كانت الأزياء في العصر العباسي الأول لغةً بصرية بالغة التعقيد، تمنح الرائي القدرة على كشف الموقع الاجتماعي والصنعة والدين بمجرد إلقاء نظرة عابرة.
فمنذ اللحظة التي استقر فيها الحكم لبني العباس، امتزجت التقاليد العربية الأصيلة بمظاهر الترف الفارسي الساساني، مما أوجد نسقًا فريدًا من الأناقة والجاه. في هذا المقال، نسلط الضوء على أسرار الهيئة في العصر العباسي، وكيف تحولت الثياب إلى رموز سياسية واجتماعية تعكس أوج الحضارة الإسلامية في العراق.
كيف ميَّز العباسيون بين طبقات المجتمع في الزي؟
تأثر العباسيون في العصر الأول بالتقاليد الفارسية في جميع مناحي الحياة، ويتبدَّى هذا التأثير جليًّا في الأزياء؛ فلقد ميَّز العباسيون بين طبقات المجتمع في الزي، جارين في ذلك على ذات التقاليد التي كان يعمل بها ملوك الفرس الساسانيون.
فكان من رسم ملوك الفرس أن يلبس أهل كل طبقة ممن في خدمتهم لباسًا لا يلبسه أحد ممن في غير تلك الطبقة، حتى إذا مثل الرجل أمام الملك انكشف موقعه الاجتماعي من لباسه، وعُرفت صنعته دون سؤال.
وكانت الأزياء على هذا النحو تختلف في العصر العباسي في أشكالها وأنواعها وطرق صناعتها باختلاف الوظائف، بل وحتى الأديان؛ فكان للقضاة زي، وللشرطة زي، وللكتَّاب زي، ولكتَّاب الجند زي، وللتجار زي. وكان لحرائر النساء زي، ولكل مملوك زي، وللإماء زي.
وكذلك اختلفت العمائم، فكان للفقهاء عمامة، وللخلفاء عمامة، وللنصارى عمامة، في نسق بصري يعكس التقسيم الاجتماعي والديني للدولة.

وكان أصحاب السلطان ومن دخل داره على مراتب؛ فمنهم من يلبس المبطنة، ومنهم من يلبس الدراعة، ومنهم من يلبس القباء، ومنهم من يلبس البازيكند، ويعلِّق الخنجر، ويأخذ الجرز، ويتخذ الجمة، في مشهد يشي بالهيبة والرتبة معًا. وكان الشعراء يلبسون الوشي والمقطعات والأردية السود، تمييزًا لهم بوصفهم أهل بلاط وموضع نظر.
دلالات السواد العباسي ومنعطف الخضرة في عهد المأمون
وكان اللون الأسود هو اللون السائد في الأزياء في العصر العباسي، واستمر السواد رمزًا للخلافة العباسية، حاملًا دلالة سياسية وعقدية في آن واحد. ويذكر المؤرخون أن الرشيد لبس بطوس يوم وفاته جبة سوداء خزًّا بغير قميص، وعليها فنك، وفوقها دراعة خز سوداء مبطنة بفنك، وعلى رأسه قلنسوة طويلة وعمامة خز سوداء، وتطلس بطيلسان أسود.
وكان الأمين يوم قُتل يلبس ثيابًا بيضاء وسراويل، وعليها طيلسان أسود، في مفارقة لافتة بين اللونين ودلالتيهما.
وكان المأمون قد منع السواد يوم بايع عليَّ الرضا بن موسى الكاظم بولاية العهد، وأمر بتغيير لباس آبائه بلباس الخضرة، إعلانًا لتحول رمزي مقصود.
فلما عاد إلى قصره ببغداد بعد مصرع الأمين، كان الناس يختلفون إليه في كل يوم مسلمين، ولباسهم الثياب الخضر، ولم يكن أحد يدخل عليه إلا في خضرة.
وساد اللون الأخضر زيَّ أهل بغداد جميعًا، وكان الناس يخرقون ويمزقون كل ما لديهم من الأردية السوداء باستثناء القلانس، ومع ذلك فكان بعضهم يلبس القلانس السوداء متخوفًا، تحسبًا لتقلب السياسة وسرعة التحول.
وبخلاف القلانس، لم يكن أحد يتجرأ على لبس أقبية أو طيالس أو أعلام سوداء.
فلما حادثه بنو هاشم في ذلك، وقَسَمَ طاهر بن الحسين وخاطبه هو وقادة أهل خراسان، بان للمأمون ثقل الموقف وخطورة الإصرار، فاستجاب لهم واستدعاهم فقدموا. «فلما اجتمعوا عنده دعا بسواد فلبسه، ودعا بخلعة سوداء فكساها طاهر بن الحسين، وخلع على عدة من قواده أقبية وقلانس سوداء، فلما خرجوا من عنده وعليهم السواد، طرح سائر القواد الخضرة ولبسوا السواد»، إيذانًا بعودة الرمز القديم واستقرار الأمر.
وإذا كان السواد أصبح اللون السائد في الثياب الرسمية، فقد اتخذت للمنادمة ثياب مصبوغة زاهية، كأنما أرادوا بها موازنة صرامة الرسمي بلطف المجالس، وهي ثياب خز معلم، أو ثياب مصبوغة بالألوان الحمراء والصفراء والخضراء.
وكان يعقوب بن داود وزير المهدي يلبس في بعض الأحيان ثيابًا وردية، ولبس الرشيد طيلسانًا أزرق اللون يوم وفاة الخيزران، وكان المنصور يأمر أهل بيته بحسن الهيئة وإظهار النعمة، ويلزم الوشي والطيب، كما أمر بعدم لبس السراويل الكتانية.
تيجان العرب: فلسفة العمائم والقلانس في بغداد
وتنقسم الأزياء الرجالية إلى ثياب للرأس وأخرى للبدن. فأما لباس الرأس فيقتصر عادة على العمامة أو العصابة والقلنسوة، وهي عناصر لا تؤدي وظيفة ستر فحسب، بل تحمل دلالات وقار ومكانة، والعمامة والعصابة سواء في رأي الجاحظ.
وكانت العمائم لباس الرأس عند العرب منذ عصر الجاهلية، ولهذا قال عمر بن الخطاب: «العمائم تيجان العرب». وقيل لأعرابي: إنك لتكثر لبس العمامة؟ قال: إن شيئًا فيه السمع والبصر لجدير أن يوقى من الحر والقر.
ويعبر أبو الأسود الدؤلي عن فائدة العمامة فيقول: «جنة في الحرب، ومكنة من الحر، ومدفأة من القر، ووقار في الندى، وواقية من الأحداث، وزيادة في القامة، وهي بعد عادة من عادات العرب». وكانت العمامة تتخذ من الشروب الرقيقة أو القطن أو الوشي المذهب، ومن ناحية اللون كانت العمائم في العصر العباسي عادة سوداء، أما إذا كانت صوفية فتكون مصبوغة.
وإذا كانت العمائم تيجان العرب وعادة من عاداتهم، فإن القلانس كانت تُعد مظهرًا من مظاهر كمال الرجولة عند العرب؛ فقد قال الإمام علي رضي الله عنه: «تمام جمال المرأة في خفها، وتمام جمال الرجل في كمته (أي قلنسوته)».

ولهذا تفنن الناس في أشكالها ومادتها، حتى غدت القلنسوة علامة ذوق ومكانة، وأصبحت تتسمى بأسماء البلاد التي تصنع فيها.
فمن ناحية الشكل، وُجدت في العصر العباسي قلانس مستديرة تعرف بالدنية لأنها تشبه الدن، والقلانس الطاقية التي تطوق الرأس وتتمسك به، والقلانس الدورقية لشبهها بالدورق. ومن ناحية المواضع التي اشتهرت بصناعتها، وُجدت القلانس الرصافية «من الرصافة»، والقلانس السوداء الشاشية، والقلانس المكية. ومن ناحية الصناعة، اتخذت القلانس من الكاغد أو القصب أو السمور، بحسب القدرة المادية والمكانة الاجتماعية.
وفي سنة 153هـ أمر المنصور الناس بلبس القلانس الطوال المفرطة الطول، فقال أبو دلامة:
وكنا نرجى من إمام زيادة
فزاد الإمام المصطفى في القلانس
تراها على هام الرجال كأنها
دنان يهود جللت بالبرانس
أما ثياب البدن، فمنها الداخلية كالقمصان والسراويل؛ فكانت القمصان تصنع من الكتان الناعم، وكان يغلب عليها اللون الأبيض، دلالة على النظافة والبساطة. أما السراويل فكانت بيضاء في العادة ومذيلة، وفي بعض الأحيان يلبسون الغلائل الرقاق.
وذكر ابن الأثير أن السفاح ترك بعد وفاته تسع جباب، وأربعة أقمصة، وخمسة سراويل، وأربعة طيالسة، وثلاثة مطارف خز.
الدراريع والطيالسة: أردية السلطة والمكانة العلمية والقضائية
أما الثياب الخارجية التي تُلبس فوق الأقمصة والسراويل، فمنها الدراريع، والطيالسة، والجباب، والأقبية، وهي التي كانت تُظهر الطبقة والمقام أكثر من غيرها.
1. الدراريع
(جمع دراعة أو مدرعة)، وهي جباب مشقوقة من الصوف أو الديباج الموشى أو الدبيقي، وكانت تُعد اللباس الرسمي للكتَّاب، ثم شاع استخدامها حتى لبسها الخلفاء والوزراء وعامة الناس. فالرشيد، عندما خرج للغزو، لبس دراعة قد كُتب على ظهرها «حاج»، وعلى صدرها «غاز».

والربيع بن يونس، ولاَّه المنصور خطة العرض، كان يلبس دراعة وطيلسانًا. وإدريس بن عبد الله بن الحسن، يوم فرَّ إلى مصر ثم إلى المغرب، لبس مدرعة صوف خشنة وعمامة غليظة، اتقاءً للأنظار وتخفيًا عن الملاحقة.
2. الطيالسة
(جمع طيلسان)، وهو مربع الشكل يُجعل على الرأس فوق العمامة أو القلنسوة، ويُغطَّى به أكثر الوجه، ثم يُدار طرفان منه تحت الفم إلى أن يحيطا بالرقبة، ثم يُطرحان على الكتفين، أما طرفاه الآخران فيُسبلان على الظهر، في هيئة تجمع بين الوقار والهيبة. وكانت الطيالسة لباس الخاصة من العلماء والمشايخ والقضاة، دلالة على المنزلة والمكانة.

3. الجباب
(جمع جبة)، تحيط بالبدن ولها كُمَّان، وكانت الجباب تُصنع من الديباج الموشى أو الصوف، وفق اختلاف المقامات والطبقات.

وكان الخلفاء العباسيون يلبسون الجباب، ومما يُؤثر عن المنصور أنه كان يُكثر من لبس جبة هروية، وكان السفاح يُكثر من لبس الجباب حتى إنه ترك بعد وفاته منها تسعًا، وهو ما يدل على شيوعها ورفعة شأنها.
وكان الرجال ينتعلون النعال، ويتركون للنساء الخف، وعدُّوا النعال مظهرًا من مظاهر الزينة للرجال؛ فقد قال الأحنف: «استجيدوا النعال، فإنها حُلِي خيل الرجال»، في إشارة إلى ما تمثله من مظهر وجاهة وهيبة.
وكان العرب يلهجون بذكر النعال، في حين كان الفرس يلهجون بذكر الخفاف، وكان صحابة الرسول ينهون نساءهم عن لبس الخفاف الحمر والصفر. وفي العصر العباسي شاع انتعال الخاصة الخفاف الحمر على عادة الفرس، تأثرًا بذوقهم وعاداتهم.
ثقافة الأناقة النسائية: من العصابة المكللة بالجوهر إلى الخفاف المرصعة
أما ملابس النساء فكانت داخلية وخارجية، بالإضافة إلى الثياب الخاصة بالرأس. فمن ملابس الرأس: العصابة المكللة بالجواهر، والفضل في انتشارها يرجع إلى علية بنت المهدي التي ابتكرتها، وكانت ترصعها بالجوهر، فغدت رمزًا للأناقة والترف. ومنها أيضًا البرنس الأسود المنظوم بالجوهر، ويُعرف اليوم بالفوطة.
أما الملابس الداخلية فلا تعدو الغلائل الرقيقة، والسراويل، والأقمصة الإسكندرانية. وأما الملابس الخارجية فهي ملاحف أو أردية يُقال لها الرشيدية أو الطبرية، وكلها ملونة، تعكس ميلًا واضحًا إلى الزينة والتفنن.
أما نعالهن فكانت حمراء اللون، وكن يلبسنها فوق جوارب صوفية أو حريرية. وكانت الخيزران، زوجة الهادي، تتخذ الخفاف المرصعة بالجوهر، مبالغة في إظهار الثراء والمكانة.
وكانت بعض النساء يتنقبن بمقنعة حتى لا تبدو وجوههن سافرة، أو يعمدن إلى التقنُّع تشبهًا بالفرسان والرؤساء، كما فعلت البانوقة بنت المهدي عندما سارت على هيئة الفتيان، وعليها قباء أسود ومنطقة وشاشية، في خروج لافت عن المألوف الاجتماعي.
أثر الرفاهية في تطور أدوات الزينة والطيوب
ونتج عن تسلل الإباحية في المجتمع العراقي بتأثير من الفرس، ورواج المفاسد والمباذل، وإدمان الناس على حياة اللهو والترف والرفه، وإقبالهم على مجالس الغناء والطرب، وتهافتهم على اقتناء الجواري والقيان؛ نتج عن ذلك كله شيوع لون من الانحلال الاجتماعي، كان من أبرز آثاره استقامةُ الناس إلى اللذات، وتفنن النساء في الزينة والتبرج.
وبالتالي حدث تطور سريع في فنون الزينة والفنون الصناعية المتعلقة بها، كصياغة الحلي وفنون الترصيع، تطورًا يواكب هذا الانغماس المتزايد في الترف.
فلقد كان طبيعيًا في مجتمع يروج فيه بيع الجواري والإماء أن يهتم النخاسون بثقافتهن، وتنمية أذواقهن وإحساسهن الجمالي، كما يهتمون بمظهرهن، ويحاولوا عرضهن في صور مغرية جذابة لرفع أثمانهن، فغدا الجمال سلعةً تُصقل وتُسوَّق.
ويوجد عامل آخر ساعد على تطور فنون الزينة عند المرأة، وهو مساهمة بعض حريم الخلفاء والخاصة، ممن كان لهن دور بارز في المجتمع العراقي، أمثال الخيزران أم الهادي، وزبيدة أم الأمين، وزينب بنت سليمان بن علي، وعلية بنت المهدي، في ترويج ابتداعات جمالية استحدثنها.
على سبيل المثال ابتكار فكرة تعصيب الرأس بعصائب مكللة بالجواهر، وانتشار هذا التقليد الجديد سريعًا في المجتمع الخاص والعام، أو شيوع الثياب المصبغة والنعال الملونة المرصعة عند النساء، أو رواج طريقة معينة لتصفيف الشعر واتخاذ أوضاع خاصة للذؤابات، أو اتخاذ الجوهر منظومًا على الشعر، أو تزيين الرأس بتاج مرصع بنرجس من الذهب والفضة، حتى غدت هذه الابتكارات سماتٍ جمالية راسخة.
وكانت النساء يتوسلن -لإبراز مفاتنهن وجمالهن- بأنواع الأصباغ، كالحناء لصبغ أطراف أصابع اليدين والرجلين، والخدود والشفاه والشعر. كما استخدمن الكحل لتكحيل أجفان العيون والأهداب بمرود من الخشب أو الزجاج أو النحاس أو الذهب، أو بأنواع من الطيوب والدهان مركبة من العنبر والمسك والبان، في مشهد يجمع بين الحس الجمالي والمبالغة في التأنق.
خلاصة المشهد: الأزياء مرآة للحضارة العباسية
إن التأمل في تفاصيل الأزياء العباسية يكشف لنا عن مجتمعٍ كان يقدر الجمال بوصفه قيمةً عليا، ويسعى من خلال الهيئة إلى ترسيخ هيبة الدولة ونظامها الطبقي.
فبين صرامة السواد الرسمي في البلاط، وزهو الثياب المصبغة في مجالس المنادمة، وبين وقار الطيالسة عند العلماء، وترف الجواهر عند حريم الخلفاء؛ تشكلت ملامح حضارةٍ لم تترك تفصيلًا صغيرًا إلا وجعلت منه فنًّا قائمًا بذاته.
لقد كان العصر العباسي الأول، بحق، عصر الأناقة التي لا تزال أصداؤها تتردد في كتب التاريخ والآثار كشاهدٍ على رقي الذوق الإنساني في تلك الحقبة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.