل روتيني يفتقرُ إلى اللذة أحيانًا وإلى التألق دائمًا.
فلو حاولنا أن نراجعَ شريطَ حياتنا؛ فلن نصل -على التحديد- إلى تلك اللحظة التي غيَّرتنا؛ لأنها لم تكن في الحقيقة لحظةً واحدة، بل كانت كل ثانية تتقدَّم بنا للأمام. وغالبًا ما لم يكن هناك كسرٌ واضح أو مفترق طرق، بل كانَ تآكلًا بطيئًا جدًا، صامتًا لا يُخبر عن نفسه إلا بلسان الحال، مُهذَّبًا يستحيي أن يضربَ إلا برفقٍ عجيب.
لقد كنا مُفعمينَ بالحيوية، وكانت مشاعرنا متقدةً تمامًا كالشباب في فترة الخطوبة. فترى الخاطب يتحرق شوقًا إلى لقاء محبوبته، ويَعُدُّ الدقائق والثواني ترقبًا للِّقاء التالي، فلما مضت بنا السنون غدونا زوجين متشاكسين، كانا بالأمس لا يطيقان صبرًا (عن) بعضهما؛ فباتا وهما لا يطيقان صبرًا (على) بعضهما.
حتى إذا دلفت إلينا الأماني، وأوشكت على الحصول الأحلام؛ لم نجد في قلوبنا تلك السعادةَ الغامرة.. التي كان يكفي -أيامَ الصبا- أن يستثيرها مجردُ الخروج في نزهةٍ أمام البيت. وصار امتلاك أكثر من ثمانين بالمائة من أهدافنا مساويًا لعدم امتلاك شيء على الإطلاق. باختصار لقد أصبحنا نسخةً باهتةً من أنفسنا.
الإنسان الحاضر والإنسان الباهت
أما الإنسان الباهت فهو شخصٌ لم يفقد ذاته دفعةً واحدةً، وإنما تآكَلَت روحه باتئادٍ غير ملحوظ. فهو لم يفقد شكلَه وملامحه، لم يتحول إلى إنسانٍ آخر، فكلما نظرَ في المرآة رأى الوجه والملامح والتقاسيم نفسها، ولكنَّ نفسَه لم تعد بتلك القوة التي كانت عليها. لقد أصبحَ صوتُه أخفضَ، وأحلامُه أضعفَ، وشغفُه أقلَّ، وعزمُه هَشًّا رقيقًا. لقد صارَ مستكينًا خانعًا راضيًا بالواقع لا عن زهادة ولكن من قلة حيلة، فانخفضَت كثافة حضوره، فغدا حاضرًا غائبًا في الوقت ذاته.
وأما الإنسان الحاضر فهو ذلك الذي لم يفقد بريقه. إن حضرَ في مجلسٍ تهافتت عليه القلوب، وإن تغيبَ طارت إليه الأفئدة شوقًا. يُحسنُ التعبيرَ عن حاجاته، مقدامٌ جسور، لا يخاف اللومَ ولا يهرب من النقد. يبذل قصارى جهده فيما هو بصدد السعي إليه. لا يتخلى عن أحلامه لعارضٍ، ولا ينقضُ عزمَه لطارئ.
في هذا المقال، سنحاول استقراء الأسباب التي تجعل الإنسانَ يستحيل من الصورة الثانية إلى الأولى. فهذه محاولةٌ للبحث عن الأمور التي تحول إنسانًا إلى صورةٍ باهتةٍ من نفسه.
إِلف النعمة والنفس التي لا تشبع
إن كثرة التعرض للمثير تُفقد قيمته. فللنفس محدوديةٌ في الاستقبال، تجعلُ تكرارَ المؤثر وعدمَه سواء، كما لو كانت تُحدث تخديرًا معنويًا للمشاعر. فالصورة التي كانت تبهرك؛ أصبحت عادية، والكلمات التي كانت تهزك من الأعماق صارت بلا قيمة. والموسيقى التي كانت تسعدك أصبحت ضوضاءَ، والصورة التي كانت تنعشك غدت لا تُحدث أثرًا.
يعرف هذا المبدأ في علم النفس بالتعود Habituation ويمكننا أن نسميه هنا بالبلادة. وقد أسماه القرآنُ بالإيلاف كما في قوله تعالى: (لإيلاف قريش). فالمشكلة لم تعد في المثير نفسه؛ بل أصبحت في استنزاف المشاعر أو الطاقة الشعورية. فالإفراطُ يقتلُ المعنى، والتكرار بلا مسافة زمنية يقتل اللذةَ.
فأضحَت النفسُ متخمةً جدًا، ولكنها لا تشبع، غنيةً بألوانٍ لا تُحصى من النعيم ولكنها لا تحس بشيء من النعيم، كأنَّها كأسٌ قد أُترِعَ بالماء فلم يعد يزيده صبُّ الماء شيئًا، فجعلت أنفسنا تطلب المزيدَ وهي لا تعلم أن ثقبًا كائنًا فيها يمنعها من الامتلاء.
إن التعرض للحرمان أحيانًا يكون علاجًا ناجعًا لاستعادة بريق النفس التي غدت باهتة، والندرةُ غالبًا ما ترفع القيمة تمامًا كما أن الوفرةَ تغيضُ منها. فلا جناح عليك إن كنت تريد استعادة المشاعر الغابرة من اللذة والشغف أن تحرمَ نفسَك إراديًا من بعض المتع المتاحة.
فالغيابُ أحيانًا لا يكون خسارةً بقدر ما يكون ترميمًا للمشاعر. فإن كنتَ تشعر -مثلي- بأنك أصبحت نسخةً باهتةً من نفسك؛ فتغيَّب قليلًا عن سيل المثيرات الذي يهدر من حولك. يمكنك أن تعمدَ إلى بعض العزلة للخلاص من ضجيج الحياة وصخبها حتى يعودَ إلى سيرته الأولى؛ صوتًا مؤنسًا جميلًا.

التنازلات الصغيرة التي تراكمت
هل تذكر تلك الأيام التي كنت تحافظ فيها على الصلوات الخمس بالمسجد؟ هل تذكر جسدك قبل أن تصاب بالسمنة المفرطة؟ وقوتك البدنية قبل أن تسقط في مصيدة التدخين؟ وقدرتك على الجري لمسافات طويلةٍ قبلَ أن تعتمد بشكل كامل على سيارتك؟
لقد كنتَ تستطيع الذهابَ إلى محل البقالة الذي يبعد عن بيتك خمسة كيلومترات سيرًا على قدميك دون أن تُصابَ بالنهجان والسعال بل ودون أن تشعر، فلو تسنَّى لك أن تعقدَ مقارنةً بين صورتك الذاتية منذ خمس سنوات وبينَ ما آلَت إليه؛ لأنكرتَ نفسَك، ولآليتَ أنهما نفسان لا نفسًا واحدة، وإلا فإن عُقودًا طويلةً لم تكن كافيةً ليحدثَ كل هذا التغيير.
ورغم أن هذا التحولَ ضخمٌ جدًا، قريبٌ إلى الطفرات منه إلى التغير؛ فإنك لم تلحظه على الإطلاق، وسر الأمر أنه حدث بشكل تدريجي مُزمنٍ وئيد، ولم يكن بشكلٍ مفاجئ حادٍّ حثيث. ولإدراك ذلك فانظر إلى صورتك في المهد وصورتك وأنت شاب في الثلاثين؛ فإنَّ طفلًا صغيرًا سوف يجزم أنهما ليسا لشخص واحد، فهذا عن الشكل الخارجي للجسد، فما بالك والنفسُ أسرع تبدلًا وألطف تغيرًا؟
إن بريقَ أنفسنا جعلَ يخبو عندما قررنا التنازلَ في المرة الأولى، ومنذ ذلك الحين ونحن نحفد في طريق الخمول، إننا في كل مرة نقرر فيها التنازل؛ فكأننا نُمرر ممحاةً على قرطاسٍ يحملُ ملامح أنفسنا، فلا بد أن يخبو بريقها وتدرسَ معالمُها.
عندما تقرر التخلي عن أحلامك -دونَ أن تكونَ مكرهًا على ذلك- فكأنك تقرر التخلي عن نفسك. وذلك أنك مذ وضعتَ لنفسك صورةً ذهنيةً عما تصبو الوصولَ إليه؛ فكأنك بنيتَ بنيانًا وهذبته وجملته، ثم لم يبقَ لك إلا اللمسة الأخيرة. فإذا تخليتَ عن تلك الصورة، فلا أنتَ بلغتَ وطرَك، ولا أنتَ بقيتَ على حالتك الأولى قبل أن تكونَ ذا أحلام. فلا يبقى لك إلا صورةٌ باهتةُ المعالم. تتأرجح بين إقدامٍ وإحجام، تقدم رجلًا وتؤخر الأخرى، تطمع ولكن لا تتحرك،
الخوف المتكرر
كم من محاولة باءَت بالفشل، فظننا أنفسَنا فاشلين؟ فخلعَ ذلك على النفس صبغةَ الوهن، فالخوف يجعل النفسَ باهتةً ولا بد، فكيف لا يكون باهتًا مَن يخشى من ردة فعل الآخرين؟ وكيف يستطيع التعبيرَ عن نفسه من يخافُ من النقد؟ وكيف يستمسك بالمحاولة مَن طُعِنَ في كرامته بالإخفاق والفشل؟ وكيف تبدو معالمُ شخصٍ لا يسعى إلا في رضا الآخرين ولو على حساب نفسِه؟
بالتأكيد سوف يظل هذا الإنسان متواريًا في الظل لا يقوى على الظهور، لأنَّ ذلك هو ما يحفظ عليه ماءَ وجهه. وسواءً كانَ هذا الشخص زاهيًا أو باهتًا، فهو في الحالتين غيرُ راضٍ ولا سعيد؛ لأن الظهورَ يُمنيه بالنقد اللازع، أو الخوف المؤرق. والخمولَ يعني أن ينسحبَ من الحياة ويتخلى تماما عن أحلامه.
الرضا الاضطراري
عندما تكون مضطرًا إلى الرضا؛ فلن تكونَ ذاتك؛ لأنك ستضُطَّرُ إلى قبولِ الأشياء التي لا تناسبك، فقط لأنَّ ذلك يلائم واقعَك. وعندئذ، فسوف تحيا بما يشبه ذاتين لا ذاتًا واحدة؛ ذاتًا متواريةً قد حُكِم عليها بالبقاء في كهف مظلم؛ وهي نفسك الطموحة، وذاتًا خاملةً تظهر للناس مستكينة للأمر الواقع.
إن الرضا معنى إيجابي حَسنٌ، ولكن فقط عندما يكونُ صادرًا عن قناعة داخلية، لا عن استسلام مَقيتٍ، أو هروبٍ مُلثَّم. فإن الراضي بحق هو مَن تنسجم سريرته مع ظاهره، وليسَ من قررَ الانسحابَ لأن الحياةَ قاسيةٌ والواقعَ مريرٌ.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.