يوجد انحطاط حضاري، ومدخل هذا التراجع هو التخلف الثقافي. نحن نعاني من أزمة ثقافية، وأنا أتحدث هنا بالمفهوم العميق للثقافة «الأسلوب الشمولي»، الذي ينفذ إلى الحقول جميعها ويخاطب كل فئات المجتمع.
بكل أسف، أجد أن المجتمع العربي لم يحقق النهضة الثقافية، وهذا واضح بجلاءٍ فاضح في أن الثقافة العربية تُعنى بكل أشكال التفاهة والتجهيل «Agnotology».
سيادة التفاهة: عندما يتوارى العلماء
لكم أن تتخيلوا أن العالم التركي الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء «عزيز سنكار» لا يتجاوز عدد متابعيه 350 ألفًا، في المقابل شخصية سطحية محتواها هزلي تجذب أكثر من 15 مليون متابع من كل أقطار العالم العربي والإسلامي! ومحاضرة علمية مغربية، تجمع بين علماء وأساتذة وأكاديميين آثروا التوجه إلى العموم بعلمهم لإيقاظ الوعي، إلا أن عدد مشاهدي هذه المحاضرة الغنية لم يتجاوز 300 شخص فقط، في حين تجد تفاهة وخلاعة تجاوز عدد مشاهداتها المليار!
هذه المقارنات تكشف بلا مواربة عِظَم التدهور الثقافي والفكري للمجتمعات العربية والإسلامية. وخليق بنا أن نُعرِّج على أن العطب التاريخي للأدب العربي والثقافة العربية عطبٌ مركَّب ومتراكم، وصولًا إلى هزيمته الكبرى أمام الأدب الغربي والثقافات الأعجمية، وكان هذا سببًا مباشرًا للسؤال: «لماذا تخلف الأدب العربي، وتقدم غيره من الأدب؟».
اللغة العربية: ثراء المفرَدات وعجز التوظيف الأدبي
إن الأدب هو تعبير الإنسان عن دواخله وعواطفه ونوازعه، وبيان طناياه وحناياه وثناياه التي لأجلها كان الأدب والثقافة؛ إن كان شعرًا، نثرًا، قصةً، روايةً، خاطرةً، حكمةً، مثلًا، أو مسرحيةً، لكن ضمن سياقات لغوية وعلمية واضحة، وعلى أسسها الأربعة: «العاطفة، والمعنى، والأسلوب، والخيال».
أما الأدب العربي، فهو أصيل؛ بحسب ما تشير إليه آخر الدراسات إلى أنه يمتد لأكثر من 15 قرنًا منذ العصر الجاهلي، وهذا ما يجعله غنيًّا بالتجربة، متراكمًا في الخبرة.
وما يميز الأدب العربي أيضًا الغَضَارة اللغوية؛ لأن اللغة العربية تُعد من أغنى لغات العالم بالمفردات، ذلك أن التوقعات تُومئ إلى أنها تحتوي على ما يزيد على 12 مليون كلمة «دون تكرار»، تليها الإنجليزية بنحو 600,000 كلمة، ثم الفرنسية بحوالي 150,000 كلمة، ثم الروسية بحوالي 130,000 كلمة.
لماذا ظل الأدب العربي أسيرًا للشعر؟
وتعود علة هذه الوفرة اللغوية في أدبنا إلى قدرة اللغة العربية الجسيمة على الاشتقاق، والتعددية في المعاني، وتوليد مفردات جديدة من جذور لغوية قليلة، ولا سيما في مجال الشعر؛ بوصفِ الشعرِ العربيِّ الديوانَ الأكبرَ في العالم، حتى إنه لم يُعرَف إلى هذه اللحظة من هو أول من كتب قصيدة عربية.
إلا أن الأدب العربي افتقر إلى جوانب عدة، كالمسرح والرواية؛ ذلك أن أول رواية عربية لم تظهر إلا في القرن العشرين، وهي رواية «زينب» للروائي المصري محمد حسين هيكل.

وبالإضافة إلى ذلك، أشار الكاتب روبرت كول في إحدى دراساته إلى أن مفاهيم الأدب العربي بُنيت على ركائز الأدب الغربي، وأن الأدب العربي في بداياته لم يكن يُدوَّن، على عكس الأدب الغربي الذي دُوِّن منذ انطلاقه، فخُلِّد بين الآداب الأخرى، ثم تطور وارتقى، في مقابل تعثر الأدب العربي وسقوطه في مجالات عدة، كالرواية والقصة والمسرح وغيرها.
كما أن الأدب العربي مكرَّر إلى حد الملل، في حين أن الأدب الأجنبي متطور ومتجدد، فضلًا عن افتقار الأدب العربي إلى التنوع الثقافي، على عكس الأدب الغربي المليء بالتنوع؛ لأن الأدب العربي يقتصر على نواحٍ ضيقة، كالشعر مثلًا، في حين يعتمد الأدب الغربي على مجالات وأنشطة متنوعة وكثيرة.
أما إذا أردنا أن نُعرِّج على التعقيد والصعوبة، فاللغة الصينية أصعب وأعقد من اللغة العربية.
ولا بد من التنويه إلى أن الأدب العربي متأثر بالأدب الغربي؛ بدليل أن فكرة «ألف ليلة وليلة» مقتبسة من كتاب فارسي أعجمي، وأصل قصصه مأخوذ من كتاب هندي يُسمى «كليلة ودمنة». كما أن القصص والروايات التي تأثر بها الكُتَّاب والأدباء العرب من الغرب لا تُعد ولا تُحصى، حتى في المسرح والسينما وغيرها.
ولا يعني كون الأدب العربي أصيلًا، وأن الغرب تعلَّمه ودوَّنه، أنه الأدب الأفضل. فالإحصائيات في زماننا تشير إلى أن الأدب الأفضل عالميًا هو الروسي، ثم الفرنسي، ثم البريطاني، ثم الأمريكي، ثم الصيني، في حين يأتي الأدب العربي في ذيل القائمة، للأسف الشديد.
ويُلاحظ إقبال العرب، كعموم وأكاديميين ومؤسسات وجامعات، على الأدب الأعجمي، وخصوصًا الروسي، بنسبة تصل إلى 75%، في مقابل جمود الأدب العربي الذي ظل أسيرًا للتقليد حتى هذه اللحظة في عدة مجالات، كالرواية، والفن، والقصة، والمسرح، والسينما وغيرها.
نقد الرواية المعاصرة: 15 سبباً وراء هشاشة النص الروائي
فمثلًا، يتحرك الأدب العربي بغزارة في حقل الرواية فقط، التي أُعِدُّها هشة وسطحية لأسباب عدة، منها:
- ضعف اللغة العربية.
- انكفاء المستوى الفني، حتى تبدو أقرب إلى الثرثرة.
- الإكثار في الحواشي إلى حد الملل.
- اختلال المتون.
- عدم الاهتمام بالبلاغيات والمحسنات البديعية، أو الإفراط فيها على حساب المحتوى والفكرة.
- الافتقار إلى نمط الشروح وفق منهج نقدي أو لغوي أو عقائدي واضح.
- التقليد الأعمى للأدب الغربي، والاغتراب عن الذات والهوية.
- التسطيح الروائي والتبسيط المفرط للأفكار والأحداث والشخصيات.
- شغور التحليلات وتواري الأعماق.
- التحرش بالنص، والتطرق الفج للجنس والإباحية.
- عدم وضوح المعايير النقدية.
- انحسار الرعاية الثقافية وتضاؤل الدعم المؤسسي.
- غياب النقد الموضوعي، وكثرة المجاملات الزائفة.
- عدم التنوع الأدبي.
- السرقة الفكرية والمعنوية.
ويُضاف إلى ذلك:
- الصراعات السياسية.
- الإعلام التجاري الزائف.
- مواقع التواصل الاجتماعي.
- تغييب دور المثقف الحقيقي.
مستقبل النهضة
ولكي ننهض ثقافيًا، يتطلب الأمر 4 إصلاحات:
- الإصلاح السياسي: ويتطلب إنتاج السلطة، وإعادة توزيعها على المجتمع من جديد؛ لأن البلاط الحاكم يتحكم في الناس عبر مبدأين: «تخويفهم» و«إحباطهم»، وبهما تُصاغ ملامح مجتمع متخلف، إذ لا يُراد لمجتمع مثقف أن يوجد؛ لأنه يخرج عن السيطرة.
- الإصلاح الاقتصادي: ويتطلب إنتاج الثروة، وإعادة توزيعها على المجتمع من جديد.
- الإصلاح الأخلاقي: ويتطلب إنتاج القيم، وإعادة توزيعها على المجتمع من جديد.
- الإصلاح الفكري: ويتطلب إنتاج المفاهيم، وإعادة توزيعها على المجتمع من جديد.
انتهاءً إلى حضور النقد؛ بدءًا بنقد الذات، ثم نقد الآخر، نقد الأدب العربي، ثم نقد الأدب الغربي، والتوليف بينهما عند الحاجة، من أجل تشييد ثقافة جديدة تتلاءم مع روح العصر، دون التخلي عن ذاتنا الثقافية وهويتنا العربية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.