هل شعرت يومًا أنك تمشي في ماراثون طويل، تحمل فيه حقائب الجميع على كتفك، في حين تمشي أنت حافيًا؟ هل تساءلت في لحظة سكونٍ مفاجئة: متى كانت آخر مرة فعلتُ فيها شيئًا لنفسي؟
كثيرون منا سقطوا في فخ القداسة الزائفة؛ تلك التي تمنحنا شعورًا بالرضا وهم يُغدقون العطاء على كل من حولهم، حتى يستيقظوا ذات يوم ليجدوا أرواحهم قد أصبحت بيوتًا مهجورة سكنها الغبار، بعد أن وهبوا مفاتيحها للآخرين ونسوا أن يسكنوها.
في هذا المقال، لا نتحدث عن الأنانية، بل نتحدث عن العودة إلى الديار.. عن استعادة تلك القطعة المفقودة من أرواحنا والتي تُدعى استحقاق الذات. انطلاقًا من موقفٍ إنساني ومؤلم لزميلٍ اكتشف أنه ادخر لكل الناس إلا قلبه، نفتح معكم هذا الموضوع الشائك: كيف تمنح الآخرين دون أن تفقد نفسك؟
قُدِّر لي اليوم أن أتحدث مع أحد الزملاء، وما دفعني للحديث معه هو أنني شعرت كأنه حزين، وسألته عن السبب، فأخبرني بأنه قدَّم كثيرًا لهذا وذاك... في البيت، في العمل، للأقارب... ولكنه، فجأة، اكتشف أنه نسي نفسه.
ادَّخر مالًا لإرسال زوجته إلى الحج، ولكنه هو لم يحج.
استدان من أصحابه كي يساعد أخاه في شراء سيارة، ولكنه هو ليس عنده سيارة... إلخ، وحين تأمَّل في كل هذا، سأل نفسه سؤالًا: «وأين أنا؟»
ومن هذا الموقف، وُلدت فكرة هذا المقال؛ ففي لحظةٍ ما، يكتشف الإنسان أنه عاش طويلًا وهو يعتذر عن نفسه؛ يعتذر عن أحلامه، عن رغبته في الأفضل، وعن حاجته البسيطة لأن يُعامَل بكرامة. لا أحد طلب منه هذا الاعتذار صراحة، لكنه، على ما يبدو، تعلَّمه كما نتعلم الصمت.
إن استحقاق الذات ليس صوتًا عاليًا، ولا ادعاءً أجوف، بل هو ذلك الإحساس الخافت الذي يقول لك: «أنا أستحق أن أُحترم، أستحق أن أُقدَّر، أستحق أن أهتم بنفسي أيضًا، كما أهتم بالآخرين، وأستحق ألا أُهان باسم الحب، أو العمل، أو العِشرة، أو العشم الزائد».
الغريب أننا نولد ونحن نعرف قيمتنا بالفطرة، ثم نتعلَّم -بمرور الوقت- أن نشك فيها؛ نتعلَّم أن نؤجل أنفسنا، أن نختار الراحة للآخرين والتعب لنا، أن نرضى بالقليل خوفًا من فقدان كل شيء، وأن نُسمي التنازل حكمة، والصبر فضيلة، حتى يتحول إلى وجع داخلنا.
سمات الشخص المستحق لذاته: كيف تعرف أنك على الطريق الصحيح؟
إن الوصول إلى مرحلة استحقاق الذات ليس شعورًا عابرًا، بل هو سلوك يومي يتجسد في ممارسات واضحة تميز الشخص المتزن نفسيًّا عن الشخص المستنزَف. وتتمثل أبرز هذه السمات في التالي:
- القدرة على قول لا بلا ذنب: يدرك أن طاقته محدودة، لذا يرفض الطلبات التي تستنزفه روحيًّا أو ماديًّا، مؤمنًا بأن «لا» للآخرين هي «نعم» لنفسه ولسلامه الداخلي.
- وضع حدود نفسية واضحة: لا يسمح بـ (العشم الزائد) أن يتحول إلى تطاول، ولا يقبل أن تكون كرامته ثمنًا لاستمرار أي علاقة، سواء كانت عائلية أو مهنية.
- الاستثمار في النفس: يرى أن الإنفاق على راحته، صحته، وتطوير مهاراته هو "استثمار" وليس "رفاهية"، فهو لا ينتظر أن يفيض المال ليعطي نفسه، بل يجعل لنفسه نصيبًا ثابتًا مما يملك.
- عدم انتظار التصفيق: لا يستمد قيمته من كلمات المديح أو نظرات الإعجاب؛ فتقديره نابع من الداخل، ما يجعله صامدًا أمام النقد غير البناء.
- التصالح مع النقص البشري: يتقبل أخطاءه بمرونة ولا يجلد ذاته، فهو يعامل نفسه بالتعاطف مع الذات كما يعامل صديقًا مقربًا.

كم مرةً بقينا في أمكنة لا تُشبهنا؟
في علاقات نمنح فيها أكثر مما نحتمل، وفي طرقٍ نعرف، في أعماقنا، أنها ليست لنا... لكننا نستمر، لأننا لم نتعلَّم بعد أن الرحيل، أحيانًا، نوع من أنواع الاحترام.
استحقاق الذات لا يجعلك أقل لطفًا، بل يجعلك أكثر صدقًا. لا ينزع عنك إنسانيتك، بل يحميها من التآكل البطيء. هو أن تعرف الحد الفاصل بين العطاء والاستنزاف، وبين الصبر والإنكار، وبين التواضع والتنازل عن النفس.
وفي النهاية.. استحقاق الذات ليس دعوةً لعدم الإحسان، ولا دعوةً لعدم العطاء، ولا دعوةً لعدم البر بالأهل؛ إنما هو سلامٌ داخلي مع النفس. هي دعوةٌ ألا تُهمل نفسك وتنشغل فقط بالآخرين أو العمل أو ادخار المال... فلمن، إذن، تجمع هذا المال، إذا لم يؤثر جزءٌ منه عليك؟ استحقاق الذات هي دعوةٌ للتوازن، ودعوةٌ أن تعرف أنك، أيضًا، تستحق.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.