لم يكن الاهتمام الأوروبي بالتجارة المغربية صدفة تاريخية، بل نتيجة مباشرة لتحولات ديموغرافية وتكنولوجية كبرى عرفتها أوروبا خلال القرنين 18 و19. وبفعل فائض الإنتاج والحاجة الماسّة إلى الأسواق والمواد الأولية، تحولت أنظار القوى الاستعمارية نحو المغرب، بوصفه حلقة إستراتيجية بين أوروبا وإفريقيا. وبسبب تحركات دبلوماسية وعسكرية متصاعدة، سعت هذه القوى إلى بسط نفوذها على البلاد والتحكم في بواباتها التجارية.
دوافع الاهتمام الأوروبي بالتجارة المغربية
يأتي الاهتمام الأوروبي بالتجارة المغربية في الوقت الراهن في سياق التطورات الكبرى والعميقة التي شهدتها القارة الأوروبية على امتداد القرنين الماضيين، لا سيما في المجال الديموغرافي ومجال التقدم العلمي والتقني، وكانت السيطرة الأوروبية على العالم قائمة على تفوقها المادي والتقني وعلى تفوقها المالي والمصرفي.

في القرن التاسع عشر ضاقت غالب بلدان القارة الأوروبية بسكانها وبفرض منتجاتها، فتولد عن ذلك حاجة ملحة إلى انتهاج سياسة التوسع الاستعماري والهجرة خارج أوروبا، فكانت الهجرة الأوروبية أهم هجرة في العالم.
إن أوروبا كانت تتوسع بحثًا عن أسواق جديدة لغايتين:
- الغاية الأولى: تصريف الإنتاج التجاري لتأمين مبيعات تفوق إمكانيات الإنتاج.
- الغاية الثانية: البحث عن مصادر لتزويد مصانعها بالمواد الأولية لضمان تنمية الإنتاج واستمراره.
المخطط القنصلي عام 1788 للسيطرة على التجارة المغربية
لقد كشفت الوثائق الأوروبية عن مشروع الخطة التنظيمية التي انتهجها قناصلة الدول الأوروبية المقيمين بطنجة في أواخر القرن الثامن عشر، بقصد إحكام السيطرة على التجارة المغربية، ويمكن عرض مراحل هذه الخطة بناء على إحدى الوثائق المؤرخة بـ 18/6/1788م كما يأتي:

مقتضيات الخطة
- تأسيس اتحاد قنصلي يعمل من أجل القضاء على كل مقاومة تعارض مصالح القوى الأوروبية الاقتصادية في المجال التجاري.
- يعتمد هذا التأسيس على أن السلطان تربطه مع هذه القوى معاهدات سلم وتجارة.
- ويعتمد أيضًا على وجود مدخلات تحصل عليها الجمارك المغربية في حين أن التجارة الأوروبية مع المغرب بلغت حدًّا من التدهور وتعاني القوى الأوروبية صعوبات تجارية نتيجة إهمال في تطبيق بنود المعاهدات المذكورة.
- ادعاء بتلاعب عدد من موظفي المخزن.
إجراءات تطبيقية
- عند كل تعارض وقع لأحد قناصل القوى الأوروبية في شأن بنود المعاهدات التجارية مع المغرب عليه أن يبلغ الآخرين.
- بعد التأكد من صحة الخروق يوقعون متحدين تقريرًا موجهًا للسلطان، وينتهي الأمر إذا حصلت الاستجابة.
- في حالة عدم الاستجابة يُرسل إلى مراسي الدول الأوروبية بعد موافقة سلطات بلادهم لمنع السفن المتجهة نحو المغرب جميعها من المغادرة.
أطماع فرنسا وبريطانيا في المغرب بعد هزيمتي إيسلي وتطوان
عرف المغرب مرحلة جديدة من التدخل الأوروبي بعد هزيمتي إيسلي 1844، وحرب تطوان 1859-1860م، فقد حدث تطور في العلاقات الأوروبية المغربية، وصار في استطاعة أي جيش أوروبي مهما كانت قوته أن يتوغل في قلب المغرب دون القدرة على صده إلا بتهديد من دولة أوروبية أخرى، وبدأت حينئذ مرحلة التنافس الاستعماري على المغرب، ذلك التنافس الذي أغرق البلاد في الفوضى والبؤس.
الأهمية الإستراتيجية للموقع المغربي في التنافس الاستعماري
ويتجلى ما كان لموقع المغرب من دور إستراتيجي بارتباط مصالح الدول بهذا الموقع فيما يأتي:
لقد كانت بريطانيا تحرص على أن يبقى نفوذها في جبل طارق بعده نقطة استراتيجية تحمي ملاحتها في غرب البحر المتوسط، ويهمها بقاء المغرب في الضفة المقابلة من المضيق منتميًا إليها لتعزيز الأمن الملاحي خاليًا من أي نفوذ أجنبي يهدد الكيان البريطاني، زيادة على أن المغرب يعد مصدرًا لاستيراد الحبوب التي ارتفعت أثمانها، بسبب الحروب بأوروبا في تلك المدة، إضافة إلى أنه يمثل سوقًا رائجة للمنسوجات القطنية المصنوعة بمدينة مانشيستر.
أما فرنسا فيدفعها إلى هذا الاحتلال مشروع قديم في كتابات بعض المفكرين الفرنسيين في القرن الثامن عشر، وفي مخطط نابليون الذي نفذ ضباطه باستطلاعات في شمال إفريقيا في بداية القرن التاسع عشر، إضافة إلى عنصر المنافسة الفرنسية للقوات البحرية البريطانية المنتشرة في البحر المتوسط؛ ويتجلى ذلك في كون فرنسا أسرعت إلى احتلال مناطق مهمة من الضفة الجنوبية لهذا البحر، وهي على التوالي مصر (1798م)، والجزائر (1830م)، وتونس (1880م)، مستهدفة بذلك الاستيلاء على المغرب، أضف إلى ذلك طرح أوجين إيتيان حين قال: «إن لفرنسا في المغرب حقوقًا وواجبات تفوق ما لغيرها من الدول الأخرى، وإن الأساس الأول لحقوقنا هو الجزائر، فالجزائر قادتنا إلى تونس، وينبغي أن تقودنا إلى المغرب».
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.