من المؤكد والمتعارف عليه عبر التاريخ أن الإنسان، في جوهره البيولوجي والعضوي، كائن ينتمي إلى عالم الحيوان، وما يميزه ويمنحه الصفة الإنسانية ليس إلا امتلاكه للعقل والوعي والقدرة على التفكير والتعبير والمعرفة.
ومن هنا كان لأرسطو أن يطلق عبارته الشهيرة: «الإنسان حيوان ناطق»؛ أي كائن حي يملك العقل والبيان. ولا يمكن أن يُعد هذا التعريف شتيمة أو انتقاصًا، إذ إن الإنسان يظل كائنًا حيوانيًا لا يميزه إلا عقله وقدرته على التفكير وإيجاد الحلول المبتكرة.
وعلى ضوء هذا، كتبت الكاتبة فكرية شحرة قبل أيام على حسابها في فيسبوك: (الشخص الذي لا يقرأ الكتب حيوان ناطق فقط).
والغريب أنها قوبلت بسيل من الانتقادات، وكأنها جاءت بشيء نُكُر، أو مسَّت معتقدًا مقدسًا لا يجوز التفوه به. والأكثر غرابة أن بعض المنتقدين شخصيات لها حضورها ووزنها في المشهد الثقافي اليمني، أو هكذا تخيلت لأنفسها. وإلا فما الذي قد يثير كل هذا الغضب؟ بينما يُعد الاستفزاز إحدى وظائف الكتابة، ومن حق الكاتب أن يضع القارئ أمام ما لا يحب أن ينظر إليه، وما لا يمكن تصديقه أو توقعه.
تراجع الثقافة منذ اندلاع الحرب
ونحن، كما يبدو، لا نحب أن نرى ما نحن عليه، وهو ما قد ننصدم به لو نظرنا إلى الواقع الثقافي اليوم. فمنذ اندلاع الحرب عام 2015، شهدت الثقافة اليمنية تراجعًا ملحوظًا على المستوى المؤسسي والاجتماعي، وانعدامًا شبه كلي للأثر الحقيقي للكاتب والروائي والمفكر، وغاب كثير من المثقفين، ومن يُناط بهم الدور في حث المجتمع على القراءة وبناء الوعي في أوساطه.
حتى على مستوى الواقع الافتراضي، فما من ندوات ثقافية، ولا مؤتمرات، ولا حتى لقاءات، فقد ظل حضور كثير من المثقفين محصورًا في منشور ساخر أو تغريدة مقتضبة إثر كل حدث سياسي عابر.
ولا أعمم على المثقفين في كونهم قد تخلوا عن أدوارهم، إنما هناك من لا يزال يكتب ويبحث ويحاول أن يفعل شيئًا في هذا الجانب، غير أن هذا الحضور، مقارنة بالوضع الراهن للمجتمع، يُعد أقل بكثير مما نحن بحاجة إليه.
فكم من كاتب أو أديب أو مثقف حاول خلال هذه المدّة أن يجعل الكتاب والقراءة جزءًا من الحياة اليومية للناس؟ أو شجع على أن يكون في كل بيت مكتبة، أو على اقتناء الكتب الإلكترونية في الأقل، أو حاول أن يقنع المجتمع بأن القراءة ليست ترفًا، ولا وسيلة لاستعراض الثقافة، وإنما إحدى وسائل النجاة مما نحن عليه؟
علاقتنا بالكتاب
رغم أن علاقتنا بالكتب لم تكن يومًا علاقة جيدة، إنما هي أقرب إلى العدوانية، إذا صح التعبير. ففي أوساط الأحياء والقرى والحارات، قد لا تجد أكثر من قارئ أو اثنين. وبين مئات البيوت قد لا تجد واحدة تملك مكتبة، ولا تعجب إذا وجدت أفراد الأسرة أنفسهم لا يعرفون ما الذي تحتويه تلك الرفوف.
فالمكتبة عند كثير منا ليست مكانًا للمعرفة بقدر ما هي ديكور يتصدر واجهة الديوان، أو شهادة صامتة على أن في الأسرة شخصية مثقفة تخصها كل هذه الكتب، التي يُفترض أن تبقى بعيدة عن متناول الصغار. فكلما امتدت إليها يد طفل، أو حتى شاب لم يكمل الثانوية بعد، امتدت إليها يد أخرى لتعيدها إلى مكانها، وكأن لمس الكتاب جريمة لا تليق بمن لم يبلغ بعد مرتبة المثقفين، أو بالجامعي في مهمة استكمال متطلب دراسي أو بحث تخرج.
هكذا نمت علاقتنا مع الكتاب محصورة في الكتب المدرسية، حتى إذا وجد أحدنا نفسه ذات يوم أمام رفوف مكتبة، شعر بشيء من الرهبة والتردد، كأن الكتب على الرفوف ليست لتفتح لنا أبوابًا جديدة للمعرفة، وإنما لتسألنا: ماذا تعرفون عنا؟
نظرة المجتمع إلى القارئ
أما القلة التي تقرأ، فقد استطاعت باكرًا تجاوز الخوف من صمت المكتبات ورهبة الرفوف، لكنها لا تسلم هي الأخرى من سخرية المجتمع، فنحن ننظر إلى القارئ بعدِّه شخصًا مهووسًا، فارغًا لا يجد ما يفعله، وشخصية ضعيفة لا تستطيع الاختلاط بالناس.
والحقيقة أننا لا نسخر منه إلا لأنه يفكر بطريقة لا نستطيع مجاراتها، ولا نملك القدرة على الدخول معه في نقاش طويل حول كتاب قرأه، في حين نحن لم نقرأ أبدًا. ولا نستطيع فهم أفكاره لأنها لم تمر علينا من قبل، فنصفه بالتعقيد، أو بالفلسفة الفارغة، ثم نعود إلى أحاديثنا المعتادة ونحن مقتنعون أننا الأكثر عقلانية.
هل مَن لا يقرأ حيوان ناطق فقط؟
فإذا كانت هذه هي الحياة التي نعيشها، وأحدنا لا يقرأ، ولا يسأل، ولا يحاول أن يفهم العالم من حوله، فما الذي قد يدعوه إلى الغضب؟
إذا كان امتياز الإنسان عن الحيوان بالعقل، وبالقدرة على التفكير، وباللغة، وبإنتاج المعرفة، وبقدرته على تغيير واقعه، لكنه لا يستخدمها، فما الذي يميزه عن الحيوان؟
ربما في كوننا نتقاتل منذ سنوات، ولا يدري معظمنا لماذا، في حين تتقاتل الحيوانات بدافع الغريزة، نتقاتل نحن بإرادة العقل والمعتقد، ونتعصب لرأي، ونكره بعضنا بعضًا لا لشيء، غير أنه يستحق الكراهية، وصاحب رأي آخر.
فهل قست علينا فكرية شحرة حين قالت إن من لا يقرأ حيوان ناطق فقط؟
ربما كانت قاسية، وكان من حق البعض أن يغضب، لكن كان علينا أن نفتح كتابًا بدلًا من ذلك كله، وأن نتقدم بالاعتذار إلى جميع الحيوانات، نيابة عن الأستاذة فكرية شحرة، لأنها كانت قد ظلمتهم.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.