من بديهيات ومعروفات مهنة النشر -كما سبق وأوضحنا- أن دور النشر تستقبل الأعمال الأدبية المكتوبة «آليًا» لتُحيلها إلى لجنة القراءة، وهي المنوطة بقراءة الأعمال وتقييمها، ثم تُعرض التقييمات على إدارة النشر والتسويق لتقرر الموافقة على طباعة العمل ونشره من عدمه، علمًا بأن التقييمات المرتفعة ليست موجِبة للنشر، فقد ترتأى إدارة التسويق أن العمل لن يحقق الأرباح المرجوة منه أو ينافي سياسة النشر بالدار فتعزف عن نشره، أما في حال الموافقة تعلم دار النشر الكاتب بقرار لجنة القراءة وتقييمها، فضلًا على موافقة إدارة النشر والتسويق.
يلي تلك المرحلة توقيع العقود بعد مراجعة الشروط والالتزامات، ولا تزال لجنة القراءة والمختصون في عمل دائب على النص المكتوب، إذ يتولَّون مراجعة مادته وتصحيحها لغويًّا ثم تنسيقه وتصميم الغلاف، إلى أن يصدر الكتاب جاهزًا للطباعة.
غير أن كل ما سبق هو عينه ما كان يحدث قبل 20 عامًا أو أكثر! أما اليوم، فالأمر بات مختلفًا، ورحلة الاختلاف هذه تبدأ من ناصية الكُتاب والقراء أولًا، ولمزيد من الإيضاح، فإن الكاتب لم يعد يعنى بأعماله على النحو المرجو منه، بدءًا من اختيار موضوع الكتاب أو العمل الأدبي، فلقد أصبحت الأفكار مكرورة والأعمال متشابهة على نحو سخيف ومخيب للآمال، حتى إن عالم الكتابة اليوم بات يخضع لموجات محددة وطرقٍ سائدة تكاد لا تتغير.
فإذا علا نجم رواية رعب لأحدهم -على سبيل المثال- وحققت رواجًا واسعًا، يسود الأعمال الأخرى بغتة نفس الطابع في ذات الموسم أو الذي يليه، لتصبح الروايات المتاحة نسخًا مقولبة من روايات الرعب، ويبيت هذا هو الاتجاه الأدبي الجديد لأغلب الأعمال المعروضة. يستقي الكُتاب مادتهم في هذا من التراث المحلي والعالمي تارة، أو من الأدب الأجنبي تارة أخرى، أو حتى من الأعمال السينمائية، وقليل منهم من يحاول إعمال مخياله أو توثيق أحداث من الواقع التي يجوز تغليفها بتيمة خيالية.
والأمر برمته بات ضمن الموجة الرائجة «الموضة» بالمفهوم السيئ للكلمة، ما يرمي بالنهاية إلى مصالح تجارية أو شخصية بحتة، أو توجهات ثقافية خاطئة، أو انسياقًا خلف توجهات «الشللية» التي تقتل كل قيمة مؤثرة، ما يضاعف من صور التخلف الأدبي. فالأعمال المعروضة في إجمالها إما روايات رومانسية أو رعب أو استقاء من تاريخ الأنبياء... إلى آخره، حتى باتت كل دورة لمعرض الكتاب يمكن عنونتها إلى عنوان محدد كـ «دورة أدب الرعب» أو «دورة الأدب الرومانسي»... وهكذا.
أما عن القراء، فقد أصيبوا بالتبعية بفيروس «المسخ والتمسيخ»، وتشوهت ذائقتهم القرائية إلى حد كبير، فلم نعد نجد بين شرائح القراء من يطلبون أنماطًا متنوعة ومختلفة من الروايات، فهم ينتظرون دورة معرض الكتاب القادمة للبحث عن نوع أو نوعين من الروايات على الأكثر. وربما كان لكل قارئ كاتب بعينه، وإن بدا هذا الأمر مفيدًا في ظاهره، لكن هذا الكاتب المعنيّ يكتب أيضًا ضمن ذات الأنواع الرائجة، حتى إن بعض الأنواع تصدرت ما يفوق نصف مبيعات سوق الكتاب، كالروايات الرومانسية التي تحتل 55% من المبيعات، فأصبحت تجارة مهمة في سوق الكتاب، ووجبة أساسية على مائدته.
ولا تغيب عن أذني أبدًا تلك الجمل المكرورة «الجميع يبحث عن رواية كذا...» أو «أريد رواية من النوع كذا...»، تلك وغيرها من الجمل التي بتنا نسمعها في أكثر من منصة عرض للكتب، سواء واقعية أو افتراضية، حتى إن أحدهم قبل أن يبدأ محادثة خاصة على حسابي عبر أيٍ من مواقع التواصل الاجتماعي، بت أعرف مسبقًا عن أي الأنواع سيسأل من فرط تكرارها.

وبالعودة إلى دور النشر -أهم المحطات في رحلة الاختلاف- لم تكن أبدًا غائبة عن تلك الأوضاع والأزمات، والأوحال التي وطأها «الكتاب العربي» رغمًا عنه تارة ورغبة فيها تارة أخرى، فلقد شاركت دور النشر على نحو مخجل في إثراء تلك الأزمة وتفاقمها، إذ لم تعد تتلقى الأعمال المكتوبة لتعرضها على لجان القراءة لتقييمها كسابق عهدها، وذلك أن لجان القراءة تلك لم تعد موجودة من الأساس، غابت، بل قل اختفت.
وفي هذا الأمر قِصّة طويلة، فمما لا يعرفه أكثر كُتَّابنا أن أحد أسرار نجاح الروايات الغربية ورواجها العالمي منقطع النظير هو وجود المحرر، كونه بمثابة مُقيّم محايد للعمل وناقد أمين له، ضمن لجان القراءة بدور النشر العالمية، فهل تتصور أن بإمكان المحرر بهذه الدور رفض العمل الروائي مهما كانت شهرة كاتبه؟
لذا تجد الكُتَّاب الغربيين يعتدّون بآرائهم للغاية، بل وأكثرهم يسير ضمن خططهم التي يرسمونها لهم لكل عمل جديد، وهم في ذلك أمناء لأقصى حد قد يصيب الكاتب العظيم بالخجل من تقديم عمل دون المستوى، ما جعل الأدب العالمي بهذا الألق والأصالة والفنية العميقة، وجعل أيضًا من غياب المحرر في أكثر دور النشر العربية سببًا رئيسًا في هزال ما تقدمه من أدب، ومن السطحية والتشويه بمكان عظيم، حتى إن دورًا كثيرة أقصت محرريها واستغنت عنهم، لأنها ما عادت تعنى بأدبية العمل الروائي.
وعليه فإن دور النشر باتت تتلقى الأعمال الأدبية دون العناية بالمادة المكتوبة وفنيتها، وأعرف منها دورًا كثيرة لا تطلع عليها أصلًا، بل تزن المؤلفات بميزان المادة لا ميزان الجودة، بدعوى أن تلك معايير السوق ومقتضياته، وسوق الكتاب والقراء براء من تلك الوصمة التي ألحقوها بهم عنوة ودون دراية، وإنما حقيقة الأمر أن أكثر دور النشر باتت لا تستقبل من الأعمال الأدبية إلا ما يمتلك صاحبها تكلفة طباعتها، بصرف النظر عن جودتها وفنيتها.
ولك أن تتخيل كمية المؤلفات الجيدة والإبداعات الرائعة التي باتت رهينة الأرفف والأدراج لعدم امتلاك كُتّابها لأثمان الطباعة، والأوراق التي مُزّقت، وبين طيّاتها أبدع ما كُتب وأدهش الحكايات وأكثرها إمتاعًا وشغفًا، ناهيك عن المواهب المهدرة في سبيل ذلك.
ولا أعرف لماذا يذكرني هذا الحال المهين بالطبعة الأولى التي قرأتها قبل عشرين عامًا لرواية «ثنائية الكشر» للأديب الرائع «حجاج حسن أدول»، فقد كانت سيئة الطباعة والتنسيق إلى أقصى حد يمكن تخيله، ولولا قلم الكاتب المبدع، لما استطعت أن أطوي فيها صفحة واحدة. وأتخيل تلك المعاناة التي تحملها أديبنا ليتمكن من نشر روايته، حتى وإن ظهرت بالنهاية على تلك الشاكلة، دون فواصل أو علامات ترقيم، وتكدّس قد يصيبك بجلطة من فرط الزخم والزحام دون حدود فاصلة.
لقد أضحت أمور النشر في بلادنا تسير دون وثاق حاكم أو قياد ضابط، أو رقابة من جهات مختصة منوطة بالتثقيف العام والحفاظ على سوية الذائقة القرائية. وقد لا يصدقني بعض القراء حين أخبرهم أن إحدى دور النشر المعروفة قد أجرت معي قبل عام محادثة عبر «Whatsapp»، وفوجئت بأنها على استعداد أن تتعاقد معي على طباعة ستة كتب تفوق صفحاتها الـ «2500 صفحة» عبر الإنترنت، بعد تحويل بنكي لتكلفة الطباعة، هكذا بكبسة زر، دون مراجعة أو تقييم.
ما يعني أن كثيرًا من المؤلفات التي أصدرتها تلك الدار قد تم التعاقد عليها بنفس الطريقة، وما هالني وأصابني برعب شديد، أنني حينما تواصلت مع دور نشر أخرى -ولا أخفيكم كانت كثيرة للغاية- فوجئت بأن أغلبها ينتهج نفس المسلك، وكأن الكتاب محض سلعة تُوزن بالمال، حتى السلع لا بد من التحري عن جودتها وكفاءتها قبل ضخها إلى السوق.
إن النظرة المادية للأعمال الأدبية التي يعتمدها أكثر الناشرين لا تجعل من فارق بين الكاتب المبدع وبائع الخُضر الذي تلقى تعليمًا ما، فكلاهما يستطيع أن يكتب، ولا فارق بين الكتب التي تبني الإنسان والكتب التي تحث على العنف والتعصب وربما القتل، فكلاهما أيضًا أنواع من الكتب. وهذا هو ميزان المادة، لا يُقيم مائلًا، ولا ينصب معوجًا، ولا يُصيب مقاصد محمودة يُبتغى الرجاء فيها. ذلك هو الميزان الذي سيطرت به دور النشر على الأعمال الأدبية وفقًا لأهوائها ومصالحها المادية، فظهر الكتاب مدفوع الأجر، كأي خدمة مدفوعة الأجر، كتوصيل المخدرات للمنزل مثلًا، فهي كذلك مدفوعة الأجر.
وما أثار حفيظتي في السنوات الأخيرة، وكاد أن يُفقدني صوابي، أني تلقيت رسالة عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي من طفلة لم تتعدَ الاثني عشرة عامًا، مُتباهيةً بباكورة إصداراتها بمعرض الكتاب، بل ونشرت إحدى الجرائد القومية خبرًا عن روايتها بالصفحة الأولى كـ «أصغر كاتبة بمعرض الكتاب». قلت في نفسي: «ما هذا العبث؟! ترى ماذا يمكن أن تقدمه طفلة في مثل عمرها؟! هل تعلّمت أسس بناء الرواية وتقنيات السرد والضوابط الحاكمة... إلى آخره؟!» إن أمورًا عميقة مثل تلك قد لا يستوعبها عقلها، إذًا فماذا أنتجت؟! بل ولفت انتباهي الكثير من الأخطاء الإملائية في أثناء محادثتها، في مواضع لا يمكن الإخطاء بها، فضلًا على ركاكة ووهن أسلوبها. وأخجل أن أطيل في هذا تقديرًا لطفولتها، غير أني قد تكهّنت كيف تم نشر كتابها المدعو «رواية». لا بد وأنها مُدللة أبويها، ولإدخال البهجة إلى سريرتها، لا ضير من نشر «شخبطة الأمورة الصغيرة»، وليذهب إلى الجحيم كل من مكث شاقًا على مؤلفه من عمره، باحثًا ومتحريًا ومتعلمًا، إلى حد أتلف الأعصاب وأضعف الأعين، وحسر أصحابه ليُضحى وحيدًا بلا رفقة. وكل من يكتب يعي جيدًا ما أقصد، فلا أفدح مما يبذله المؤلف من أجل إمتاع القراء، وإثراء المعرفة البشرية بأذواق أخرى من الأدب وطعوم مدهشة من الخيال.
يقول تريستار برنار «الفرق بين الجزار والجراح هو أن الجزار يقتل أولًا ثم يُقطِّع». يا لَتشابه مقولة برنار الداعية للألم بحال دور النشر ببلادنا الذين تحولوا من أحد دعائم دائرة الإبداع إلى حرفيي طباعة، ويا لبؤس كُتَّابنا وما عانوه في ظلال هذا التحول البشع، ويا ليت في حالهم المؤسف ومعاناتهم المُضنية من دليل على الجُرم الذي وقع. يقول نيكوليس «من حسن حظ الأطباء أن الشمس تُضيء انتصاراتهم، والتراب يُخفي أخطاءهم».
سواء كان الكتاب يُقيَّم بتكلفة طباعته، أو أن مهنة الكتابة قد اقتحم سياجها «كل من هبّ ودبّ»، فإن هذا كله يعكس كثرة العناوين المكرورة المعروضة بمنصات بيع الكتب، إلى حدٍّ يفوق الوصف. وهنا أتذكر -في ظل هذا المدّ والترهل النشريّ دون حساب- عظماء الكُتَّاب أمثال «لورانس دوريل»، الذين اضطروا في بداية مسيرتهم الإبداعية إلى طباعة أعمالهم بأسماء مستعارة غير أسمائهم، وذلك أنهم لم يجدوا في البداية من يعتدّ بهم بصفتهم كُتَّابًا مبدعين وينشر لهم، بل اشترطت بعض دور النشر أن تُحذف أسماؤهم تمامًا، ولم يستردّوها على أغلفة رواياتهم إلا بعد أن أثبتت جدارتها واستحقاقها.
يقول أورهان باموك عن روايته الأولى التي استغرقت سنوات قبل أن تُنشر: «في عشرينات عمري لم تكن لديّ أية صداقات أدبية، ولم أكن أنتمي لأية مجموعة أدبية في إسطنبول؛ لذا كان السبيل الأوحد لطبع روايتي هو تقديمها في مسابقة أدبية تركية للنصوص غير المنشورة، وهكذا كان، ونلت الجائزة فعلًا، ونُشرت روايتي عن دار نشر كبرى مرموقة».

إن سعة ورحابة عملية النشر، وإن بدت في ظاهرها صحية ومفيدة للحركة التثقيفية، بيد أن البواطن -كعادتها في هذا الأمر- تخبرنا بشيء آخر، فما الأمر إلا فقاعة كبيرة، وإن حلّقت عاليًا في الهواء، لا تحوي شيئًا سوى الخواء. وبنظرة فاحصة لمادة الأدب المعروض، ستدرك مغزى ما أقول، فغالب الأعمال ما هي إلا فضفضة لأصحابها نابعة من لحظات الفراغ، دون أطر أو حدود أو معايير، وقل: دون فكرة أو موضوع من الأساس. ومن جانب آخر، فهي عناوين مكرورة وموضوعات جامدة، كثيرًا ما أصابت القارئ بالضيق والسأم من فرط عرضها، مهما تبدلت الأساليب وتغيّرت الطرق في ذات الوعاء.
والمثير للضحك في ظلال تلك الأجواء، أن بعضًا من دور النشر باتت تتفاخر وتتباهى بكثرة العناوين التي أنتجتها خلال السنوات الأخيرة -ربما بما يفوق العناوين التي تنتجها أكبر دور النشر في العالم- وصدّق ولا تندهش، فهذا هو الواقع. وبلا شك، فإن هذا التضخم المريب هو نتاج منطقي للميزان المادي، فكل من ملك القدرة المالية يمكنه غدًا أن يمسك بدفّتي كتاب يحمل اسمه، حتى وإن مكث عدة ليالٍ يدون منطوق الإعلانات بالتلفاز، أو ينسخ كل ما دُوّن بأوراق سلة المهملات، طالما أن ما كتبه لن يُقرأ أو يُقيّم، فبالنهاية سيُقَرّ بأرفف المكتبات وفي منصات النشر.
وبلا شك، فإن تلك الأحوال استقطبت كيانات جديدة لتضخّ أموالها في سوقٍ رائجة كسوق النشر، حتى ظهرت في السنوات الأخيرة الكثير من الدور، فاق عددها 2000 دار نشر بمعرض القاهرة الدولي للكتاب 2025م على سبيل المثال. فمن يد الكاتب إلى المطبعة إلى المكتبات، ولا مزيد في الأمر. ودور النشر في الأساس باتت لا تستقبل الأعمال إلا تامة التنسيق والمراجعة، ولا تتكلف إلا تصميم الغلاف. إذًا لا خسائر في الأمر، مهما نعرت الأصوات بسقوط سوق النشر «إثر جائحة كورونا» على سبيل المثال. وإلا، فماذا يعني ولوج كيانات جديدة للاستثمار في هذه الصناعة؟!
هل سمعت يومًا عن أحد يستثمر في سوق يعلم مسبقًا أنها تخسر؟! وليس فيما أقول إجحاف أو ادعاء، هو محض تحليل لواقع الأمر.
وجملة ما سبق، فإن استمرار تلك الأوضاع بات نذير شؤم لسقوط سوق الكتاب وركوده. فلا يظهر هذا التضخم -الذي يراه بعضنا ثراءً، إلى حد أن أضحى فيه لكل قارئ كاتب لا يكتب إلا له- لكننا مُقدِمون على أزمة حقيقية، سيدفع ثمنها الكاتب والقارئ والناشر معًا، كلٌّ بموقعه ومسؤوليته.
وفي اعتقادي، أن طوق النجاة لتلك الحال المزرية هو أن تعود الجهات الرقابية لكامل سيطرتها على سوق النشر، وأن تُحكم قيادها على تلك العملية، بدءًا من عمليات التقييم والمراجعة، حتى وصول الكتاب إلى يد القارئ.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.