صُنَّاع المحتوى الرقمي والإعلامي.. أزمة قيم أم تعبير عن للواقع؟

تابعنا في الأسابيع الماضية قضية القبض على كثير من صناع محتوى منصة تيك توك للتواصل الاجتماعي، وثار الجدل حول قضايا متعلقة من تجارة أعضاء وغسل أموال يمارسها هؤلاء الأشخاص الذين يظهرون على منصة تيك توك، ويقدمون محتوى بذيئًا يخدش الحياء العام.

أما قضايا تجارة الأعضاء وغسل الأموال فهذا أمر منوط بالدولة، يخضع للتحقيقات للعثور على الأدلة وإثبات التهمة بواسطة النيابة والقضاء، فنحن لا نستطيع الخوض فيه.

أما وفق المحتوى الذي يقدمه هؤلاء من عرض حياتهم اليومية بطريقة فجة وأسلوب سوقي واستخدام ألفاظ وإيحاءات جنسية وسباب فهو ما نستطيع أن نتكلم عنه ونستنكره ونطالب بحذفه. لكن قبل أن نفعل لا بد أن نسأل ونراجع أنفسنا: لماذا هؤلاء يحصدون ملايين المشاهدات والتفاعل على المحتوى الهابط الذي يقدمونه، ويجنون من وراء ذلك ملايين الجنيهات، في الوقت الذي لا يحقق فيه عالم من العلماء أو أديب أو مفكر يقدم علمًا نافعًا سوى عدد قليل جدًا من المشاهدات والتفاعل لا يتعدى المئات؟!

لقد أصبحت الأغلبية للأسف لمصلحة السفلة، في ظل غياب ثقافة حقيقية ترقى بالمجتمع وتنتشله من الوحل. أين دور وزارة الثقافة؟ وأين دور الإعلام؟  

الملاحظ في السنوات الأخيرة أنه لم يعد هناك ثقافة ولا إعلام ولا صحافة ولا فن، فالجميع يلهث خلف الإعلانات والمكاسب ويبحث عن الإثارة. قد يكون صناع المحتوى الجهلة أكثر جرأة وأكثر سفالة، لكن لو نظرنا إلى ما تقدمه قنوات الإنتاج الثقافي والإعلامي والصحافة سنجده لا يقل رداءة عما يقدمه هؤلاء، لكن بطريقة مقنعة بغلاف أنيق.

في الصحافة مثلًا تجد موقعًا صحفيًا عريقًا وشهيرًا ينشر خبرًا وموضوعًا كاملًا عن إطلالة الممثلة الشهيرة، وفستانها المثير أو صورتها بلباس البحر على أحد الشواطئ. وفي المسلسلات تجد الحديث السوقي نفسه الذي يستخدمه صناع المحتوى مثل (جرى ايه يا بت - لا وحياة أمك...) وإيحاءات جنسية كثيرة.

أذكر منذ مدة ظهرت أغنية لمطرب من الصف الأول على القنوات وهو يمشي مع حبيبته على الشاطئ وينظر إلى ظهرها ويقول في الأغنية (أحسن حاجة بحبها فيكي طيي… ثم يقول طيبة قلبك)، والمطرب نفسه يقول في أغنية أخرى (ودماغك خليها تاكلك)، وتجد المواقع الصحفية تنشر موضوعًا كاملًا تمدح فيه ذلك المطرب تحت عنوان: سيرة المطرب الفلاني وأعماله الفنية، وقس على هذا كثيرًا من الأعمال.

ثم نأتي للكتابة الأدبية والصحفية التي وصلت للحضيض، وتحولت إلى صناعة محتوى. ماذا تعني صناعة المحتوى؟ بل ظهرت منصات ومواقع وشركات تعلِّم الناس صناعة المحتوى المتوافق مع محركات البحث. كلمة تدعو للاندهاش! هل المطلوب من الكاتب والأديب أن يكتب وفق ما تدور حوله محركات البحث؟ وإذا كانت محركات البحث تدور في أغلبها حول طريقة عمل المحشي وصينية البطاطس باللحمة أو الفضائح المختلفة هل على الكاتب أو الأديب أن يكتب في هذه الموضوعات؟

وظهر أيضًا ما يسمى بورشة الكتابة، وهو اسم على مسمى فعلًا، كأنها ورشة ميكانيكا أو نجارة. تخيل أن يجتمع عدد من الأشخاص ليكتبوا نصًا تافهًا، كل واحد يخطر على باله نكتة أو (إفيه) يكتبه، ويجمعون الإفيهات ويعملون عليها فيلمًا أو مسلسلًا. ورشة الكتابة أو اشتراك عدة أشخاص في كتابة عمل لي هي مثل ابن أو مولود له عدة آباء.

الكتابة ليست صناعة، الكتابة إبداع وفكر ورؤية عميقة للحياة والكون والتجارب الإنسانية.

ماذا تنتظرون من مجتمع يُفرض عليه كل شيء، يفرض عليه ما يكتب وما يسمع وما يشاهد وما يأكل وما يلبس وما يتكلم فيه؟ مجتمع مكبل بالقيود ماذا تنتظرون منه إلا أن يبحث عن مخدر في الإسفاف والهزل والبضاعة الرائجة من التفاهة والجنس والمتع الرخيصة؟ مجتمع عليه العوض ومنه العوض.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.