إن الإحساس بما يسمى «ضوضاء الطعام» هو شعور حقيقي، وقد رُصد كمشكلة نفسية يعاني منها الكثيرون، وتؤثر في الذين يجدون صعوبة في إدارة أوزانهم، أو يرغبون في اتباع الأساليب الصحية في تناول الطعام للحفاظ على اللياقة وتجنب الأمراض ومضاعفاتها، أو حتى التوصل إلى الهيئة والشكل المرغوب فيهما.
ومع ظهور الاستخدام المتزايد لأدوية السكر للتحكم في الوزن، بالإضافة إلى فقدان الوزن بطريقة أسهل من دون معاناة مقارنة بالأساليب المعتادة، اتضح أنها، إلى جانب هذه الميزة المتفق عليها، تُهدِّئُ التفكير المستمر في الطعام، وفي بعض الأحيان تُوقِفُهُ تمامًا، وتؤدي إلى الشعور بالشبع وامتلاء المعدة لفترة طويلة، مما يساهم في التغلب على الإحساس بضوضاء الطعام.
وهناك أساليب وتقنيات للتغلب على معاناة ضوضاء الغذاء، سيتم سردها قبل اللجوء إلى تناول العقاقير التي لا تخلو من مضاعفات.
ما تعريف الضوضاء الغذائية؟
عُرِّفت الضوضاء الغذائية بأنها الأفكار المستمرة والملحة عن الطعام، التي يشعر الشخص أنها غير مرغوبة، ويفضل تجنبها للحفاظ على الحالة الصحية المناسبة، ويمكن أن يصل هذا الشعور إلى التسبب في مشكلات اجتماعية أو نفسية أو جسدية، وإلى الشعور بالوحدة والعزلة والانطواء.
ويعرف ضجيج الطعام بأنه مصطلحٌ يصف حالةً من «الهوس الذهني» المستمر بالأكل، حيث ينشغل العقل بالتفكير في الوجبة التالية، أو استرجاع تفاصيل وجبةٍ سابقةٍ، أو اشتهار أطعمةٍ معينةٍ بشكلٍ مُلحٍّ حتى في حالة عدم الجوع الجسدي. علميًا، يعكس هذا الضجيج خللاً في التواصل بين مراكز المكافأة والجوع في الدماغ، مما يجعل صوت الرغبة في الأكل يطغى على إشارات الشبع الطبيعية.

متى تعد الضوضاء الغذائية مشكلة؟
من المهم الاعتراف بأنه من الطبيعي، بل الصحي أيضًا، أن تقضي بعض الوقت يوميًا في التفكير في الطعام ومحاولة تناول الطعام الصحي. وهذا يعني الانتباه والتفكير والوعي في تخطيط الوجبات وتوقيتها. لكن المشكلات تنشأ عندما يأخذ التفكير حيزًا أكبر مما ينبغي، ويتسبب في الشعور المتزايد بالصلابة والحرمان والتوتر، وهو ما يعيق الاستمتاع بنمط الحياة وسلاستها، لتتحول هذه الأفكار إلى ما يسمى بضوضاء الطعام.
عوامل انتشار الضوضاء الغذائية
مما يسهم في انتشار هذه الظاهرة التجارب السابقة مع الحمية الغذائية المقيدة، أو تقلبات الوزن، وكذلك المحاولات المتكررة لفقدان الوزن عن طريق الحرمان. فعندما تحد من الطعام، يدرك الجسم أن نقصًا عما اعتاد عليه، ويتكيف عن طريق زيادة إشارات الجوع إلى المخ للحث على البحث عن الطعام.
وكلما اتبع الأشخاص المزيد من الحميات وفرضوا المزيد من القيود، أصبح الجسم أكثر قدرة على التكيف مع الوضع الجديد، وصار التحكم بالوزن أصعب، كما تزداد كثرة التفكير في الطعام.
كيفية التغلب على ضوضاء الطعام
من المؤكد أن الشعور بضوضاء الطعام يُعد تحديًا كبيرًا، لكن اتباع بعض العادات والممارسات يمكن أن يساعد في خفض الصوت الداخلي، مثل الآتي:
- تناول وجبات منتظمة ومتوازنة، لأن تخطي وجبات أو تناول الطعام في أوقات غير متوقعة وغير منتظمة يؤدي إلى زيادة الرغبة في التفكير في الطعام. قد تساعدك روتينات الوجبات المنظمة على تقليل القلق والتفكير بشأن الطعام.
- يجب أن يتضمن الغذاء بعضًا من البروتين والألياف بما يتواءم مع الاحتياجات اليومية في كل وجبة؛ فكلاهما يستغرق وقتًا أطول للهضم، وهو ما يطيل الشعور بالشبع ويساعد في منع التفكير في الطعام الناتج عن الجوع.
- التعرُّف على تقنيات الأكل الواعي وممارستها للتمكن من الاستمتاع بتناول الطعام، والتعرف على إشارات الجسم، بمعنى التفريق بين الجوع والعطش، أو الأكل لمجرد الإلهاء في أثناء التفكير أو الإحساس بالضيق والتوتر والملل. ولذا يوصي خبراء التغذية بالجلوس لتناول الوجبات بدلًا من الأكل في أثناء التنقل والحركة، وبالتقليل من مصادر الإلهاء مثل الهاتف أو التلفاز، حتى نتمكن من الإحساس بشعور الامتلاء والشبع.
- ممارسة تقنية جديدة عند الشعور الملح باقتراب فكرة تناول الطعام، وذلك بتأجيل التفاعل مع هذا الإحساس دون الانخراط في تلك الأفكار ومقاومتها، وبالطبع يتطلب هذا تدريبًا ومثابرة. وبالتكرار يمكن اكتساب القدرة على المقاومة.
- التعامل مع مصادر التوتر وإعطاء الأولوية للنوم وممارسة الرياضة، فمن المعروف أنه من الصعب العناية بالنفس في حالات التوتر والإرهاق. إن التوتر المستمر يزيد من إنتاج الكورتيزول، الذي يزيد الشهية ويحفز على الإحساس بالرغبة في تناول الطعام، الأمر الذي يجعل أصوات الجوع أصعب من السيطرة عليها. ولجعل التوتر أكثر قابلية للإدارة، يجب الانتباه لأهمية الحصول على قسط كافٍ من النوم، وتحديد مواقيت النوم والاستيقاظ، وكذلك تنظيم الأوقات لممارسة النشاط اليومي لمدة نصف ساعة يوميًا.
- طلب المساعدة الطبية إذا وجدت صعوبات في التحكم بضوضاء الطعام. إن النهج متعدد التخصصات الذي يشمل التغذية، والتمارين الرياضية، وإدارة التوتر، والنوم، والاستشارة السلوكية، وفي بعض الأحيان الأدوية، يمكن أن يُحدث فرقًا كبيرًا. ويجب معرفة أنه لا يوجد حل واحد يناسب الجميع ممن يعانون من ضوضاء الطعام، لكن يوجد كثير من الطرق لإدارتها.

ما هو الدواء المستخدم لتهدئة ضوضاء الطعام؟
برزت مؤخرًا أدوية من فئة «مقلدات الببتيد الشبيه بالجلوكاجون-1» (GLP-1 agonists)، مثل «أوزمبيك» (Ozempic) و«ويغوفي» (Wegovy)، وتعمل هذه العقاقير على محاكاة هرموناتٍ طبيعيةٍ تُفرز في الأمعاء، فترسل إشاراتٍ قويةً للدماغ بالشبع وتُبطئ تفريغ المعدة، مما يؤدي ميكانيكيًا وكيميائيًا إلى إسكات أو تهدئة تلك الأصوات الذهنية الملحة تجاه الطعام.
ما هي نسبة الأشخاص الذين يعانون من ضوضاء الطعام؟
لا تزال الدراسات السريرية تحاول حصر النسبة بدقةٍ، إلا أن بعض الاستطلاعات والتقديرات الطبية تشير إلى أن ما يقرب من 15% إلى 20% من الأشخاص الذين يعانون من السمنة أو زيادة الوزن يواجهون هذه الضوضاء بشكلٍ يوميٍّ ومزمنٍ. وتزداد هذه النسبة لدى الأشخاص الذين لديهم تاريخٌ طويلٌ مع الحميات الغذائية القاسية التي تسببت في اضطراب كيمياء الجوع لديهم.
هل ضوضاء الطعام هي اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه (ADHD)؟
ليست هي ذاتها، لكن هناك ارتباطًا وثيقًا بينهما؛ فالأشخاص المصابون بـ«ADHD» يعانون غالبًا من نقصٍ في مستويات «الدوبامين»، مما قد يدفعهم لا إراديًا للبحث عن التحفيز عبر الأكل كنوعٍ من «التنظيم الذاتي» أو الحصول على المتعة السريعة، لذا قد تظهر ضوضاء الطعام كعَرَضٍ جانبيٍّ ناتجٍ عن الاندفاعية أو البحث عن المكافأة المرتبط باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.
في الختام، يجب إدراك أنَّ ضوضاء الطعام ليست مجرد هواجس عابرة، بل هي ظاهرة طبية وسلوكية تتطلب تعاملًا شموليًا يجمع بين فهم الفيزيولوجيا العصبية وضبط العادات اليومية، ويكمن مفتاح التعافي في كسر حلقة «الجوع الكيميائي» وإعادة تدريب الدماغ على استقبال إشارات الشبع الحقيقية بعيدًا عن ضجيج التوتر والاندفاعية.
تذكر دائماً أنَّ الصحة المستدامة تبدأ من «هدوء العقل» أولًا، وأنَّ السيطرة على هذا الضجيج هي الخطوة الحقيقية نحو حياةٍ أكثر حيويةً وانضباطًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.