ازْدِوَاجِيَّةُ اَلْمَعَايِير ما بَينَ الْمُعْتَقَدِ وَالتَّطْبِيقِ

الِاحْتِرَامُ الْمُطْلَقُ مِنْ مَفْهُومِهِ الضَّيِّقِ سُلُوكٌ يَسْتَخْدِمُهُ الْبَعْضُ عِنْدَمَا تَحْضُرُ الْمَصَالِحُ، فَيُذَكِّرُكَ ببعض الثوابت الأَخْلَاقِيَّةٍ التي يَدَّعِي أَنَّهَا رَاسِخَةٌ وَأَصِيلَةٌ وَهُوَ مِنْ مُدَّةٍ كَانَ بَعِيدًا كُلَّ الْبُعْدِ عَنْ كُلِّ هَذِهِ الصِّفَاتِ، لَكِنْ عِنْدَمَا تَأْتِي الْمَصَالِحُ يَأْتِي إِلَيْكَ الْبَعْضُ وَهُوَ  مُفْلِسٌ فِكْرِيًّا يُذَكِّرُكَ بِمُسَمَّيَاتٍ وُضِعْتَ زُورًا تَحْتَ مَفْهُومِ الْأَخْلَاقِ كُلِّهَا، مَفَاهِيمُ لِتَحْقِيقِ مَصَالِحَ شَخْصِيَّةٍ لِلْأَسَفِ، والْعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ وَثَقَافَةِ  الْعَيْبِ الَّتي يَنْتَقِدُهَا الْكَثِيرُ وَكُلٌّ لَهُ وُجْهَةُ نَظَرٍ مُخْتَلِفَةٌ مَا بَيْنَ الرَّفْضِ وَالْقَبُولِ.

التَّقَالِيدُ وَالْعَادَاتُ سُلُوكِيَّاتٌ اسْتَمَرَّ بِتَطْبِيقِهَا مَجْمُوعَةٌ مِنْ الْأَشْخَاصِ فَتَرَاتٍ زَمَنِيَّةً طَوِيلَةً تُبْنَى عَلَى أَسَاسِ الْعُرْفِ والْحَاجَاتِ والسُّلْطَةَ والدِّينَ لِذَلِكَ تَخْتَلِفُ بَيْنَ  الْمُجْتَمَعَاتِ.

بِالنِّسْبَةِ لِمُجْتَمَعَاتِنَا لِلْأَسَفِ نَعَمْ فَقَدْ فَقَدْنَا مَفْهُومَ (ثَقَافَةِ الْعَيْبِ)، فالْبَعْضُ يَرَاهَا كَلِمَةً مُتَخَلِّفَةً، وَهُنَا يَأْتِي  تَفْسِيرُ الْبَعْضِ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَخْدِمَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ مَثَلًا لِمَنْعِكَ مِنْ حَقِّ التَّفْكِيرِ، فمَمْنُوعٌ أَنْ تُبْدِيَ رَأْيَكَ حَتَّى لَوْ بِطَرِيقَةٍ مُهَذَّبَةٍ؛ لِأَنَّ التَّفْكِيرَ قَدْ يَهْدِمُ ثَوَابِتَ وَضَعَهَا  الْبَعْضُ لَيْسَ عَلَى أَسَاسٍ دِينِيٍّ أَوْ أَخْلَاقِيٍّ، بَلْ لِتَخْدِم سَيْطَرَتَهُمْ هَذِهِ التَّقَالِيدُ، وليكن التَّمَذْهُبُ مَعَ الرِّيحِ.

لَكِنْ لِلْأَسَفِ فَقَدْنَا الْإِيجَابِيَّةَ مِنْ مَفْهُومِ ثَقَافَةِ الْعَيْبِ الَّتِي كنا نتميز بها قَدِيمًا، فقد كَانَ مِنْ الْعَيْبِ أَنْ تُهَانَ الْمَرْأَةُ، فَبِالتَّالِي كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَحْتَرِمُ الرَّجُلَ لَيْسَ خَوْفًا، بَلْ إِعْجَابًا وَفَخْرًا، كَانَ مِنْ الْعَيْبِ إِيذَاءُ الْجَارِ، بَلْ الْكُلُّ يَتَعَايَشُ بِطَرِيقَةٍ سِلْمِيَّةٍ بَعِيدًا عَنْ التَّمَيُّزِ بين أُصُولٍ أَوْ أَدْيَان.

أَصْبَحْنَا الْيَوْمَ بَعْدَمَا زِدْنَا عِلْمًا أَكْثَرَ عُنْصُرِيَّةً وَتَخَلَّفًا، لِمَاذَا عِنْدَمَا أَتَذَكَّرُ سُلُوكِيَّات جِدِّي غَيْرَ المُتَعَلِّم هُوَ وَأَغْلَب أَبْنَاءِ جِيلِهِ مِنْ الرِّجَالِ أَجِدُهُمْ بِأَخْلَاقٍ وَعَقْلِيَّةٍ وَفِطْنَةٍ وَتَوَسُّعِ أُفُقٍ كَانُوا يَمْلِكُونَهَا مِنْ غَيْرِ إِدْرَاكٍ أَصْلِيٍّ بِامْتِلَاكِهِمْ لِتِلْكَ الصِّفَاتِ؛ لِأَنَّهَا الْأَصْلُ وَالْعَكْسُ هُوَ الشَّاذُّ عَنْ الْأَصْلِ.

لِمَاذَا زِدْنَا عِلْمًا وَانْحَدَرْنَا خَلْقًا وَالْأَمْرُ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِالدِّينِ؟ لِأَنَّ التَّطَوُّرَ وَتوَفّر الْمَرَاجِعِ يتِيحان لَكَ أَنْ تَتَثَقَّفَ أَكْثَرَ في أَيِّ مَجَالٍ لَمْ يتَوَفَّرْ عِنْدَ الْقُدَمَاءِ، فَلَيْسَ الْبُعْدُ عَنِ الدِّينِ هُوَ السَّبَبُ لِأَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَبْتَعِدَ بِتَصَرُّفَاتِهِ وَأَخْلَاقِهِ عَنْ ثَوَابِتِ الْأَخْلَاقِ قَدْ وَجَدْنا نَمَاذِج  مِنْهُمْ عَبْرَ الْعُصُورِ، لَقَدْ وَصَلْنَا لِهَذِهِ الْمَرْحَلَةِ عِنْدَمَا جَعَلْنَا الْمَصَالِحَ الشَّخْصِيَّةَ تُحَدِّدُ أَخْلَاقَنَا، فَوَضَعْنَا عَادَاتِنَا الْجَمِيلَةَ فِي كِتَابٍ يَرْكَنُ فِي زَاوِيَةٍ مَا، عِنْدَمَا تَأْتِي الْمَصْلَحَةُ تَنْفُضُ عَنْهُ الْغُبَارَ ثُمَّ  يُفْتَحُ لِيَتِمَّ تَذْكِيرُنَا بِهِ وَاسْتِغْلَالُهُ لِتَنْفِيذِ غَايَاتٍ شَخْصِيَّةٍ.

يَرَى الْبَعْضُ لِلْأَسَفِ وَلِيَوْمِنَا هَذَا أن هُنَاكَ فِئَاتٍ مُسْتَضْعَفَةً تُمْنَعُ مِنْ التَّعْبِيرِ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهَا لَا تَمْتَلِكُ اِجْتِمَاعِيًّا بَعْضَ الْمُقَوِّمَاتِ وَالْمَعَايِيرِ السَّطْحِيَّةِ.

نَحْنُ نُنَافِقُ لِلْقَوِيِّ ونُمَجِّدُ الْغَنِيَّ، نحن مُجْتَمَعٌ مَادِّيٌّ بَحْت، لَا أحد مِنَّا يَدَّعِي الْمِثَالِيَّةَ، كُلنَا نُحِبُّ أَنْ نُحسِّنَ منْ وَضْعِنَا الِاقْتِصَادِيِّ، لَكِنْ لِمَاذَا تُحَوّلُ تِلْكَ الرَّغْبَةُ الْبَعْضَ إِلَى قِمَّةِ الِانْحِدَارِ الْخُلُقِيِّ لِلْوُصُولِ لَهَا؟

أيضًا فَإنَّ الْعَادَاتِ يَجِبُ ألّا تَكُونَ إِلَّا لِإِنْسَانِيَّةٍ وَكَرَامَةِ الْإِنْسَانِ، وَلَسْنَا مُجْبَرِينَ عَلَى أن نَتَّبِعَ أفكارًا فِي عُقُولِنَا أَصْبَحَتْ ثَوَابِتَ لِتَحْقِيقِ مَصَالِحِ الْبَعْضِ الشَّخْصِيَّةِ فَنُصْبِحُ مِثلَ الْقَطِيعِ.

نَحْنُ لَسْنَا قَطِيعًا، نَحْنُ بَشَرٌ نُخْطِئُ وَنَصِيبُ؛ لَكِنَّنَا أيضاً نَمْتَلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّمَيُّزِ.

أنا أحب عَادَاتِنَا الْأَصِيلَةَ أنْ تَعُودُ، أشْتَاقَ لِلسَّلَامِ الدَّاخِلِيِّ وَالْهُدُوءِ وَالصَّفَاءِ فِي التَّعَامُلِ، واحْتِرَامِ الْآخَرِ بِالْفِطْرَةِ.

الْيَوْمَ أَرَى مِنْ مَظَاهِر التَّخَلُّفِ الْفِكْرِيِّ لَيْسَ لَهَا عَلَاقَةٌ بِمَوْرُوثِنَا الثَّقَافِيِّ، فَكَيْفَ تَرَى أَنَّ إبداء رَأْيِي لِمجَرد أني امرأة عيبًا وَلَيْسَ لِي الْحَقُّ فِي اخْتِيَارٍ يخُص مَوَاضِيع وَشُؤُونًا أنا جُزْءٌ مِنْهَا، بَيْنَمَا لَيْسَ مِنْ الْعَيْبِ أَنْ تَأْخُذَ قَرْضًا عَلَى عَاتِقِ هَذِهِ المسكينة، قِمَّةَ التَّنَاقُضِ.

بِالْمُقَابِلِ لِمَاذَا تَطْلُبُ المَرْأَة مِنْ الزَّوْجِ مهرًا مُرْتَفِعًا وَحَفْلَةَ زِفَاف وكَمَالِيَّاتٍ وَتُثْقِل كَاهِلُهُ بِالدُّيُونِ تَحْتَ ثَقَافَةِ الْعَيْبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أقلّ مِنْ أي فَتَاةٍ أخرى في الْعَائِلَةِ، وَبَعْدَ الزَّوَاجِ تُطَالِبُهُ بِالِالْتِزَامِ بِكُلِّ الْمَصَارِيفِ فِي ظِلِّ وَضْعٍ اقْتِصَادِيٍّ صَعْبٍ، فَأنت كُنْتِ مُدْرِكَةً لِظَرْفِهِ الْمَادِّيِّ وَأغْرَقْتِه بِالدُّيُونِ، وَالْآن فِي حَالَةِ أنّهُ قَصّرَ لَوْ بِالْقَلِيلِ لأنه مَازَالَ يُسَدِّدُ دُيُونًا وَكَمَالِيَّاتٍ تُثْقِلُ كَاهِلَهُ تَحْتَ ثَقَافَةِ الْعَيْبِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ أقل مِنْ أي فَتَاةٍ أخرى في الْعَائِلَةِ، وَبَعْدَ الزَّوَاجِ تُطَالِبُهُ بِالِالْتِزَامِ بِكُلِّ الْمَصَارِيفِ فِي ظِلِّ وَضْعٍ اقْتِصَادِيٍّ صَعْبٍ، ومع ذللك تَنْظُرُ لَهُ أو حَتَّى قَدْ  تُصَرِّحُ بِبَعْضِ الْعِبَارَاتِ الَّتِي تُحَاوِلُ أَنْ تُنْقِصَ مِنْ رُجُولَتِهِ.

لَا يا سيدتي أنت الَّتِي افْتَقَدتِ إنسانيتك، وَنَضِجَ الْعَقْلَ بِالْمُقَارَنَةِ السَّخِيفَةِ بَيْن هذه وتلك، وَخَوْفِكَ مِنْ انْتِقَادَاتٍ سَخِيفَةٍ لِكَمَالِيَّاتٍ أسخف.

الْعَادَاتُ السَّلْبِيَّةُ أو الْأَفْكَارُ الدَّخِيلَةُ مِنْ أُسْلُوبِ الْمُقَارَنَاتِ بِالْغَيْرِ أو   الِاحْتِرَام الْمَبْنِيِّ عَلَى أساس مَا أملك، ومَظْهَرِي، وأصْلِيْ فَلَا يَجِبُ أَنْ تَحْظَى هَذِهِ الْمَعَايِيرُ عَلَى الْقَبُولِ الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّهَا ثَقَافَةٌ تَطْلُبُ حَصَانَةً لِثَوَابِتِ مُسْتَفِزَّة، فَطَالَمَا هِيَ في إِطَارِ الْأَفْكَارِ فَعَلَيْهَا أَنْ تَتَحَمَّلَ النَّقْدَ الموضوعي أَوْ حَتَّى الصَّارِخَ؛ لأنه مُجَرَّد فِكْرٍ غَيْر مُلْزِمٍ.

قَانُونُ (سَاكْ سُونْيَا) الَّذِي نُطَبِّقُهُ الْيَوْمَ بِمَعَايِيرِنَا اَلْمُزْدَوِجَة ما بين الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ نَدَّعِي أننا لا نميز بَيْنَ الْأَشْخَاصِ عَلَى أساس مَادِّيٍّ.

كَذِبٌ لِأَنَّنَا حَتَّى عِنْدَمَا نَتَعَامَلُ بِأَدَبٍ مَعَ مَنْ هُمْ أقْل مَادِّيًّا، فَنَحْنُ دَاخِلِيًّا نَشْعُرُ أننا عَلَى خُلقٍ لِتَوَاضُعِنَا مَعَهُمْ، وهذا مُنْتَهَى السَّطْحِيَّةِ.

الْأَخْلَاقُ ثابِتة، الْمُهَذَّبُ مُهَذَّبٌ مَعَ الْجَمِيعِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ أنت إنْسان مُنَافِقٌ، نُقْطَة وانْتَهَى.

بَعِيدًا عَنْ الشِّعَارَاتِ نَحْنُ بِأَمْسِ الْحَاجَةِ لِلتَّوَقُّفِ لِلَحَظَاتٍ وَالتَّفْكِيرِ الْعَمِيقِ لِنُوَاجِهَ، ونُغَيِّرُ الْكَثِيرَ مِمَا نَرْفُضُهُ دَاخِلِيًّا، وَنَخْشَى أنْ نَعْكِسَ هَذَا الرَّفْضَ إِلَى سُلُوكِ فِي حَيَاتِنَا؛ لِأَنَّنَا أَضْعَفُ مِنْ أنْ نُوَاجِهَ النَّقْدَ.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.