تعديل السلوك ليس نهجًا تربويًّا، بل هو إطار علاجي نفسي يُمكِّن الأفراد من التحكم في سلوكياتهم وتحقيق التغيير المرجو بإستراتيجيات علمية مثبتة. سواء كنت تبحث عن تحسين سلوكيات طفل يعاني اضطراب فرط الحركة، أو تسعى إلى التخلص من عادة سلبية مزمنة، فإن فهم تقنيات التعزيز والعقاب والحرمان، والتنويع، ويُعزز من فرص النجاح. ولا شك أن العمل مع اختصاصي مؤهل في تعديل السلوك يُمكن أن يزيد من فاعلية الخطط السلوكية، خصوصًا في الحالات المعقدة أو المزمنة.
لماذا يفشل 80% من الناس في قراراتهم؟ لماذا يعاود طفلك العادات والسلوكيات الخاطئة رغم معرفته أنها خاطئة؟ كيف تساعد طفلك على التوقف عن الكذب أو قضم الأظافر أو نوبات الغضب والصراخ؟
يُعد تعديل السلوك أحد أبرز المفاهيم العلاجية النفسية التي تهدف إلى تحسين سلوك الأفراد بطريقة علمية قائمة على التحليل والتجريب، ويُستخدم هذا النهج مع الأطفال والبالغين على حد سواء لمعالجة سلوكيات غير تكيفية وتعزيز الأنماط السلوكية المرغوبة، بسلوكيات وتقنيات مثل التعزيز والعقاب، ويُمكن تعديل التصرفات بأسلوب مستدام يدعمه العلم والبحث التجريبي.
في هذا المقال أبرز سلوكيات تعديل السلوك وأسس علم النفس السلوكي المؤثرة في سلوك الإنسان، وكيفية تغيير العادات الخاطئة لدى أطفالنا، فتابعونا.
يُنظر إلى تعديل السلوك عمومًا على أنه عملية تغيير أنماط السلوك البشري باستخدام أساليب تحفيزية متنوعة، مثل التعزيز السلبي والإيجابي، والتثبيط والتلاشي والتشكيل والتسلسل، ويمكن أن يكون تعديل السلوك أداةً فعَّالة لتشجيع السلوكيات المرغوبة لديك، أو لدى أطفالك، أو لدى موظفيك، توجد إستراتيجيات قد تُحسِّن فعالية تعديل السلوك، وقد يساعدك المعالج النفسي في تحديد أنسبها لتحقيق التغيير المنشود.
ماذا يُقصد بتعديل السلوك؟
تعديل السلوك هو الاستخدام المنهجي للمعرفة التجريبية والنظرية لشرح وتغيير أنماط السلوك غير الطبيعية بدراسات تجريبية خاضعة للرقابة، مع التركيز على العلاج أو الوقاية.

تعديل السلوك إذن هو تدخل علاجي نفسي يُستخدم في المقام الأول للقضاء على السلوك غير التكيفي أو الحد منه لدى الأطفال أو البالغين، في حين تُركِّز بعض العلاجات على تغيير عمليات التفكير التي قد تؤثر في السلوك، مثل العلاج السلوكي المعرفي، يُركِّز تعديل السلوك على تغيير سلوكيات مُحددة مع مراعاة أفكار الشخص أو مشاعره.
ويُمكن قياس وتقييم تقدم التدخل ونتائجه، ويجب تحديد التحليل الوظيفي لمقدمات وعواقب السلوك (السلوكيات) المُشكلة، ويؤدي هذا إلى إنشاء سلوكيات مُستهدفة مُحددة تُصبح محور التغيير، وبعد ذلك، يُمكن التلاعب ببعض المتغيرات بالمُعززات والعقوبات لتغيير السلوك (السلوكيات) المُشكلة، الهدف هو القضاء على السلوك غير التكيفي أو الحد منه.
ما علم نفس تعديل السلوك؟
يتخذ كثيرون قراراتٍ للعام الجديد، ولكن يُقدَّر أن 80% منهم يتوقفون عن الالتزام بها بنهاية الشهر الأول، ويُركِّز تعديل السلوك في علم النفس عادةً على تغيير الارتباطات بالسلوكيات المرغوبة أو غير المرغوبة لزيادة احتمالية التزامك بأهدافك.
التعزيز الإيجابي والتعزيز السلبي في علم نفس تعديل السلوك
تشير النظرية الكامنة وراء تعديل السلوك إلى أنه يمكننا تغيير طريقة تصرفنا أو ردود أفعالنا بربط أفعالنا بعواقب والتعلم منها، افترض عالم النفس ب. ف. سكينر، المعروف ببحوثه في تحليل السلوك، أنه إذا كانت عواقب الفعل غير مواتية، فاحتمالية عدم تكرار الفعل أو السلوك تكون كبيرة، وإذا كانت العواقب مواتية، فإن احتمالية تكرار الفعل أو السلوك تكون أكبر. وأشار إلى هذا المفهوم باسم «مبدأ التعزيز». أصبح إدخال سكينر للتعزيزات الإيجابية والسلبية في إطاره أساسًا لتطوير العديد من الأفكار الحديثة في علم نفس التعزيز.

بذلك يُمكن أن يكون نموذج سكينر لتعديل تحليل السلوك وسيلةً لتغيير العادات باتباع أفعال ذات عواقب إيجابية أو سلبية، سواءً للتخلص من العادات السيئة أو تعزيز العادات الجيدة.
تقنيات تعديل السلوك لتعلُّم كيفية تحسين السلوك وتقدير الذات
حسب بعض الاضطرابات، مثل اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، أثبت العلاج السلوكي فعاليته، وقد يُحسِّن كلاً من السلوك وتقدير الذات. يُستخدم تعديل السلوك غالبًا لعلاج اضطراب الوسواس القهري (OCD)، واضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، والمخاوف غير المنطقية، واضطراب تعاطي المخدرات، واضطراب القلق العام، واضطراب قلق الانفصال في البيئات السريرية.
يُمكنك وضع وتنفيذ خطة تعديل سلوك بنفسك، أو يُمكنك البحث عن مُعالج مُتخصص في علاج تعديل السلوك للحصول على إرشادات ودعم إضافيين.
توجد طرائق عدة مبنية على الأدلة العلمية لتعديل السلوك، بعض التقنيات المذكورة أدناه تُطبّق على أفضل وجه في سياقات محددة أو مع فئات عمرية أو مراحل نمو معينة، تذكَّر أن ما يُجدي نفعًا مع شخص ما قد لا يُجدي نفعًا دائمًا مع شخص آخر، ويمكن للاختصاصي النفسي تقديم إرشادات بشأن أهداف تعديل السلوك.
التعزيز الإيجابي والعقاب الإيجابي
تعديل السلوك هو نوع من العلاج السلوكي. أوضح ب. ف. سكينر أنه يُمكن تشكيل السلوك من خلال التعزيز و/أو العقاب، مشيرًا إلى أن المُعزز هو نتيجة تزيد من احتمالية تكرار السلوك، أما العقاب هو نتيجة تُقلل من احتمالية تكراره. ويُستخدم كلٌ من الإيجابي والسلبي في الرياضيات. ويشير التعزيز الإيجابي إلى إضافة شيء ما، في حين يشير التعزيز السلبي إلى حذف شيء ما أو استبعاده.
وهكذا، يحدث التعزيز الإيجابي عندما يُشجّع السلوك بالمكافآت، إذا استمتع الطفل بالحلوى وكان تنظيف الغرفة هو السلوك المرغوب فيه، فإن الحلوى تُعد معززًا إيجابيًا (مكافأة) لأنها تُمنح أو تُضاف عند حدوث السلوك، هذا يزيد من احتمالية تكرار السلوك، والتعزيز السلبي هو إزالة مُحفِّز نتيجة للسلوك، ولكنه يُؤدي إلى نتيجة إيجابية للفرد.
على سبيل المثال، تُسقط الغرامة، ولا يعود الشخص بحاجة إلى دخول السجن، ويؤدي إزالة المُحفِّز السلبي (الغرامة) إلى نتيجة إيجابية للفرد، وهي عدم دخول السجن عمومًا، ويُضيف التعزيز الإيجابي مُحفزًا يُعزِّز السلوك الجيد، على سبيل المثال، ويُمكنك تعزيز سلوك طالب إيجابيًا بمنحه جائزةً لأدائه الجيد في الامتحان، سواء كانت جائزة عينية أو معنوية كالتشجيع والمدح والتصفيق أمام الزملاء أو في طابور الصباح.
على العكس، العقاب الإيجابي هو إضافة نتيجة سلبية، فيُشير إلى مُحفِّز إضافي يُقلِّل من احتمالية حدوث سلوك غير مرغوب فيه، على سبيل المثال، يُضرب طفل عندما يعبر الشارع دون أن يمسك بيد والدته، عندها لن يعبر الشارع بمفرده. الضرب عقاب إيجابي لأنه نتيجة تُضاف إلى الموقف، ما يقلل من احتمالية عبور الطفل للشارع بمفرده.
العقاب السلبي هو إزالة النتائج الإيجابية للحد من السلوك غير المرغوب فيه، على سبيل المثال، إذا لم تُنهِ مريم واجباتها المدرسية في الوقت المحدد، يُؤخذ منها هاتفها المحمول، فتُعطي مريم أولوية لإنهاء واجباتها المدرسية فور انتهاء الدوام المدرسي قبل أي شيء آخر. ويُعد سحب الهاتف المحمول أمرًا سلبيًّا لأنه يُفقدها شيئًا ما، ما يُقلل من احتمالية عدم إنهاء واجباتها المدرسية في المرة القادمة.
يشمل العقاب الإيجابي أيضًا العقاب البدني، مثل الضرب الذي غالبًا ما يُنظر إليه على أنه شكل ضار وغير مُجدٍ من أنواع تعديل السلوك.

التعزيز السلبي والعقاب السلبي
كما ذُكر سابقًا، عادةً ما يعني التعزيز السلبي إزالة مُحفِّز، ويُمكن أن يحدث التعزيز السلبي عند إزالة مُحفِّز لزيادة سلوك مرغوب فيه.
على سبيل المثال، قد يُزال بكاء الرضيع (مُحفِّز) عندما يحمله أحد الوالدين (السلوك المرغوب). نتيجةً لذلك، قد يُشجَّع الوالد على حمل رضيعه أكثر عندما يبكي.
ويمكن أن يحدث العقاب السلبي عند إزالة مُحفِّز لتقليل تكرار حدوث سلوك غير مرغوب فيه، على سبيل المثال، يمكن سحب هاتف المراهق المحمول (المُحفِّز) عندما يبقى خارج المنزل بعد انتهاء الوقت المخصص للعب بالخارج (السلوك غير المرغوب فيه).
أيهما أفضل: التعزيز أم العقاب؟
يعمل كلٌّ من التعزيز والعقاب عملًا مُنفصلًا أو معًا كونها جزء من خطة سلوكية، فيُعدّ التعزيز الإيجابي أفضل وأسرع بكثير من العقاب، في طب نفس الأطفال، غالبًا ما يأتي الآباء إلى العيادة غاضبين ومُحبطين من أطفالهم لأن «لا شيء يُجدي نفعًا». لقد جرَّبوا أنواعًا مُتعددة من العقاب عند حدوث سلوك سيئ، مثل حرمان الطفل من الألعاب أو الامتيازات أو وضعه في مهلة. غالبًا ما لا يستخدمون تعزيز السلوكيات الإيجابية، إحدى الفوائد المُباشرة لخطط تعديل السلوك هي التحول من مُعاقبة السلوك غير المرغوب فيه فقط إلى مُكافأة السلوك الجيد أيضًا.
الحرمان
يمكن أن يختفي السلوك عند إزالة مُحفِّز أو مُعزِّز، على سبيل المثال، إذا اعتاد طفلك على الحصول على لعبة جديدة (مُحفِّز) في كل مرة يُصاب فيها بنوبة غضب (سلوك غير مرغوب فيه)، فقد تمتنع عن شراء لعبة له عندما يُصاب بنوبة غضب، عند القيام بذلك باستمرار، من المُرجَّح أن يتعلم طفلك أن السلوك لا يُؤدِّي أبدًا إلى النتيجة المرجوة، وبناء عليه يتخلى عن السلوك.

التنويع
يمكن لعملية التنويع أن تُعزِّز السلوكيات الأقرب إلى السلوك المرغوب، على سبيل المثال، عادةً ما يمر الطفل بتعلم المشي بعدة مراحل (الجلوس، الزحف، الوقوف، المشي). قد يُعزز الآباء تعلم الطفل للمشي بالتشجيع عند انخراطه في خطوات جديدة في هذه العملية.
التلاشي أو التدرج
يُعرف التلاشي عادةً بأنه عملية الانتقال التدريجي من مُحفِّز إلى آخر. على سبيل المثال، إذا شجع أحد الوالدين طفله على الحصول على درجات جيدة في بطاقات التقارير المدرسية باستخدام مُحفِّز إيجابي، مثل مكافأة مالية على الدرجات الجيدة، فقد يسعى في النهاية إلى إيجاد مُحفِّز أكثر استدامة للحفاظ على الأداء الأكاديمي الجيد، يُزيل التلاشي المُحفِّز القديم، وهو الحصول على المال مقابل الدرجات الجيدة، ويستبدله بمُحفِّز جديد، مثل الرضا عن تعلم مواد جديدة.
التسلسل
يمكن لسلاسل السلوك أن تربط السلوكيات الفردية لتكوين سلوك أكبر، بتقسيم المهمة إلى أبسط خطواتها، قد يصبح السلوك المعقد أكثر قابلية للتحقيق باستمرار.
مفاتيح النجاح: استخدام التعزيز الإيجابي والسلبي وإستراتيجيات السلوك لتحقيق تغيير دائم
يُعد الاتساق أمرًا بالغ الأهمية لتحقيق تغيير سلوكي طويل الأمد، عند ترسيخ السلوك المرغوب، عادةً ما يكون الاستخدام المستمر للتعزيز الإيجابي والسلبي والإستراتيجيات السلوكية ضروريًّا للحفاظ عليه، عند استخدام تقنيات تعديل السلوك للأطفال، قد يكون من المفيد مناقشة الإستراتيجيات مع المعلمين والأجداد ومقدمي الرعاية الآخرين لتحديد المكافآت والعواقب على السلوك بوضوح.
الموازنة بين التعزيز الإيجابي والسلبي وتقنية تعديل السلوك الفعَّالة
قد يكون تحقيق الاتساق المثالي أمرًا صعبًا، وعلى الرغم من أنه قد يكون محبطًا إذا عدت إلى سلوك غير مرغوب فيه في مرحلة ما، فإن الانتكاسات قد تكون طبيعية جدًا، إن وجود التوازن الصحيح بين التعزيز الإيجابي والسلبي وتقنيات تعديل السلوك يمكن أن يساعد في الحفاظ على التقدم، ويمكن عد تعديل السلوك عملية تحسين وليس هدفًا نهائيًا.
تطبيقات تقنيات علاج تعديل السلوك
غالبًا ما يُنظر إلى تعديل السلوك أنه أداة تربوية، ومع ذلك، فعلى الرغم من شيوع استخدامه مع الأطفال والمراهقين، فإن تعديل السلوك قد يكون فعّالًا لبعض الفئات السكانية. على سبيل المثال، يستخدم عدد من البالغين العلاج السلوكي للإقلاع عن التدخين، وتناول طعام صحي، وممارسة الرياضة بانتظام، والعمل بكفاءة أكبر.
بما أن كل شخص يختلف عن الآخر، فإن خطط وبرامج تعديل السلوك لا تناسب الجميع عادةً، قد تحتاج إلى تعديل أو استبدال عناصر من خطة أو أخرى لتناسب حالتك وأهدافك النهائية على النحو الأمثل، وقد يكون علاج تعديل السلوك أكثر فعالية بالتزامن مع أنواع أخرى من العلاج.
كيف يستخدم الطبيب النفسي العلاج السلوكي المعرفي (CBT) وتقنيات تعديل السلوك لمعالجة السلوكيات الإشكالية؟
العلاج السلوكي المعرفي (CBT) هو أحد أنواع العلاج التي قد يقترحها اختصاصي الصحة النفسية، مثل الطبيب النفسي، في العلاج السلوكي المعرفي، عادةً ما تحدد السلوكيات وأنماط التفكير غير المفيدة، وتعمل على استبدالها بسلوكيات وأنماط تفكير صحية ومفيدة. وقد أُجريت دراسات عدة تدعم فعالية العلاج السلوكي المعرفي عبر الإنترنت.

على سبيل المثال، تناولت دراسة حديثة أكثر من 2500 دراسة من هذه الدراسات، مثل تلك التي تنشر في الدوريات العلمية المرموقة كـThe Lancet Psychiatry أو JAMA Psychiatry، ووجدت أن العلاج السلوكي المعرفي عبر الإنترنت قد يكون بنفس فعالية العلاج الشخصي.
قد تقدم منصات العلاج عبر الإنترنت العلاج السلوكي المعرفي، والاستفادة من هذه الخدمات يمكن أن تساعدك على فهم سبب انخراطك في سلوكيات غير مرغوب فيها ووضع خطة لتعديل سلوكك. ويتميز العلاج عبر الإنترنت بمرونة أكبر؛ لذا قد تتمكن من الاجتماع خارج ساعات العمل الرسمية. إضافة إلى ذلك، قد يتيح لك التواصل عبر التطبيق التواصل مع معالجك عند حدوث انتكاسات، فلا تضطر إلى الانتظار حتى موعد جلستك لطرح التحديات.
خلاصة القول
قد يُظهر عدد من الأشخاص، من الرضع إلى كبار السن، سلوكيات غير مرغوب فيها. يمكن أن تكون تقنيات تعديل السلوك أدوات مفيدة لإنشاء إطار عمل لتشجيع السلوك المرغوب فيه وتثبيط السلوك غير المرغوب فيه. عند تطبيقه باستمرار، يمكن أن يقلل تعديل السلوك بنجاح من احتمالية العودة إلى السلوك غير المرغوب فيه. يمكن أن يساعدك المعالج في إنشاء خطة لتطبيق تعديل السلوك، وقد ترغب في تجربة العلاج السلوكي المعرفي شخصيًّا أو عبر الإنترنت لفهم المشاعر الأساسية التي تحرك سلوكياتك.
وأنتم أعزائي القراء من الآباء والأمهات والمتخصصين، شاركونا آراءكم في التعليقات أسفل المقالة، حول ما أفادتكم من المقالة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.