أزمة العصر الراهن: بين ضياع الحق وطغيان الأنا والتمادي في الباطل

يواجه الإنسان في ظل العصر الحديث أزمة وجودية عميقة، تتجاوز حدود المادة لتصل إلى جوهر المعرفة والغاية من الحياة، وفي خضم التطور التكنولوجي الهائل، يجد العقل البشري نفسه في صراع مرير بين الأنا المتضخمة وبين الحقيقة التي تتطلب التواضع والتسليم.

يستعرض هذا المقال تحليلًا فلسفيًا دقيقًا لظاهرة عصيان العصر، مسلطًا الضوء على إشكالية ما بعد الإنسانية، ومحاولات العلم المنفصل عن الحكمة للسيطرة على الوجود، داعيًا إلى إعادة النظر في المُسَلَّمات للوصول إلى الطمأنينة المعرفية.

إشكالية تعريف العصر وطبيعته المتمردة

ننظر في هذا العصر على نحو دقيق، فنجده عصيًّا رافضًا أن يمدَّنا بتحديد شافٍ وشامل، فطبيعة الإنسان تفرض عليه النَّزع إلى معرفة ما يدور حوله، فإن كان من أهل العلم والنظر والتدقيق، فغاية إدراكه لعصره تعارض العامِّي في غايته وكيفية طرحه للسؤال، بل وحتى في سبب طرحه. أما الاستثناء في التماثل بين الغايتين فهو موجود لا محالة، بيد أن الاستثناء لا يؤخذ قاعدة، وما لا يُؤخذ قاعدة لا يُعمل ولا يعتدُّ به.

 والحق نقول، من الطّبَعِيّ عصيان عصرنا الراهن وعناده الشديد في أن يظل رافضًا لإعطاء أي تفسير يثلج معه الصدر؛ ما جعل أهل الرأي والنظر في حيرة متنامية ويأس متواصل، فكان من ذلك أن سلَّم بعضهم نفسه إلى مسالك الشيطان والسلطان، وبعضهم الآخر تهافت على النحل والنسخ والإتيان -فيما يكتبون ويقولون- بعرض عقول الناس دون عقولهم؛ ينقلون ولا ينقدون.

ولعمري إن هذا العصيان لهو الجواب بعينه عن ماهية عصرنا اليوم؟ وعن لِمَ هو وأهله على هذا النحو؟ وعن الأسباب التي جعلت هذا العصر وإنسانه يغدوان على هذا الوجه؟ ثم عن الوجه الذي سيؤولان إليه إن هما ظلا عليه؟

جدلية التجبر الإنساني ورد فعل الزمان

 بعد تدقيق النظر وتقليب الأمر اهتدينا إلى أن تجبَّر الإنسان وعصيانه وجحوده كلها مواقف جعلت من عصرنا الراهن أن يتجبر بدوره ويستعصي على الإنسان، هذه بتلك. فليس للإنسان في هذه الحياة سوى ما أطاع وما عصى، ولَكُم أن تنظروا يا أهل النظر في المطاع والمعصى، وفيمن هو ألزم بالطاعة ممن هو أوجب بالعصيان.

 كل ذوي العقل والفكر والنقد في جميع بلدان العالم، تجدهم يقَلِّبون أمر الإنسان والزمان والوجود، فيصيبون من ذلك ما تيسر لهم فيه، ثم يشرعون في عرض آرائهم ونظرياتهم زعمًا منهم أنها تيسر حياة الإنسان وتعينه على فهمها وإدراكها.

وهم السيطرة ومخاطر ما بعد الإنسانية

بعض هؤلاء -وهم الأخطر الأجبن- إنما يزعمون بل ويرومون إلى التحكم في قواعد الحياة وامتلاكها، فتراهم بعد أن تحقق لهم بعض العلم الذي سخَّروا -على قلته- أكبر جزء منه في محاولة تدمير الإنسانية وامتلاك الإنسان! إن ذهبوا مذهب ما بعد الإنسان، فأي حب تملك هذا؟! ليت شعري هل هذا أمر يعود إليهم خالصًا، أم ثمة من يسوقهم ويشتغلون له؟! بيد أننا نجدهم في ذلك كمن استدرجوا بعد الاختبار جهلًا منهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا. 

 ولعمري إن كانت غايتهم حقًا معرفة الإنسان ووجوده على التبيُّن وتيسير الحياة له، لما سلكوا مسالكهم تلك ولا ركبوا أناهم. فالرأي متى دفعوا عن أنفسهم الكِبر والجحود، ونظروا في الأمر وفي أنفسهم على التحقيق؛ وجدوا الحق فراعهم ما وجدوا فاتبعوه. ولكن هيهات وعقل الإنسان القاصر مع نفس واهنة، يقول: أنا!

بعض الناس يرومون إلى التحكم في قواعد الحياة وامتلاكها

العلم المنفصل عن الأب (الحقيقة المطلقة)

فليس ثمة صانع لشيء دقيق إلا وأرفقه بدليل استرشادي! فهل من مدقِّق؟ وإذا كانت العلوم والمعارف في زماننا الراهن بلغت شأوها، وكان منها في المقابل أن بلغ الفساد شأوه أيضًا بمختلف ضروبه، فكيف يفسَّر هذا؟! الجواب الأكثر نزعًا إلى الصواب والأسرع إلى الأذهان، هو عدم قدرة الإنسان على التحكم بتلك العلوم والمعارف وتعمُّد إساءة توظيفها.

 إذ كان حريًّا بها أن تسوق المرء -ولاسيما أهل العلم والمعرفة- نحو الحقيقة التي منها يتم الانطلاق إلى بقية الحقائق. ذلك أن الحقيقة الوحيدة هي أنه ثمة حقائق أخرى ليس لمقومات الإنسان وخصائصه قِبَلٌ بالإحاطة بها جميعًا، وإن تحالف مع بقية الكائنات والموجودات.

أما لو قال قائل بأنهم قد فعلوا، فليسمح لنا بالقول إن حقيقتهم أفسدت أكثر مما أصلحت، وادَّعت أكثر مما بيَّنت، فهاكم التاريخ المزيف والصريح كلاهما شاهدان يُستنبط منهما الجواب الشافي بعد تمحيص وتدقيق النظر فيهما طبعًا.

 أو في الأقل كانت تلك العلوم والمعارف أن تشير للإنسان نحو المسلك الذي يفضي مع الخوض فيه إلى وجود «علم» ينزل منها -أي تلك العلوم والمعارف- منزلة الأب لبناته، فيُقصَد الأب ضرورة إذا ما أريدَ بالبناء على إحدى بناته والسكن إليها.

وبهذا نقول إن «العلم» و«الأب» و«الحقيقة» ثلاثة أوجه لمراد واحد في هذا السياق، فهل من مُمَحِّص؟ أكيد موجود.. ولكن هيهات وعقل الإنسان القاصر مع نفس جاحدة وهو يقول: كلا، أنا!

التيه في سراب الشك والبعد عن اليقين

أين العقل والحكمة في الانقياد خلف الأهواء والجحود نحو السراب، ظنًا منهم أنه الماء المعين، تاركين -لا أبًا لهم- مظان الخصب والكلأ؟ ويحهم ما أغباهم! يكثرون التفيهق بألوان شتى من المعاني وأشكال بنائها في كتاباتهم وأقوالهم، عن معرفة الإنسان والوجود وأصلهما، وعلة تواجدهما ومآلهما. فيذهبون بطريقتهم هذه كل مذهب، فتراهم يُطنِبون في موضع، ويُسهِبون في آخر، يُلمِّحون هنا ويُصرِّحون هناك، وكل هذا هم فيه يعمهون. أرأيتم لو دفعوا عنهم أمرهم هذا وروَّضوا النفس، لأصبحوا عن رأيهم مستبدلين وعن عَنائهم مستغنين. ولكن هيهات.

أين العقل والرأي في ترك اليقين القريب من الأجوبة، والنزع إلى التمسك بالمريب البعيد من الأسئلة. لو تم تصريف بنات «العلم» على مسلك والدهم لما ركب عصرنا هذا المركب الوعر ولا بلغ ما بلغه من عصيان وعناد، وفوضى ظاهرة، وزينة خادعة، وحقيقية مَخفيّة. 

الخلاص في كسر الأنا وقبول الحقيقة

غير أن هذا أمر لا يستقيم البتَّة دون إحكام العقل فيه والنزول من شرفة «الأنا» و«النَّحن»، كي لا يظل عذر لمن يبحث عن الأعذار متشبثًا بها. فمعرفة الإنسان المفضية إلى معرفة الوجود، لا تُدرَك بقوة الإنسان من حيث هو إنسان، وإنما بقوة ما أعجزه من حيث هو إنسان، فجعل العاقل منه في نعيم اليقين والتبيان.

 معظم الأسئلة وأهمها التي تدور حول الإنسان والوجود، نجدها موفورة أجوبتها بين أيدينا ونحن نُصَعِّر عقولنا لها، كِبرًا وتحدِّيًا وجهلًا، فنرى سواد الناس يساقون فيقبلون على تلكم الأجوبة البعيدة العبثية والفوضوية، ثم يعرضون -إما بوعي منهم أو بجهل- عن الأجوبة القريبة الجدّية والمنظمة.

 ومن ثم نقول بقول أحد عظماء الزمان إن مراجعة العقل في الحق والتسليم خير من التمادي في الباطل والجحود، والفهم الفهم فيما تلجلج في عصرنا الراهن ما ليس في أحد الأعصر الماضية ولا مسالك المُبَصَّرين بالحق. فهذا مسلك أنفى للشك وأظهر للعمى وأطهر للجحود، ثم إن إعمال الحق في مواضعه يُجزى به الإنسان رضًا عن نفسه وعن وجوده.

مراجعة العقل في الحق والتسليم خير من التمادي في الباطل والجحود

دعوة للعودة إلى الفطرة

ختامًا، يظل الصراع بين الأنا والحقيقة هو المحرك الرئيس لأزمات هذا العصر. ولئن يكن الإنسان راضيًا عن علم، خير له أن يكون سعيدًا خاضعًا لأناه وعن جهل منه، متمسكًا في ذلك بالشك فيما هو يقين، ظنًّا منه أن الشك بعد التبيُّن ومواصلته من خاصيات أهل الفكر والعلم والنظر.

إن الحكمة تقتضي التسليم للحقائق الكبرى التي يعجز العقل المجرد عن إدراك كنهها دون دليل استرشادي، وأخشى من قول إنه ليس ثمة استقامة لهذا الأمر كله، ما دام التكلم بحق لا نفاذ له لا يجدي.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة