أسامة بن منقذ: فارس السيف والقلم ورفيق صلاح الدين في الحروب الصليبية

بطل كبير من أبطال الحروب الصليبية، يُذكر كلما ذُكر بطلها الأكبر صلاح الدين، وقد يُذكر صلاح الدين أحيانًا بما قاله عنه زميله ووليه؛ لأن هذا الزميل الولي فارسٌ كاتبٌ مُبرِزٌ في ميدان السيف وميدان القلم، مؤرخٌ لعصره، يقل نظراؤه في الصدق والفطنة وحسن البيان، ويندر بين العصور عصرٌ عرفناه بكتابة أبنائه، كما عرفنا العصر الأخير من أيام الصليبيين بكتابة هذا الفارس المجلي وهذا الكاتب المبين.

معقل شيزر «عرف الديك»

ذلك هو أسامة بن منقذ، فارس المعقل الأشم المسمى بعرف الديك، ومن حق هذا المعقل أن يسمى بلبد الأسد.

ودع فيه امرؤ القيس بلاد العرب، وهو راحل إلى أرض الروم، إذ يقول:

بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه

وأيقن أنَّا لاحقان بقيصرا

وإنما أيقن بالفراق حين ودع «شيزر»، معقل عرف الديك، فقال وهو ينظر إليها في ظلمات العشية:

تقطع أسباب اللبانة والهوى

عشية جاوزنا حماة وشيزرا

وبعد ذلك طالما تقطعت لبانات، وتصدعت حسراتٌ وزفراتٌ حول هذا المعقل المنيع.

أسامة بن منقذ، فارس المعقل الأشم المسمى بعرف الديك

سيكولوجية البطولة.. سر الحزم والاعتدال في زمن القلاقل

ظاهرة من ظواهر البطولة في الحروب الصليبية تتكرر في أسامة بن منقذ، كما تكررت في صلاح الدين بن أيوب، وهي ظاهرة الاعتدال والاتزان في الأخلاق والأعمال بين أكثر النابهين من أقران ذلك الزمان.

ظاهرة عجيبة في الزمن الأهوج الذي لم يشتهر بشيء كما اشتهر بالقلاقل والمفاجآت، ولكنها مع ذلك هي الظاهرة «المنتظرة» من زمن لم توجد فيه قوة واحدة بغير مناقض لها ومتربص بها وعدوٍّ يصدها عن سبيلها.

وبين هذه القوى المتناقضة ماذا ينفع البطل المتردد بينها إلا أن يكون على اتزان بين المساعدة والمعاندة، وبين التأييد والخذلان؟

كان في بغداد خليفةٌ وأمراءُ ينازعهم الأمر قادةٌ ووزراءُ، من العرب ومن غير العرب، ولا تكف الدسائس والمنافسات بين فريق وفريق حتى تعود فتظهر على أشدها بين فريقين آخرين.

وكان في القاهرة خليفةُ الدولة الفاطمية وأمراؤها، ينازعهم الأمر قادةٌ ووزراءُ، من مصر والسودان والمغرب وبلاد الترك والديلم، ولا تزال الدسائس والمنافسات بينهم على مثل تلك الحال التي تقابلها في بلاط بغداد.

وكان الولاة في الشام وفلسطين يميلون هنا أو يميلون هناك بمقدار؛ فمن جاوز منهم الحد لم يسلم من البوار.

وكان هذا العالم الإسلامي كله في ناحية منفصلة عن الناحية التي تقابلها وتناجزها من معسكر الحروب الصليبية؛ لا ترتفع الكفة مرة إلا هبطت مرة أخرى، ولا تدور الدائرة إلى اليمين إلا عادت فدارت كرة أخرى إلى اليسار.

لا جرم يثبت بين هذه الزعازع من استعد لكل منها بعدته، وتيقظ لكل خطر من أخطارها قبل وقوعه، أو اتخذ له الوقاء الصالح بعد وقوعه، ولا جرم كان أقوى الأبطال في تلك الميادين من قوي عليها بقوة الحزم وقوة الاعتدال.

كان صلاح الدين مثلًا في اتزانه واعتداله، وتعدد جوانبه بين الشجاعة والروية، وكان أسامة مثله في كل خصلة من تلك الخصال: شجاعًا حازمًا مقتصدًا في الهجوم، مُنشَبًّا في الحذر، وعدوًّا بمقدار.

تربية الفروسية من الأب الأديب والأم الشجاعة

وظاهرة أخرى من ظواهر السياسة في إبان الحروب الصليبية تتشابه فيها أسرة صلاح الدين الكردية وأسرة أسامة العربية، وهي الطموح الذي تكفه الأناة، أو هي الزهد في السلطان ما لم يكن قد جاء في أوانه على قدر وحسبان.

كبراء الأسرة الأيوبية تأخروا وقدموا صلاح الدين لأمور الولاية في الديار المصرية، وكذلك فعل الكبراء في الأسرة الكنانية حين تخلى مجد الدين عن الإمارة لأخيه عز الدين، وأجمع هذا نيته من أول نهجه على تدريب ابن أخيه وإعداده للملك في مدى سنوات معدودات، ولولا سفر أسامة ونكبات الحوادث المفاجئة لعلَّ الإمارة في شيزر كانت صائرة إلى الفتى الصغير قبل أن تصير إلى عمه القدير عز الدين.

وورث أسامة خلقًا وعقلًا من أسرته العريقة كما ورث صلاح الدين، فكلاهما من العصاميين العظام الذين عملوا لأنفسهم ولم يتكلوا كل الاتكال على العمل الموروث والحسب المنسوب.

ورث أسامة بن منقذ خلقًا وعقلًا من أسرته العريقة كما ورث صلاح الدين

والد أسامة فارس شجاع

إلا أننا نعلم ميراث أسامة عن أبيه وأمه، ولا نعلم من ميراث صلاح الدين إلا ما تلقاه من أسرة أبيه؛ فإن أسامة قد كتب عن أبويه، ولم يترك صلاح الدين أثرًا مكتوبًا نعلم منه غير ما علمناه من تاريخ أبيه وعمه، وإن كان المعلوم من سيرته خير دليل على المجهول.

كان أبو أسامة فارسًا أديبًا شاعرًا تقيًا، يخرج إلى الصيد، ويستريح في أثناء الطراد فيجلس في الطريق ليقرأ القرآن. وكان، مع ثقل جسمه وكبر سنه -كما قال أسامة- «يركض نهاره ولا يتصيد إلا على حصان، ونحن معه أربعة أولاد نتعب ونكل، وهو لا يضعف ولا يكل ولا يتعب، وكان يطرد اليحامير في أرض حصن الجسرة، فصرع منها يومًا خمسة أو ستة على فرس له دهماء، وكنا إذا وصلنا موضع الصيد ينزل عن الفرس ويجلس على صخرة ويقرأ القرآن ونحن نتصيد حوله…».

أم أسامة توزع السلاح على الرجال

أما شجاعة أمه، فمن روائعها الكثيرة أنها هي التي كانت توزع السلاح على الرجال، وأن القلعة حوصرت يومًا وأحاط بها العدو من جوانبها، فأخذت بنتها الكبيرة وأجلستها على شرفة في القلعة تطل على الوادي، وجاء إليها أسامة يطلب سلاحه، فسألها عن أخته: «أيُّ شيءٍ تعمل ها هنا؟» قالت: يا بني، إذا رأيتهم قد وصلوا إلينا دفعتها ورميتها إلى الوادي، فأراها قد ماتت ولا أراها مأسورة.

إن وليدًا ينجبه هذان الأبوان لجدير بالطموح وعلو الهمة، ولكن هؤلاء القوم كانوا في عمل دائم يشغل الهمم في معمعة القتال عن أبهة العرش وخيلاء الجاه. وكانوا يتركون الأبهة تنتظرهم على مهل في أوانها المقدور، ويزهدون فيها لما يشهدونه من أباطيلها؛ فلا غرابة في قيام سياسة الأسرتين الأيوبية والكنانية على الانتظار وتأخير الأمر إلى الغد المرجو للأبناء دون الأجداد والآباء.

فمن تعجل منهم فهو غير آمن على الملك ولا على نفسه ولا على بنيه، ومن تأنى فقد يظفر بنوه بما فاته باختياره ورضاه، وإن غدًا لناظره قريب.

قال ابن الأثير معتبرًا بمصائر الدول: «رأيت كثيرًا ممن ابتدأ الملك فانتقل ملكه إلى غير عقبه؛ فإن معاوية تغلب وملك فانتقل الملك إلى بني مروان بعده، ثم ملك السفاح من بني العباس فانتقل الملك إلى عقب أخيه المنصور، ثم كان أولُ من ابتدأ الملك من السامانية نصرُ بن أحمد فانتقل الملك إلى أخيه إسماعيل وعقبه، ثم عماد الدولة بن بويه ملك فانتقل الملك إلى عقب أخيه ركن الدولة، ثم ملك طغرل السلجوقي فانتقل ملكه إلى عقب أخيه، ثم شيركوه ملك فانتقل الملك إلى أخيه.

ولما قام صلاح الدين الأيوبي بالملك لم يبق الملك في عقبه، بل انتقل إلى أخيه العادل وعقبه، ولم يبق لأولاد صلاح الدين غير حلب. وكان سبب ذلك كثرة من يتولى ذلك أولًا، وأخذ الملك وعيون أهله وقلوبهم متعلقة به، فيحرم عقبه ذلك…». وهذا الذي رآه ابن الأثير معتبرًا بعبرة القرون الطوال قد كان في عصر أسامة وصلاح الدين عبرة اليوم والساعة في كل يوم وساعة؛ فلا حاجة إلى تفسير غير هذا التفسير لزهد الطامحين القادرين، ولا لارتقاب الآباء مآل الأمر إلى البنين؛ فإنها عبرة القرون كانت في تلك المرحلة عبرة السنين، بل عبرة الأيام في كل حين.

رحلة أسامة من دمشق إلى بلاط مصر

ويكاد البطلان -بطل بني أيوب وبطل بني منقذ- أن يتشابها في أدوار العمر، وإن لم يتشابها في تفصيل الحوادث ودرجات النجاح. فمن التجارب المتشابهة التي مرت بالرجلين أن أسامة تولى إدارة الشحنة في دمشق كما تولاها صلاح الدين، ونجح كلاهما في وظيفته؛ لأنها عمل يحتاج إلى الفراسة والفروسية، ويحتاج إلى الفطنة والشجاعة، ويحتاج إلى الحيلة والشدة، وليس في طبيعة الرجلين قصورٌ في أداة من هذه الأدوات.

إنما أخفق أسامة، في حين نجح صلاح الدين، لاختلاف الجنس بين أسامة ورئيسه معين الدين التركي؛ فلم يطمئن معين الدين إليه، وآثر عليه «الياروقي» من أبناء جلدته وأصفيائه المطلعين على دخائل عشيرته. وبادر أسامة بالرحيل قبل أن تلحقه كارثة من الكوارث التي تلاحق المغضوب عليهم بعد الرضى عنهم في بلاط ذوي السلطان، وانتجع الديار المصرية لعله يعوض فيها ما فاته من الحظوة عند أصحاب الشام.

بلاغة أسامة بن منقذ في مواجهة الجفاء

وفي ذلك يقول من قصيدة ميمية من غرر شعره، ومن أجمل ما قيل في الشكوى والعتاب:

فليت شعري بما استوجبتُ هجرهمُ

ولِمَ قصدهمُ عن وصلي السأمُ

حفظتُ ما ضيعوا، أغضيتُ حين جنوا

وفيتُ إذ غدروا، واصلتُ إذ صرموا

إلى أن يقول مخاطبًا معين الدين:

بلغ أميري معين الدين مألكةً

من نازح الدار لكن ودُّهُ أَمَمُ

وقل له: أنت خيرُ الغرِّ ففضلُك الـ

حياءُ والدينُ والإقدامُ والكرمُ

وأنت أعدل من يُشكى إليه، وَلِي

قضيةٌ أنت فيها الخصمُ والحكمُ

وما ظننتك تنسى حق معرفتي

«إن المعارف في أهل النهى ذممُ»

هلا أنفت حياءً أو محافظةً

من فعل ما أنكرته العرب والعجمُ

هبنا جنينا ذنوبًا لا يكفرها

عذرٌ، فماذا جنى الأطفالُ والحُرَمُ

ألقيتهم في يد الأفرنج متبعًا

رضا عدىً يسخط الرحمن فعلهمُ

ثم ختم هذا العتاب المر بأبيات ضمنها سطورًا من قصيدة المتنبي في عتابه لسيف الدولة، يصل فيها على ديدنه ما انقطع، ويرأب ما انصدع، ويستبقي للغد بقية من أمل ولو في غير مطمع، فقال:

لكنَّ رأيكَ أدناهم وأبعدني

«فليت أنا بقدْر الحب نقتسمُ»

وما سخطتُ بعادي إذ رضيتَ به

«فما الجرحُ إذا أرضاكمُ ألمُ»

ولستُ آسى على الترحال من بلدٍ

«شهبُ البزاة سواءٌ فيه والرَّخَمُ»

تعاونت بحبال الشمس فيه يدي

«ثم انثنت وهي صفرٌ ملؤها ندمُ»

فاسلم فما عشتُ لي فالدهرُ طوعُ يدي

«وكل ما نالني من بؤسه نِعَمُ»

وهذه طبقة من الشعر يرتضيها من تخصصوا للأدب وشغلوا به عن الحرب والحرب. فإذا كان هذا الشعر بعض أداة صاحبه في حياة شغلتها المعامع وملأتها مشكلات الحكم والسياسة، فهذا هو الفضل الذي يؤتاه الأفذاذ من الرجال، وقد كان أسامة في زمانه واحدًا قليل النظير بين هؤلاء الآحاد.

الفتنة تلاحقه في مصر

وفي مصر حل أسامة محل الحفاوة والكرامة من ساعة نزوله بأرضها إلى ساعة رحيله عنها. ويظهر من جملة سيرته فيها أنه اعتصم بما طبع عليه من الحكمة والحذر، وحاول جهده أن يبتعد عن مزالق الفتنة ودسائس الكيد والخصومة بين الخلفاء والمتطلعين إلى الخلافة، وبين الأمراء والقواد والمنافسين على مناصب الإمارة والقيادة.

في مصر حل أسامة محل الحفاوة والكرامة من ساعة نزوله بأرضها

ولكنه، على ما يظهر، قد غُلب على حكمته وحذره فاجتذبته الدسائس إليها على الرغم منه؛ أم خانته الحظوظ فانجذب إليها باختياره على غير عادته؟ واتهمته حاشية السلطان العادل بالتحريض على قتله، وأيد التهمة أن الوزارة صارت إلى صديقه أبي الفضل عباس بن يحيى، وكان أسامة في صحبته قبل مقتل السلطان العادل بيوم أو بعض يوم، ثم قتل الخليفة الظافر بعد ذلك، فثارت على أسامة ثائرة أنصاره، ودار القتال في الشوارع والبيوت بين الحزبين المتنازعين.

وقال أسامة في وصف هذه الوقعة إن «القتال بيننا وبينهم في الشوارع والأزقة؛ خيالتهم تقاتلنا في الطريق، ورجالتهم يرموننا بالنشاب والحجارة من على السطوحات، والنساء والصبيان يرموننا بالحجارة من الطاقات…».

خروجه من مصر وفراق أهله

ثم تعذر المقام في مصر على أسامة بعد هذه الوقعة، فأجمع الرحيل عنها. ولكنه خرج منها آخر الأمر، ولم يفقد فيها كل ما كسبه بالدَّهَانة والمودة وحسن الحيلة في اجتداب القلوب ونفي الشبهات؛ فأرسل إليه «ابن رزيك» أمير الصعيد الأدنى يطلب إليه البقاء، وأبى الوزير العباس أن يبقيه بعده، فلم يبرح مصر حتى أخذ أسامة في صحبته، ورضي أسامة بالسفر إلى الشام على أن تبقى أسرته في جيرة ابن رزيك، فكان له ما أراد.

وإيًّا كان مقام هذا الفارس الأديب الكيس الأريب، لقد كانت الرغبة في صحبته على الدوام أشد من رغبته هو في صحبة ذوي العروش والإمارات؛ فإنه كان عونًا لمن يقيم في كنفه، ولم يكن نديم سمر أو جليس ملق أو خدن مؤانسة وكفى. وقد صحب نور الدين علي إثر خروجه من مصر بعد أن بلغ الشيخوخة العالية، فكان في طليعة المقاتلين حينما نشب القتال بين المسلمين والصليبيين.

في حضرة الناصر.. أسامة بن منقذ مستشارًا لصلاح الدين

وسكت هو عن ذكر مآثره في هذه المرحلة، فلم نعلم بها إلا من كلام غيره؛ ومن ذلك قول المقدسي عن جهاده في حصار قلعة حارم: «إنه كان من الشجاعة في الغاية التي لا مزيد عليها». ومثل هذا المعين القدير لا يخفى مكانه على ملك خبير بأقدار العاملين كصلاح الدين، فلم يلبث أن كتب إليه يستدينه، ولم يزل بالمنزلة الأثيرة عنده؛ يقربه من مجلسه ويختصه بإقباله ويستشيره في أمره.

ويذكر أسامة فضل صلاح الدين معترفًا به، فيقول في كتابه «الاعتبار»: «ناداني إليه مكاتبة مولانا الناصر الدنيا والدين، سلطان الإسلام والمسلمين، جامع كلمة الإيمان، قامع عبدة الصلبان، رافع علم العدل والإحسان، محيي دولة أمير المؤمنين أبي المظفر يوسف بن أيوب... فاستنقذني من أنياب النوائب برأيه الجميل، وحملني إلى بابه العالي بإنعامه الغامر الجزيل، وجبر ما هاضه الزمان مني، ونفَّق على كرمه ما كسد عند سواه من علو سني...».

رقعة الشطرنج وعبرة الأيام عند كاتب «الاعتبار»

وأحسب لو أن مصورًا أراد أن يسجل الفروسية الإسلامية على عهد الحروب الصليبية في صورة رجلين اثنين، يمثلان طرفيها من الشباب والشيخوخة، ومن العرب والعجم، ومن جانبي السيف والقلم، لما استطاع أن يسجل تلك المعاني جميعًا في صورة أجمع لها وأجمل بها من صورة هذين البطلين متقابلين على رقعة الشطرنج، يرفعان من بيادقها وفرازينها ما يرفعان، ويضعان ما يضعان، وكأنهما يرمزان في كل حركة من حركات الأنامل الدقاق إلى وقعة ترتفع بها دول وتهبط بها عروش، وتدور فيها الدائرة بين الملوك والشعوب من مشارق الأرض إلى مغاربها، ومن أمم الفرنجة إلى أمم العرب والعجم والترك والديلم، ويصولان ويجولان في ميدان اللعب.

وقد استحقا كل هنيهة من هنيهات الراحة بتعب السنين الطوال وجهاد المخاطرة بالآمال والآجال؛ لم يصرفهما الشباب ولا الهرم عن الجد إلى اللهو، ولا عن الشدة إلى الرخاء.

ولم يزل همُّهما من الشباب كهمِّهما من الشيخوخة، صبرًا ومصابرة وكفاحًا للدنيا الماكرة، وأهبةً للنية المبيَّنة والبادرة الغادرة. ولو كان فتاهما يحسن من نظم الشعر ما يحسنه شيخهما المجاهد في السبعين، لقال كما قال وهو صادق في كل كلمة من كلمات ذلك المقال:

لهفي لشرخ شبيبتي وزماني

وتروحي للفتوة وطِمَانِ

أيام لا أعطي الصبابة مقودي

أنفًا ولا يُثني الغرامُ عناني

وإذ اللواحي في تقحمي الوغى

لا في الملام ولا الهوى تلحاني

وإذ الكماة على يقين أنهم

يلقى الردى في الحرب من يلقاني

أعتدهم، وهم الأسود فرائسي

فهم دريئة صارمي وسناني

والأسد تلقى مثلها مني إذا

لاقيتها بقوى يدٍ وجنانِ

كم قد حطمت الرمح في لباتها

فتركتها صرعى على الأذقانِ

حتى إذا البهمون قصر عثرها

خطري وعاث الضعف في أركاني

أبلتني الأيام حتى كلَّ عن

ضرب المهند ساعدي وبناني

نعم، وكأنما كان هذا الفارس الجالس إلى رقعة الشطرنج ينظر إلى رقعة الدنيا كلها، فيتمثل مصارع الأقدار والأعمار في مصارع تلك اللعب الصغار، فيقول بلسان الاعتبار، وهو كاتب «الاعتبار»:

انظر إلى لاعب الشطرنج يجمعها

مغالياً ثم بعد الجمع يرميها

كالمرء يكدح للدنيا ويجمعها

حتى إذا مات خلاها وما فيها

قراءة في كتاب الاعتبار

يُعد كتاب «الاعتبار» لأسامة بن منقذ وثيقة تاريخية وإنسانية فريدة، فهو يتجاوز كونه سيرة ذاتية ليصبح أنثروبولوجيا حية للعصر الصليبي؛ حيث مزج فيه الفارس بين أدب الفروسية وقصص الصيد والمقارنات الاجتماعية العميقة بين العرب والفرنجة، مستخلصًا من تقلبات حياته الطويلة دروسًا في القضاء والقدر، ليكون الكتاب بذلك مرآةً تعكس طبيعة النفس البشرية في أوقات الحرب والسلم بلسان المؤرخ الصادق والأديب المجرب.

ولقد شاء الله لفارس الحروب الصليبية وكاتبها أن يعاصرها من مطلعها إلى ختامها؛ فولد قبل نهاية القرن الحادي عشر (1095 م)، ومات قبل نهاية القرن الثاني عشر (1188 م). وألقى عن كاهله عبء الحياة والجهاد، وقد آذنت تلك الحروب أن تلفظ أنفاسها، وآذن الشرق الإسلامي أن يلقي عن كاهله أعباء جهادها. رحمه الله، وأحسن القدوة به في حربه وسلمه، وفي سيفه وقلمه، لمن يترسم خطاه ويهتدي بهداه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.