تُعد الطاقة النووية إحدى الركائز الأساسية في السعي نحو مستقبل طاقة خالٍ من الانبعاثات الكربونية، حيث تمثل جسرًا آمنًا للتحول نحو بدائل الوقود الأحفوري. ومع تزايد الطلب العالمي، أصبح البحث عن مصادر مستدامة لليورانيوم أمرًا ضروريًا، خاصة للدول التي تفتقر للمناجم البرية.
في هذا المقال، نسلط الضوء على آفاق استخراج اليورانيوم من مياه المحيطات الشاسعة، وكيف يمكن للابتكارات العلمية الحديثة أن تحول هذا المصدر الضئيل إلى مخزون هائلًا وطويل الأمد، مما يضمن تدفق الطاقة للمفاعلات بتكلفة اقتصادية معقولة.
يمكن تقنيًا استخراج اليورانيوم من مياه البحر باستخدام ألياف أميدوكسيم متطورة تلتقط أيونات اليورانيل، ومع تطوير الألياف الهجينة ارتفعت كفاءة الاستخلاص عدة أضعاف، ما يجعله مصدرًا محتملًا شبه غير محدود للوقود النووي.
كنوز الأرض المستترة: أين يوجد اليورانيوم في الطبيعة؟
توجد كميات ضئيلة من اليورانيوم في مياه البحر، لكن الجهود المبذولة لاستخراج هذا المكون الحيوي للطاقة النووية وإنتاجه بكميات كافية ستجعله مصدرًا صالحًا لتلك البلدان التي تفتقر إلى مناجم اليورانيوم.
إن الطريقة العملية لاستخراج اليورانيوم من ماء البحر قد تمكننا من إنتاجه بكميات أكبر في وقت أقل، وعلى هذا قد تساعد في جعل الطاقة النووية أمرًا قابلًا للتطبيق سعيًا نحو مستقبل طاقة خالٍ من الكربون.
يقول العلماء المتخصصون في هذا النوع من البحوث إن تركيزات اليورانيوم في ماء البحر ضئيلة للغاية، ذلك أنها تعادل جزءًا واحدًا من الملح مذابًا في لتر من الماء. لكن المحيطات شاسعة جدًا لدرجة أنه إذا أمكن استخراج هذه الكميات الضئيلة بتكلفة اقتصادية، فإن ذلك يجعل من المحيطات مصدرًا لا ينضب لإنتاج اليورانيوم.
يوجد اليورانيوم في الطبيعة بصفته عنصرًا كيميائيًا موزعًا بنسب قليلة ضمن القشرة الأرضية، وهو لا يوجد في حالته النقية بل يدخل في تركيب العديد من المعادن والصخور مثل «اليورانيت» و«الكوفينيت».

وتعد الصخور النارية مثل الغرانيت، والصخور الرسوبية كالحجر الرملي، من أبرز الحواضن الطبيعية له بتركيزات متفاوتة، ويوجد بتركيزات ضئيلة جدًا في مياه البحار والمحيطات.
وفي ما يخص أماكن استخراج اليورانيوم تتصدر دول مثل كازاخستان وكندا وأستراليا قائمة المناطق الغنية بمخزون هائلًا من خاماته، لأنه يستخلص عبر عمليات تعدين دقيقة ليستخدم لاحقًا وقودًا أساسيًا في المحطات النووية لتوليد الطاقة.
هل يمكن استخراج اليورانيوم من مياه البحر؟
نعم، يمكن استخراج اليورانيوم من مياه البحار والمحيطات تقنيًا، حيث تحتوي المياه على كميات هائلة منه تقدر بنحو 4 مليارات طن، وهو ما يفوق الاحتياطيات البرية بمئات الأضعاف.
تُعد المصادر البديلة للطاقة، مثل: طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية، ضرورية للحد من انبعاثات الكربون في العالم، وهي إلى ذلك تتميز بانخفاض تكلفة إنتاجها. مع ذلك، يرى بعض الخبراء أن الطاقة النووية لا تزال مهمة؛ لأنه يمكن تشغيلها وإيقافها لتتناسب مع الارتفاع والانخفاض في الطلب دون انبعاثات الكربون.
يرى الباحثون في مجال البحث النووي أن العالم بحاجة إلى الطاقة النووية كجسر نحو مستقبل ما بعد الوقود الأحفوري.
ولتلبية وتأمين احتياجات الدول التي لديها مفاعلات نووية لإنتاج الطاقة، فلا مفر من البحث عن مصدر لا ينضب من اليورانيوم. لهذا يُعد استخراج اليورانيوم من ماء البحر مهمًا جدًا، ويحتل أهمية قصوى لهذه البلدان لتلبية وتأمين احتياجاتها الدائمة من اليورانيوم.
الواقع العالمي يقول إن الطاقة النووية تولد حاليًا 20% من الكهرباء في الولايات المتحدة و13% في جميع أنحاء العالم. ومع أن الباحثين يعملون ليل نهار على تحسين سلامة المفاعلات وحل مشكلات التخلص من النفايات، فإن الحاجة لا تزال ماسةً إلى طريقة عملية لاستخراج اليورانيوم من مياه البحر اقتصاديًا بصفته مصدرًا آمنًا للوقود النووي.
كيفية استخراج اليورانيوم من البحر؟
عَرَفَ العلماء منذ زمن طويل أن اليورانيوم المذاب في مياه البحر يتحد كيميائيًا مع الأكسجين لتكوين أيونات اليورانيل «Uranyl ions» ذات الشحنة الموجبة. ولاستخراج أيونات اليورانيل هذه، تُغمس ألياف بلاستيكية تحتوي على مركب يسمى أميدوكسيم «amidoxime» في مياه البحر، فتلتصق أيونات اليورانيل بالأميدوكسيم.

وعندما تتشبع الألياف بأيونات اليورانيل، تُعالج كيميائيًا لتحرير اليورانيل، ويجري تكرير اليورانيل لاستخراج اليورانيوم منه، ثم يُستخدم في المفاعلات تمامًا مثل الخام المستخرج من المنجم.
يقول العلماء إن جدوى استخدام هذه الطريقة تعتمد على ثلاثة متغيرات رئيسية. المتغير الأول: مقدار اليورانيل الذي يلتصق بالألياف. والمتغير الثاني: مدى سرعة التقاط الأيونات. والمتغير الثالث: كم مرة يمكن إعادة استخدام الألياف.
في آخر البحوث التي نشرتها جامعة ستانفورد، حسَّن الباحثون المتغيرات الثلاثة: القدرة، والمعدل، وإعادة الاستخدام.
واستطاعوا عمل ألياف هجينة موصلة تشمل الكربون والأميدوكسيم. وبإرسال نبضات كهربائية عبر الألياف، غيروا خصائص الألياف الهجينة، ما مكَّن من جمع مزيدًا من أيونات اليورانيل.
ألياف هجينة أفضل وأسرع وأطول عمرًا
قارن الباحثون في جامعة ستانفورد ألياف ستانفورد الهجينة من الكربون والأميدوكسيم مع ألياف الأميدوكسيم، فاختاروا أولًا كمية اليورانيل التي يمكن لكل نوع من الألياف الاحتفاظ بها قبل الوصول إلى التشبع.
وقد وجدوا في هذه الاختبارات أنه بحلول الوقت الذي أصبحت فيه ألياف الأميدوكسيم القياسية مشبعة، كانت ألياف ستانفورد الهجينة من الأميدوكسيم والكربون قد امتصت فعلًا 9 أضعاف كمية اليورانيل، ولم تكن بعد قد وصلت إلى مرحلة التشبع.
والأكثر من ذلك، أن الألياف المكهربة التقطت ثلاثة أضعاف كمية اليورانيل خلال اختبار مدته 11 ساعة باستخدام مياه البحر، كما أن عمرها الافتراضي كان ثلاثة أضعاف عمر الأميدوكسيم القياسي.
وبالرغم من الخطوات الكبيرة التي خطوها نحو التطبيق العملي لاستخراج اليورانيوم من ماء البحر، فإنهم يرون أنه لا يزال أمامهم الكثير من العمل للقيام به.
وشددوا على أن البحوث المتعلقة باستخراج اليورانيوم من ماء البحر يجب أن تسير بالتوازي مع تحديات سلامة المفاعلات والتخلص من النفايات. لكنهم يطمحون في نفس الوقت إلى أن جزءًا من الكهرباء التي تحتاج إليها الدول في هذا القرن يجب أن يكون مصدره المفاعلات النووية. ويعتقدون أيضًا أن تكون الطاقة النووية جزءًا من مزيج من مصادر الطاقة المختلفة التي تخلو من الانبعاثات الكربونية.
ولتحقيق ما يصبو إليه العلماء، لأن يكون للطاقة النووية نصيب كبير في ما يحتاج إليه العالم من طاقة كهربائية، يجب توفير اليورانيوم اللازم لتشغيل المفاعلات النووية بتكلفة اقتصادية معقولة.
ختامًا، يظهر بوضوح أن العلاقة بين العلم والحاجة البشرية للطاقة هي محرك الابتكار الأول، فالنجاح في استخلاص اليورانيوم من مياه البحر هو صمام أمان لمستقبل الطاقة العالمي.
ومع استمرار البحوث لتطوير ألياف أكثر كفاءة وأطول عمرًا، تزداد الآمال في أن تصبح المحيطات موردًا دائمًا يغذي مفاعلاتنا بسلام، شريطة أن يسير هذا التطور جنبًا إلى جنب مع تعزيز معايير السلامة النووية وإدارة النفايات، لنصل في النهاية إلى مزيج طاقة متوازنًا ونظيفًا يحمي كوكبنا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.