في السنوات الأخيرة لوحظ زيادة ملحوظة لأعداد مرضى الاكتئاب. هل هو نتيجة لتغيرات لحظية في عالمنا، أم أن جذوره أعمق من ذلك بكثير؟ ففي حين يرى بعضنا أن الوباء والتكنولوجيا الحديثة هي الأسباب المباشرة، يظل السؤال قائمًا حول دور العوامل الجينية والاستعدادات النفسية. إن الاكتئاب هو حالة معقدة لا يمكن تفسيرها بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تفاعل معقد بين الاستعداد الوراثي والعوامل البيئية.
في هذا المقال، نستكشف أسباب زيادة الاكتئاب في العصر الحديث، معتمدين على منظور يجمع بين الملاحظات الشخصية والحقائق العلمية.
الوباء والحجر الصحي: تأثير العزلة الرقمية
منذ انتقالنا من العقد الثاني من الألفية الثالثة إلى العقد الثالث، لوحظ ازدياد طفيف لأعداد المصابين بمرض الاكتئاب بنسب تتراوح حتى 25%، لا سيما لمن هم في سن الطفولة والمراهقة. فهل الحجر الصحي في أيام وباء كورونا كان له تأثير كبير، أم العادات الخاطئة التي كنا نمارسها في تلك الأيام؟
تشير دراسة نشرتها مجلة لانسيت الطبية إلى أن جائحة كورونا تسببت في زيادة ملحوظة في انتشار اضطرابات الاكتئاب والقلق في جميع أنحاء العالم. مدة سنتين كاملتين بقي غالبيتنا في المنزل ساعات على الهاتف بلا حراك، نراقب حياة الآخرين المنيرة وسط تلك الأجواء المعتمة في غرف نومنا الباهتة.

في هاتين السنتين أُطلقت لعنة إدمان الهاتف، وربما أو أكيد هو السبب في الازدياد الملحوظ للاكتئاب اليوم، وليس بسبب تشاركات جينية لأجدادنا السابقين، بل بسبب ذلك الظلام الذي عشنا فيه وترعرعت قلوبنا بحب ذلك السواد. فلهذا وبعد انتهاء مدّة الحجر ماذا حدث؟ صُفعت قلوبنا وعقولنا بألوان الشمس الجميلة والسماء الزرقاء، حتى أحسسنا بأنه لا لون لها منذ انتقالنا من عام 2019، والحقيقة أن قلوبنا هي من فارقت تلك الألوان.
التكنولوجيا والاكتئاب.. سهولة المعاملات وفقدان الشعور بالوقت
لو رجعنا بالزمن قليلًا للخلف سترى والدتك تقول لك إن سبب ارتفاع حرارتك هو الهاتف. منطقيًا لا يمكن حدوث هذا، ولكن فعلًا الهاتف والتكنولوجيا الحديثة لهما دور رئيس وبارز في المزاج العكر والقلق والتوتر وما لا نهاية من الأمراض النفسية، وهذا ما جعلنا نتطرق لذكر الهاتف بوصفه أحد أسباب زيادة نسب الاكتئاب، لا سيما عند الأطفال والمراهقين.
ووفقًا للجمعية الأمريكية لعلم النفس، فإن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي يرتبط بزيادة الشعور بالوحدة والعزلة لدى المراهقين، وهو ما قد يسهم في ظهور أعراض الاكتئاب.

ولو رجعنا أيضًا إلى الأزمنة السابقة -أي قبل ظهور التكنولوجيا- سنرى أيضًا أن المعاملات والحياة كانت أصعب من الآن. فاليوم فقط بضغطة زر يمكن حل جميع الأزمات، أما في السابق فكان الفرد يبقى أيامًا لينهي معاملة واحدة، أو حتى لينتظر غسل الملابس حتى تجف كليًا. لكن مع السهولة التي وصلنا لها لم نعد نستشعر طعم الساعات والدقائق، أصبح الوقت يمضي ونحن على الهاتف بضغطة زر يصل لنا كل ما نريد حتى باب المنزل، بدلًا من الخروج وسط غروب الشمس مع الأطفال أو العائلة لقضاء الحاجيات معًا.
الاكتئاب والتفكير المفرط.. اجترار الأفكار السلبية
بلا شك التفكير والتأمل من أهم الأمور التي يُنصح بها، ولكن ماذا لو استُخدم بطريقة خاطئة؟ بالتأكيد ستقع على عاتقنا الآثار السلبية بدلًا من الآثار الإيجابية، وهذا عكس ما نريد تمامًا؛ لهذا سنتطرق في هذه الجزئية إلى كيف نستخدم التفكير في صالحنا لا ضدنا؟ أولًا ما مفهوم التفكير؟ هو عملية عقلية ووجدانية يقوم فيها الإنسان بتخصيص الفكر والعقل لإعمال النظر في أمر أو شيء ما بهدف فهمه واستيعاب معانيه والوصول إلى حقائق جديدة ومعارف مطلوبة، وينتج عنه زيادة اليقين والإيمان، مثل التفكر حول الحقائق والحياة وفي جمال الكون وليس البشر!
أحد أهم الأسباب التي تؤدي للإصابة بالاكتئاب والقلق هو التفكير في الخلق، أي في كلامهم أو تعبيراتهم أو محاولة الوصول لإجابة لم يذكرها الطرف المقابل، فلا يصل في محاولاته إلا إلى الألم النفسي الذي يسببه لنفسه. هذه الظاهرة تُعرف في علم النفس بالاجترار وهي التفكير المفرط في الأفكار والمشاعر السلبية على نحو متكرر دون الوصول إلى حلول، وهي فعلًا عامل خطر رئيس للاكتئاب.
دور الجينات والبيولوجيا في الاستعداد للاكتئاب
لا يمكن إغفال العوامل الجينية للاكتئاب. فالبحوث العلمية تؤكد أن للاكتئاب أسسًا بيولوجية حقيقية، منها:
-
الاستعداد الوراثي: تُظهر الدراسات أن وجود تاريخ عائلي للمرض يزيد من خطر الإصابة به. هذا لا يعني أن المرض وراثي بشكل حتمي، بل يعني أن بعض الأشخاص قد يرثون استعدادًا جينيًا يجعلهم أكثر حساسية للضغوط البيئية التي تثير الاكتئاب.
-
كيمياء الدماغ: وفقًا لمنظمة الصحة العالمية (WHO)، يرتبط الاكتئاب باختلال توازن النواقل العصبية في الدماغ، وهي مواد كيميائية مسؤولة عن تنظيم المزاج، وأشهرها السيروتونين والنورإبينفرين. وهذا يفسر لماذا تساعد الأدوية التي تستهدف هذه النواقل في تخفيف أعراض المرض.
هل الاكتئاب مرض وراثي؟
ليس بالكامل، لكن وجود تاريخ عائلي للمرض يزيد من خطر الإصابة به. إنه تفاعل معقد بين الجينات والبيئة.

هل تسبب وسائل التواصل الاجتماعي الاكتئاب؟
الدراسات تظهر وجود ارتباط قوي بين الاستخدام المفرط لها وزيادة أعراض الاكتئاب والشعور بالوحدة، خاصة لدى المراهقين.
ما الفرق بين الحزن والاكتئاب؟
الحزن هو شعور إنساني طبيعي ومؤقت يحدث استجابة لحدث معين. أما الاكتئاب فهو اضطراب مزاجي مستمر (لأسابيع أو أشهر)، يؤثر سلبًا في جميع جوانب الحياة (النوم، الشهية، الطاقة، العمل)، ويتطلب غالبًا مساعدة متخصصة.
في نهاية هذا المقال لن أذكر العلاج أو الدواء المناسب لحل مشكلة هذا المرض، لكن عليك أن تكتشف الثغرة التي بدأ منها هذا المرض -عافانا الله وإياكم- لأنه وبمجرد معرفتك للسبب سيكون الحل هو مقاطعة كافة أسبابه، ولو كان الناس هم السبب.
بلا شك لم أذكر جميع الاحتمالات؛ فالكلام يطول في هذا الموضوع، فيؤكد الأطباء والباحثون أن الاكتئاب قد ينجم عن عوامل بيولوجية ووراثية ونفسية واجتماعية مجتمعة. لكن ابدأ من اليوم رحلة اكتشاف ذاتك. وتذكر أن فهم الأسباب هو الخطوة الأولى، ولكن طلب المساعدة من المختصين يعد خطوة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها للتعافي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.