16 عامًا بلا مونديال.. لماذا تحولت إيطاليا من بطل للعالم إلى متفرج؟

يعيش الجمهور الإيطالي صدمة كبيرة وحالة من الحزن العميق بعد الخروج من ملحق تصفيات كأس العالم 2026، لتغيب إيطاليا عن المونديال للمرة الثالثة على التوالي، حيث كانت آخر مشاركة لها في عام 2014. وبالتالي، على الإيطاليين الانتظار حتى عام 2030 لرؤية منتخبهم مرة أخرى بين الكبار، هذا إذا نجح في الصعود للمونديال، وهو ما يجعلنا نلقي الضوء على أسباب هذا التراجع بين غياب المواهب المحلية، وضعف الدوري الإيطالي، والجمود الفكري التكتيكي، وسوء الإدارة الرياضية.

وفي هذا المقال نشرح لكم أسباب فشل إيطاليا في التأهل لكأس العالم 3 مرات متتالية، وهل كان تتويج إيطاليا بلقب يورو 2020 طفرة تكتيكية مؤقتة، وما الذي يمكن لإيطاليا تعلمه من التجربة الألمانية لإنقاذ الكرة الإيطالية.

ما أبرز أسباب غياب إيطاليا عن كأس العالم 3 مرات متتالية؟

بعد أن خسر المنتخب الإيطالي أمام منتخب البوسنة والهرسك بركلات الترجيح في نهائي الملحق الأوروبي لمونديال 2026، دخلت الكرة الإيطالية نفقًا مظلمًا لبطل عالم سابق لم يستطع التأهل للبطولة الكبرى 3 مرات متتالية، وهو ما يعود للأسباب التالية:

  1. تراجع المواهب المحلية: لم تعد إيطاليا كما كانت سابقًا، إذ كان هناك اهتمام كبير بأكاديميات الشباب الموجودة في الأندية الإيطالية لعقود طويلة، وأصبح الاعتماد الآن على اللاعبين الأجانب الجاهزين، مما أدى إلى مزيد من العزوف عن الاعتماد على المواهب المحلية.
  2. غياب الكفاءة الهجومية: أصبحت إيطاليا تعيش كابوسًا فنيًا بسبب افتقارها المهاجمين القناصين من الطراز العالمي لسنوات طويلة، وبالتالي واجه المنتخب فترات من العجز التهديفي، خاصة في المباريات الهامة والمنعطفات الكبرى، حيث لم يستطع المهاجمون استغلال الفرص أمام المنتخبات المتوسطة في التصفيات وفي الملحق.
  3. الجمود التكتيكي: كثير من التعقيد والخطط التكتيكية المفرطة تسبب في فقدان اللاعب الإيطالي خصائصه الفطرية التي تعتمد على الصلابة الدفاعية مقابل القيام بأدوار متعددة ليتناسب مع التكتيكات الحديثة في الكرة، وهو ما كان في صالح الفرق المتوسطة التي تواجه إيطاليا.
  4. التخبط الإداري: نتيجة تتابع الأجهزة الفنية على المنتخب الإيطالي، عانى المنتخب من غياب الاستقرار الفني، وبالتالي تداخلت الرؤى المختلفة بين المدربين الماضي والحالي والسابق، وكذلك في اختيارات اللاعبين، مما أفقد المنتخب الإيطالي هويته المعروفة وشخصيته القوية في المنافسات الكبيرة.
  5. ضعف الدوري الإيطالي: مجموعة من العوامل أدت إلى تراجع الدوري الإيطالي في السنوات الأخيرة، منها ابتعاد الأندية الإيطالية عن قائمة الـ10 الكبار عالميًا من حيث الإيرادات، مع غياب الاستثمار في الملاعب الحديثة وقلة الإنفاق في التطوير، وبالتالي خسارة النجوم الكبار لصالح أندية الدوري الإسباني والإنجليزي.

هل كان تتويج إيطاليا بلقب يورو 2020 طفرة تكتيكية مؤقتة؟

نعم، بعدما ظن كثير من المشجعين والمتابعين أن الفوز بلقب يورو 2020 هو بداية عودة إيطاليا من الباب الكبير إلى المنافسات الكبرى، أثبتت السنوات التالية أن التتويج كان طفرة تكتيكية مؤقتة وحالة استثنائية عملت كمسكن مؤقت للتغطية على العيوب العميقة، وهو ما يمكن شرحه كالتالي:

  • التوليفة النفسية وليست الهيكلة: الحقيقة أن المدرب (روبيرتو مانشيني) نجح في خلق حالة نفسية وذهنية مذهلة أثناء البطولة لتلك التوليفة من اللاعبين الذين يجمعون بين الخبرة والشباب، واستغل لحظات التوهج البدني والذهني للفوز بالبطولة.
  • منظومة هجومية بلا عمق: اعتمد المنتخب الإيطالي في يورو 2020 على تكتيك هجومي مفاجئ لم يتعود عليه المنافسون من منتخب إيطاليا على مدار السنوات الطويلة، وهو ما نجح المدرب في تنفيذه من خلال عناصر محددة مثل (سبينازولا، وجورجينيو، وفيراتي)، إلا أن الفريق لم يكن يمتلك البدائل التي تساعد على استمرار تلك المنظومة.
  • الدفاع عن التاريخ: كان أحد أسباب الفوز بلقب يورو 2020 هو الصلابة الدفاعية الأسطورية للثنائي ليوناردو بونوتشي وجورجيو كيليني، الذي قدّم أداءً استثنائيًا قبل أن يعتزل كيليني ويتراجع بونوتشي تمامًا، لتظهر الهشاشة الدفاعية الإيطالية بعد ذلك.
  • العقم التهديفي المقنّع: من خلال مراجعة الأهداف التي أحرزتها إيطاليا في بطولة 2020، نجد عقمًا واضحًا على المستوى التهديفي بالنسبة للمهاجمين من العمق، إلا أن الأمر تم تعويضه من خلال التسجيل بواسطة الأجنحة، وهي الأزمة التي ظهرت في التصفيات الأوروبية لكأس العالم بعد ذلك.
  • رد الفعل العكسي للمنافسين: من الناحية الفنية، فإن إيطاليا قدمت أداءً مفاجئًا في يورو 2020 لمعظم المنتخبات التي واجهتها، وهو ما أدى إلى دراسة أسلوب إيطاليا التكتيكي والتعامل معه بغلق المساحات في التصفيات، مما جعل إيطاليا تبدو عاجزة تمامًا وغير قادرة على الاختراق.

كيف تتعلم إيطاليا من التجربة الألمانية لإنقاذ الكرة الإيطالية؟

يمكن النظر إلى ألمانيا التي مرت بتجربة مماثلة لما تمر به الكرة الإيطالية الآن وذلك في عام 2000، إلا أنها قامت بثورة هيكلية شاملة وعادت للفوز بكأس العالم عام 2014، وبالتالي يمكن لإيطاليا أن تستفيد من التجربة الألمانية من خلال تطبيق الخطوات التالية:

مراكز التدريب الإلزامية

فرضت ألمانيا إقامة مراكز تدريب في الأندية الألمانية في الدرجتين الأولى والثانية كشرط أساسي للحصول على رخصة اللعب. ويمكن لإيطاليا تطبيق تلك الفكرة على الأندية في الدرجة الثانية لبناء أكاديميات ناشئين متطورة بدلًا من الإنفاق على عقود اللاعبين الأجانب الجاهزين.

مراكز الدعم الإقليمية

في ألمانيا تم إنشاء 366 مركزًا للتدريب الإقليمي في كل أنحاء البلاد لتغطية المواهب الشابة ما بين سن 11 و14 عامًا التي لا تنتمي إلى أندية كبرى. ومع معاناة إيطاليا من غياب المواهب، فإن هذه الفكرة تبدو مناسبة تمامًا، خاصة في المدن الإيطالية التي تعاني من الإهمال في المناطق الجنوبية والمقاطعات البعيدة لضمان عدم ضياع أي موهبة في القرى والمدن الصغيرة.

قوانين اللاعب المحلي

فرضت ألمانيا مجموعة من القوانين التي تلزم الأندية بإشراك اللاعبين المحليين وخريجي الأكاديميات في قائمة الفريق بنسب معينة للحفاظ على فرص اللاعب المحلي في الظهور. وتستطيع إيطاليا أن تلغي بعض المزايا الضريبية التي تسهل جلب اللاعبين الأجانب، مع فرض قواعد صارمة لإشراك اللاعبين المحليين بنسب معينة، خاصة اللاعبين تحت 23 سنة، لمنحهم المشاركة والاحتكاك واكتساب الخبرات لصالح المنتخب.

تحديث مناهج التدريب

غيرت ألمانيا هويتها الكروية وانتقلت من الاعتماد على الكفاءة البدنية إلى الاعتماد على التمرير السريع والذكاء التكتيكي في المساحات الضيقة. وتحتاج إيطاليا إلى دمج مفاهيم الكرة الحديثة مثل الضغط العكسي واللامركزية مع القدرات الفطرية للاعب الإيطالي في الكفاءة الدفاعية والأداء البدني، وبالتالي يجب التركيز على إنتاج وتطوير المهاجمين وصناع اللعب بدلًا من الاكتفاء بتخريج المدافعين التقليديين.

الثورة الرقمية والكشافين

استفادت ألمانيا كثيرًا من الثورة الرقمية والبيانات الضخمة، وأقامت شراكات مع شركات التكنولوجيا لتحليل أداء اللاعبين حتى في مراحل الشباب والناشئين لتطويرهم والعمل على نقاط الضعف والقوة. ويمكن لإيطاليا تطبيق تلك الفكرة وتحديث منظومة الكشافة التقليدية الموجودة في إيطاليا بالشراكات مع شركات البيانات، والتحول إلى المنظومة الرقمية التي تقوم على المعايير العلمية والتنافسية بدلًا من العلاقات الشخصية.

هل يؤثر غياب إيطاليا عن كأس العالم من حيث الشغف والمنافسة؟

بالطبع يؤثر غياب منتخب إيطاليا عن كأس العالم تأثيرًا عميقًا ومباشرًا؛ حيث يفقد المونديال أحد أضلاعه التاريخيين الذين يصنعون هوية الكرة العالمية، وهو ما يظهر في ثلاثة جوانب رئيسية كالتالي:

  1. الشغف والدراما الكروية: مع غياب إيطاليا تفقد البطولة نكهتها الحماسية، حيث الصلابة الدفاعية المعروفة والمدرسة الكروية القديمة التي يعشقها كثير من مشجعي الكرة في العالم، وكذلك تغيب القصص الدرامية والمنافسات الكلاسيكية ضد ألمانيا والبرازيل والأرجنتين والتي تصنع الشغف الأكبر للبطولة.
  2. نسب المشاهدة: تعد إيطاليا إحدى أكبر القوى الاقتصادية والكروية في أوروبا، وبالتالي يخسر كأس العالم بغيابها عزوف ملايين المشجعين الإيطاليين عن متابعة البطولة، مما يؤدي إلى تراجع عوائد البث والرعاية، حيث تضطر الشبكات الإيطالية والشركات المحلية إلى خفض الميزانيات والإعلانات.
  3. مستوى المنافسة: إيطاليا هي بطلة العالم 4 مرات ودائمًا ما تكون مرشحة للفوز بالبطولة، وبالتالي يمثل غيابها ضعفًا للمنافسة ويفقدها شراسة الأدوار الإقصائية؛ فبدلًا من رؤية قمة تجمع بين إيطاليا ومنتخب عملاق، يحل محلها منتخبات لا تمتلك نفس الإرث التكتيكي والفني.

في الختام، غياب إيطاليا عن كأس العالم هو فقدان لقطب كروي أثرى تاريخ اللعبة لعقود. ويقف الأتزوري اليوم أمام مفترق طرق تاريخي؛ فإما المضي قدمًا في إصلاحات هيكلية جريئة تحاكي الثورة الألمانية، أو الاستمرار في دوامة التخبط التي قد تبعده عن الأضواء مدة أطول. برأيكم، ما هو الحل الجذري الذي يحتاجه المنتخب الإيطالي للعودة إلى منصات التتويج؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.