يرجع ذوبان الجليد في القطبين أساسًا إلى الاحتباس الحراري الناتج عن انبعاثات الغازات الدفيئة، إضافة إلى ارتفاع حرارة المحيطات وظواهر مناخية مثل النينيو، مما يسرّع تفكك الصفائح الجليدية. ويؤدي استمرار هذه الظاهرة إلى ارتفاع مستوى البحار، وتهديد المدن الساحلية والأراضي الزراعية، وزيادة الاضطرابات المناخية، بينما يبقى خفض الانبعاثات الكربونية أهم وسيلة للحد من تفاقمها.
وفي هذا المقال نوضح لك ماذا يحدث لو ذاب كل الجليد في العالم، ونتائج ذوبان الجليد في القطب الشمالي والقطب الجنوبي، وما أسباب ذوبان الجليد في القطبين، ولماذا يمثل ذوبان الجليد أزمة للأرض بأكملها.
ما هو جليد القطبين؟
هو ذلك الغطاء الجليدي الضخم الذي يغطي المناطق القطبية في شمال وجنوب الكرة الأرضية، والذي يتكون بدوره من المياه المتجمدة، سواء من الجليد البحري أو الأنهار الجليدية الكبرى أو الغطاء الجليدي القاري، وهو ما يعد جزءًا هامًا من النظام الحيوي للكرة الأرضية.
بالطبع لا نستطيع أن نتخيل الكرة الأرضية بدون الغطاء الجليدي في القطبين، والذي يعمل على تنظيم المناخ في الأرض، ويسمح للكائنات الحية بأن تعيش على الأرض من خلال عكس أشعة الشمس، بالإضافة إلى الحفاظ على درجة الحرارة المناسبة للحياة.
وفي حالة تغير أو انكماش نسب الغطاء الجليدي في القطبين فإن النتائج المترتبة على ذوبان القمم الجليدية القطبية لا يمكن تحملها، أهمها حدوث تغيرات مناخية عالمية تنذر بعواقب وخيمة على مستوى توازن المحيطات، وهو ما يؤثر كثيرًا على حياة الكائنات الحية بحرًا وبرًا وجوًا.
ما أسباب ذوبان الجليد في القطبين؟
هناك عدة أسباب تؤدي إلى ذوبان الجليد في القطب الشمالي والقطب الجنوبي، والتي يشترك فيها الإنسان مع الطبيعة، مما يؤدي إلى تسارع ذوبان الجليد:
- سبب ذوبان الجليد في القطبين الرئيس هو ظاهرة الاحتباس الحراري العالمي، والتي تؤدي إلى زيادة درجة حرارة كوكب الأرض، وهو ما يؤدي مع الوقت إلى ذوبان الجليد تدريجيًا، وهو الأمر الذي يعود لأسباب تتعلق بالأنشطة البشرية التي تؤدي إلى تراكم غازات الاحتباس الحراري مثل ثاني أكسيد الكربون والميثان في الغلاف الجوي.
- هناك أيضًا ظاهرة تعرف باسم (الصدى المعزز للحرارة) والتي تعد من الأسباب الرئيسية التي تسمح بذوبان مزيد من الجليد. تحدث هذه الظاهرة عندما يذوب جزء من الجليد الموجود على اليابسة أو الأسطح الداكنة في القطبين، وبالتالي تنكشف هذه المنطقة وتمتص أشعة الشمس بدلاً من أن تعكسها، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع درجة الحرارة في هذه المنطقة وبالتالي ذوبان الجليد بشكل أكبر وأسرع.
- ارتفاع درجات الحرارة في المسطحات المائية يؤدي بدوره إلى ارتفاع درجات حرارة المياه الموجودة حول الكتل الجليدية العملاقة في القطبين، وهو ما يؤدي إلى تسخين الصفائح الجليدية من الأسفل، وبالتالي تتفكك هذه الصفائح وتنفصل عن بعضها وعن اليابسة، وتنزلق إلى البحر. ومع الوقت، تذوب الكتل الجليدية المنفصلة، بالإضافة إلى زيادة فرصة ذوبان كتل جليدية أخرى.
- أما عن الأنشطة البشرية التي تؤدي إلى ذوبان الجليد في القارة القطبية الجنوبية والقطب الشمالي، فحدث ولا حرج؛ حيث إن النشاط البشري أدى مع زيادة استخدام الوقود الأحفوري والعمليات الصناعية وإزالة الغابات على مدار سنوات طويلة إلى زيادة انبعاثات الغازات الدفيئة، والتي أدت بدورها إلى ارتفاع درجة حرارة الكوكب وحدوث ظاهرة الاحتباس الحراري، التي بدأ تأثيرها يظهر في القرن العشرين مع تفكك الكتل الجليدية وذوبان الجليد بشكل متسارع.
- هناك أيضًا بعض الظواهر الطبيعية والمناخية التي قد تؤدي إلى ذوبان الجليد، مثل (ظاهرة النينيو) التي تؤدي إلى ارتفاع غير طبيعي في درجات حرارة المياه السطحية، وبالتالي تحدث تغيرات كبيرة في أنماط درجات الحرارة والأمطار، بالإضافة إلى تمدد المياه الدافئة وتسخين الغلاف الجوي، وهو ما يؤدي مع الوقت إلى ذوبان الجليد.

ماذا يحدث في حالة ذوبان جليد القطبين؟
سؤال غريب ومخيف في الوقت نفسه يمكن الإجابة عنه باختصار وهو أن الأرض ستواجه تهديدًا وجوديًا وربما تختفي الحياة تمامًا عليها بعد عدة سنوات، كما يتوقع معظم العلماء، نظرًا للتأثير الكبير لذوبان الجليد على المياه والبيئة وعلى حياة البشر، حتى إن بعضهم يتصور دخول الأرض إلى عصور جليدية، مما يعني القضاء تمامًا على الحياة البشرية.
أما التبعات الأولى لظاهرة ذوبان الجليد في القطبين فقد تؤدي إلى ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار لا يقل عن 60 مترًا، وبالتالي سيؤدي هذا الأمر إلى غرق المنازل والأبنية والبيوت التي تتألف من نحو 16 طابقًا أو أقل، بالإضافة إلى غرق المناطق الساحلية بالكامل والتي يسكنها نحو 40% من سكان العالم، وهو ما يعني نظرياً أكثر من 3 مليارات نسمة.
ومع هذا السيناريو الخيالي، الذي لا يعده كثير من العلماء أمرًا بعيدًا، فإن الأرض ستشهد نزوحًا بشريًا ضخمًا إلى الداخل، وبعيدًا عن السواحل، وهو ما قد يؤدي إلى كوارث كبرى نتيجة قلة الموارد والغذاء، وفرص العمل، والمساكن، بالإضافة إلى اختفاء مدن كاملة من الوجود نتيجة ارتفاع المياه وغرق مساحات كبيرة من الأراضي.
أما الكارثة الأخرى فتتعلق بالأراضي الزراعية؛ حيث إن ارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات سيؤدي إلى زيادة الملوحة في الأنهار والأراضي الزراعية، وهو ما يجعلها غير صالحة للإنتاج الزراعي. أضف إلى ذلك ملوحة المياه العذبة بأشكالها المختلفة، وهو ما سيؤدي إلى فقدان الناس لمصادر الغذاء والماء، وبالتالي سيتجه الأمر إلى كارثة قد يقل معها عدد البشر بنسبة مخيفة.
وإذا كان هذا التصور الخيالي قد يجعل الناس يعتقدون أنه من المستحيل ذوبان الجليد في القطب الجنوبي والقطب الشمالي، فإن التوقعات العلمية لذوبان جزء من الجليد في القطبين في السنوات التالية تؤكد وجود كثير من السواحل والمدن التي ستغرق في غضون عقود قليلة، من بينها مدينة جاكرتا، عاصمة إندونيسيا، والتي يطلقون عليها أسرع المدن غرقًا في العالم، بالإضافة إلى مدينة نيويورك الأمريكية المعروفة بناطحات السحاب الشاهقة، وكذلك جزر المالديف التي قد تختفي ثلثا مساحتها في نهاية القرن الحالي.

كيف يمكن إيقاف ذوبان جليد القطبين؟
مع الشعور بالخطر من آثار ذوبان الجليد في القطبين، فإن هناك العديد من الجهود المبذولة في السنوات الماضية، بالإضافة إلى الأفكار المطروحة على المستوى النظري والأفكار التي بدأت تُنفذ بالفعل. ومن هذه الجهود ما يلي:
- محاولات لزيادة سمك طبقة الجليد البحري في القطبين من خلال عدة طرق، مثل حفر الثقوب الجليدية وملئها بمياه البحر التي تتجمد بفعل درجة الحرارة المنخفضة، وهو ما يزيد من سمك الجليد.
- محاولات أخرى لإبطاء حركة ذوبان الجليد في القطبين عن طريق استخراج المياه الموجودة في قاعدة الأنهار الجليدية، والتي تؤدي إلى سرعة الذوبان.
- تغطية الأسطح المكشوفة في المناطق الجليدية بمواد عاكسة عالية البياض لعدم امتصاص الحرارة، مثل حبيبات الزجاج التي تساعد على تقليل امتصاص أشعة الشمس.
- أما الجهود المتعلقة بالنشاط البشري فيمكن تركيزها في تقليل انبعاثات الكربون الأسود والغازات الدفيئة التي تؤدي إلى الاحتباس الحراري، والذي قد يساعد على خفض درجات الحرارة التي تؤدي إلى ذوبان الجليد بسرعة.
- هناك أيضًا دعوات من مؤسسات وعلماء للتعامل مع الواقع والتكيف مع ذوبان الجليد إلى هذا الحد والتركيز على بناء الحواجز البحرية لمنع تأثير ذوبان الجليد بقدر الإمكان.
في الختام، يظهر لنا بوضوح أن معرفة أسباب ذوبان الجليد في القطبين تضع الإنسانية أمام مرآة مسؤوليتها تجاه الأرض؛ فالأمر لم يعد مجرد ظاهرة بيئية بعيدة عن واقعنا، بل هو ناقوس خطر يهدد جغرافية الأرض، واقتصاد الدول، وبقاء مليارات البشر، وتبقى حماية الغطاء الجليدي صمام الأمان الوحيد للحفاظ على توازن الحياة المناخي والحيوي قبل أن تتحول السيناريوهات المخيفة إلى واقع لا يمكن تداركه.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.