بعض القضايا لا تحتاج إلى أن نفتتح حيثياتها بمقدمة لنمهد بها ما هو آتٍ في السطور الموالية، وإنما تحتاج إلى إثارة تساؤلية تطرح ما يشغل بالنا، وما الذي يتشعب في العقل العربي؛ فكانت المعضلة الكبرى فيه أنه لم يتم تشخيص المرض فانتشر، لأن كل الإشكالات كانت من منطلق نقطة لم يتم احتواؤها. نعود إليها في هذا المقال ليستوقفنا سؤال جوهري:
ما هي نظرة العقل العربي للوجود؟ أيعتبره وسيلة أم غاية؟
لقد حاولت الفلسفة إعطاء مفهوم للوجود، ولكن مهما حاولنا فلن نصل إلى تعريف جامع مانع، أو بالأحرى لا يصح أن نتساءل: ما هو الوجود؟ بل كيف يقاس هذا الأخير؟
مقياس الوجود الإنساني من زاوية العقل العربي
إن الوجود لا يقاس بنسبة الكثافة السكانية ولا بعدد المناطق الجغرافية، حيث إنّ الأصل أنه يقاس «بالمعنى والأثر»، ولكن هل أدرك العقل العربي هذا الأمر؟
فعندما تتحول الوسيلة إلى غاية، هنا فقد العقل العربي علاقته بالوجود وتحول هذا الأخير إلى أزمة فكرية، وتم تجريده من المعنى؛ فلا يمكن أن نكتفي بتسمية الأشياء بأسمائها وإنما نعيدها أيضًا إلى أصلها، فأصل الأشياء إنما هي وسائل يتم تسخيرها لخدمة الغاية.
وعلى هذا النهج يُضفى المعنى ويُترك الأثر، فيظن الفرد العربي أن غايته منذ أن بدأ الدراسة حتى التخرج هي أن يجد وظيفة، وإن حصل عليها فهنا يتحقق الهدف، وتتوقف عجلة نموه وتحسينه الذاتي، وينطبق هذا أيضًا على قضية الزواج؛ فتم إعطاء المجتمع جيلًا كبر على أساس التربية لا التنشئة.
وكثير من الأشياء والأمور التي تتمحور عليها الحياة جعلها العقل العربي غاية وهي في أصلها وسيلة، وهذا نشأ من قصور النظرة العربية للوجود، وعدم وعيه به وبالغاية التي خُلق من أجلها، فهل يمكننا أن نقول إنه مهما سطرنا من مسببات لهذا الإشكال، نعود إلى النقطة التي يتمحور عليها الحل وهي الوعي.
كيف يعي الإنسان؟
تتم صناعة الوعي عبر مراحل الحياة بفطنة الإنسان، فتكوين هذا الأخير هو ما يصنع عملية الوعي، فلا يمكن أن يكون الإنسان واعيًا دون عوامل خارجية، ولكن أي نوع من الوعي هذا الذي ينتج لنا؟ إن ما يتلقاه خلال هذه العملية الحساسة يعيق صناعة الوعي الصحي، فيُنسج وهم الوعي؛ يركض الإنسان بلا توقف ليعيد ترتيب ذاته وخطواته، يلبسه ظن التغيير وهو بالأساس لم ينطلق بعد!
إن الوعي الذي يصوِّر وهمًا في العقول هو ذاته الذي جعل الوجود غاية لا وسيلة، يظن الفرد العربي أن مجرد وجوده في هذه الحياة هو غاية، ولكن يجهل أن وجوده هو وسيلة لغاية أخرى، أما الوعي الحقيقي فهو الوعي الذي يُصنع من إرادة ذاتية عندما يمحص ما حوله ويقرر أن يمتلئ امتلاءً شخصيًا.
إن الإشكالية تكمن في أن الإنسان العربي لم تُعطَ له الفرصة ليأخذ نَفَسًا ويعيد النظر في كل ما يجول حوله، بطريقة ما تم إقناعه أنه يكفي بأن يكون موجودًا دون أن يفكر، وإنما أن يركض.
وبالتالي فإن فقدان المعنى للوجود هو ما سبب أزمة في الفكر العربي، وإضفاؤه يكون بجعل الوجود وسيلة لا غاية؛ فاختتام مقدمة هذا المقال بتساؤل يهوّن إيجاد الجواب، ولكن أن نختمه بحكم نعترف من خلاله بأزمتنا، فهذا يشبه توبة فكرية بأننا لم ندرك بعد أن غايتنا هي «إياك نعبد وإياك نستعين».
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.