تبدأ كثير من القصص القصيرة بآلام تنتهي بمعجزات، لكن هذه القصة تختلف؛ فهي تغوص في صراع داخلي يعيشه كثير منا. يبحث القُراء عادة عن قصص قصيرة مؤثرة تمنحهم مواساة لحظية، لكننا اليوم أمام قصة واقعية بروح فلسفية، تطرح سؤالًا جوهريًا: هل يجب أن نتألم أكثر لنستحق حياة أفضل؟
في هذه القصة الهادفة، نرافق طفلًا لم يواجه الفقر فحسب، بل واجه أصواتًا تحاول إقناعه بأن بؤسه «غير كافٍ» ليُعوض. إنها قصة لكل من شعر يومًا أن حلمه بعيد، ولكل باحث عن عِبر وحِكم تغيِّر نظرته للاستحقاق والسعي. إليكم واحدة من أجمل روايات قصيرة المدى، عظيمة الأثر.
في إحدى المدن كان يعيش طفل صغير فقد أباه منذ الصغر. كبر وهو يحمل مسؤولية أكبر من سنِّه، يعمل، ويدرس، ويقاوم فقرًا لم يختره.
ورغم أن مَن حوله كانوا يعيشون في رخاء، اختار ألَّا يمد يده لأحد. كان يقول في نفسه دائمًا: «الله سيعوضني، سيرى تعبي هذا يومًا، وستكون حياتي أجمل».
لكن لم يكن وحده. كانت هناك أصوات تتكرر، وتعلو، وتضغط عليه: «سيعوضك عن ماذا؟ أنت قادر على العمل، يوجد من هو أسوأ منك». «ماذا لو كنت معاقًا؟ أو مظلومًا؟ أنت ليس لديك ما يستحق التعويض». كان يسكت، لكن داخله كان يتكسر.
وفي يوم كُسرت قدمه. تألَّم، لكنه قال: «سأكمل، والله سيعوضني عن هذا».
جاءه الرد سريعًا: «عن قدم مكسورة؟ هناك مَن فقَد قدميه ولم يُعوض! لماذا تظن أنك تستحق أكثر؟».
بدأت الأسئلة تنهشه: هل أستحق فعلًا؟ هل يجب أن أتألم أكثر لأستحق أكثر؟
ومع كل يوم كان يكتم حزنه، ويخزن بداخله غضبًا لا يعرف كيف يعبِّر عنه. حتى جاء اليوم الذي خسر فيه قدميه.
سقط، لكن لم يكن الألم هو الأصعب هذه المرة، بل الصوت.
«عن ماذا سيعوضك الله الآن؟ هناك من مات قبل أن يحقق حلمه، هناك من تألم أكثر منك ولم يُعوَّض».
صمت طويلًا، ثم -ولأول مرة- لم يسألهم. سأل نفسه: «أنا أستحق متى؟ حين أتألم أكثر؟ أم حين أحاول أكثر؟».
رفع رأسه ببطء، وقال بصوت هادئ لكن ثابت: «أنا لا أستحق لأنني أتألم، ولا لأنني الأكثر بؤسًا، أنا أستحق لأنني لم أتوقف عن المحاولة، لأنني، رغم كل شيء ما زلت أريد حياة أفضل، وأسعى لها».
نظر حوله، لكن هذه المرة الأصوات لم تختفِ، هي فقط لم تعد تُصدق.
الرسالة: الاستحقاق ليس مسابقة ألم. وليس عليك أن تكون الأكثر معاناة لكي يكون لك حق في حياة أفضل. أنت تستحق؛ لأنك تحاول.
وقف الصبي وهو بين صوتين:
صوت يقول له: «أنت لا تستحق… هناك من يعاني أكثر منك، ولم يتغير شيء».
وصوت آخر يهمس: «وأيضًا هناك من بدأ من لا شيء، وحاول، فتغير كل شيء».
سكت طويلًا، ثم قال لنفسه: «لو نظرتُ لمن هو أسوأ مني سأشعر أني لا أستحق. ولو نظرتُ لمن هو أفضل مني سأشعر أني لم أحصل على ما يكفيني. وفي الحالتين سأقف مكاني».
أخذ نفسًا عميقًا، وكأنه لأول مرة يفهم: «الحياة ليست مقارنة، ولا الاستحقاق يُقاس بالألم، ولا الأحلام تتحقق لمجرد أننا نتمناها».
«هناك من عانى، ولم يتغير شيء. وهناك من لم يعانِ كثيرًا، وامتلك كل شيء».
«لكن هناك من عانى وحاول، وهنا فقط يبدأ الفرق».
رفع عينيه وقال بثبات:
«أنا لن أنتظر الألم ليعطيني حقًا، ولا سأكتفي بالحلم كأنه كافٍ».
«أنا سأحاول، وأتعب، وأتعلم من كل خطوة».
«ولو جاء العوض، فسيأتي لأنني سعيت، لا لأنني تألمت فقط».
ومشى، ليس لأنه تأكد أن الطريق سهل، بل لأنه فهم أخيرًا أن الطريق الوحيد الذي يستحق أن يُمشى هو الطريق الذي تمشيه أنت.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.