أدب الهزل عند الجاحظ.. سخرية الفكر ومرايا المجتمع

في عالم الأدب، لا يُستخدم الضحك دائمًا للترويح عن النفس فقط، بل قد يكون أداة حادة لكشف العيوب ونقد المجتمع وتحدي السلطة. إن أدب الهزل ليس نقيض الجد، بل هو فن قائم بذاته، له جذوره العميقة في التراث العربي، وقد وصل إلى ذروته على يد الإمام الجاحظ، كان الجاحظ يعالج المشكلات بالضحك، ويجابه المواقف بالسخرية، ويواجه الخصوم بالهزء.

يستكشف هذا المقال تاريخ أدب الهزل في الثقافة العربية، بدءًا من العصر الجاهلي ومرورًا بالأموي والعباسي، ثم يتوقف بالتحليل عند ظاهرة الجاحظ، ليكشف عن العوامل النفسية والاجتماعية والفكرية التي مثلت عبقريته الساخرة.

مفهوم أدب الهزل وجذوره في التراث العربي

لا تخلو المواقف اليومية في حياة الإنسان من نسمات الضحك ورياح القنوط، وإن كان هذا الضحك سرورًا ورضى، أو سخرية وازدراء، أو مزاحًا وطربًا، أو كان ضحك العجب والإعجاب.

فالضاحك الساخر قد يضحك من عيوب الناس؛ لأنه يبحث عن تلك العيوب، ويستريح إليها ولا يتمنى خلاص أحد منها، وقد يضحك من تلك العيوب؛ لأنه ينفِّس عن عاطفة لا يستريح إليها، وقد يضحك ليواجه مواقف الحياة ومشكلاتها الصعبة.

كان أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ يعالج المشكلات بالضحك، ويجابه المواقف بالسخرية، ويواجه الخصوم بالهزء والاستخفاف، واتخذ طريق الهزل والإضحاك، وأحبّ من اتخذوه طريقًا لهم، وروى هزلهم في مواجهة المواقف التي اعترضتهم؛ لذلك تفنَّن الجاحظ في الأجوبة المسكتة متخذًا الهزل اللاذع والفكاهة المرِحة؛ ليدفع الكلل عن النفوس.

مفهوم أدب الهزل

إن أدب الهزل له دوره في التعبير عن المضامين الإنسانية المختلفة، ولاستشراف هذه الزاوية، وقع اختيارنا على مقال بعنوان: «أدب الهزل عند الجاحظ».

إن هذا الهزل يُمثِّل التصاقًا بالحياة والتفاعل معها بالقدر نفسه الذي تُمثِّله المضامين الجادَّة، وهذا النوع من الأدب يحمل أهدافًا في مقدّمتها الترويح عن النفس، ونقد الظواهر السياسية أو الاجتماعية وغيرها.

  • الهزل لغةًنقيض الجِدّ، وهزل يهزل هزلًا، وهزل الرجل في الأمر إذا لم يجدّ، وهازلني.
  • واصطلاحًامذهبٌ في الكلام، تُصدَر الأقاويل فيه عن مجونٍ وسَفَه، بنَزْع الهمة والهوى... إلخ.

ونجد كثيرًا في الأدب العربي من النماذج الشعرية التي تتماشى مع هذا المفهوم، فقد حفل الأدب العربي شعرًا ونثرًا بمختلف المضامين الإنسانية التي قدَّمت دليلًا لا لبس فيه على تمسّك الإنسان العربي بمختلف مناحي الحياة، واستلهام معطياتها وتأمَّل عناصرها.

نماذج من أدب الهزل قبل الجاحظ

لقد ظهر أدب الهزل طريًّا منذ العصر الجاهلي، التمس الأدباء به الشعور بحلاوة الحياة التي تخرجه من إطار الجِدّ إلى جوٍّ من المرح الذي يُروح الإنسان فيه عن نفسه، وقد ظهر ذلك واضحًا عند الشاعر امرئ القيس الذي حفل شعره بصور ظريفة في وصفه وغزله اللاهي، إذ كانت تشبيهاته مثارًا للاستطراف، ورسم الصور الحقيقية المرحة، يقول:

تقولُ وقد مال الغَبيطُ بنا معًا
عقّرتَ بعيري يا امرأَ القيسِ فانزلِ

فقلتُ لها سيري وأرخي زمامَه
ولا تُبعديني من جَناكِ المُعلّلِ

أفاطمُ مهلًا بعضَ هذا التذلّلِ
وإن كنتِ قد أزمعتِ صرمي فأجملي

وكان شعر الخمرة شاملًا لما هو هازل فيما تُشيعه من أجواء لاهية عابثة، تُخالف مضامين الجدّ التي عُرفت عن الشعراء العرب، فلم تكن الحانات والخمّارات أماكن لبيع الخمر، وإنما كانت مكانًا يُقدَّم أسباب اللهو والمجون، والعبث الساخر، يأتي عليه الشعراء فيتفنَّنون في شُربها ووصفها بأساليب ناعمة، ومعانٍ طريفة.

يقول الأعشى:

وأبيضُ مختلِطٍ بالكِرا
مِ لا يتغطّى لإنفادها

أتاني يُؤامرني في الشَّمو
لِ، ليلًا فقلتُ له: غادِها

أرحنا نُباكرُ جِدّ الصَّبو
حِ، قبل النفوس وحُسّادها

فقمنا، ولمّا يصحُ ديكُنا
إلى جونةٍ عند حدّادها

تنخّلها من بُكار القطا
ف، أُزيرقُ آمِنُ إكسادها

وفي العصر الأموي وُجد أدب هازل تجلَّى في الغزل الصريح الذي تقاسمه بعض الشعراء الذين جمعهم مزاج مشترك لخلق المؤانسة بينهم.

يقول عمر بن أبي ربيعة:

آمن آل نُعمٍ أنت غادٍ فمُبكرُ
غداةَ غدٍ أم رائحٌ فمُهجَّرُ

لحاجةِ نفسٍ لم تقل في جوابها
فتبلغُ عُذرًا، والمقالةُ تُعذرُ

ولم يخلُ فنّ النقائض الذي جرى بين جرير، والفرزدق، والأخطل، من بعض المناحي الهازلة التي جاوزوا فيها الحدود المتداولة في الهجاء، بعد أن اعتمدوا بعض الألفاظ الساقطة، وبعض المعاني السوقية، لرسم الصور الساخرة.

يقول جرير في هجاء الأخطل:

إنّ الأخيطلَ خنزيرٌ أطاف به
إحدى الدواهي التي تُخشى وتُنتظرُ

قادوا إليكم صدورَ الخيلِ معلمةً
تغشى الطعانَ وفي أعطافها زورُ

كانت وقائعَ قلنا: لن ترى أبدًا
من تغلبٍ بعدها عينٌ ولا أثرُ

حتى سمعتُ بخنزيرٍ ضغا جَزِعًا
منهم، فقلتُ: أرى الأمواتَ قد نُشروا

فردّ عليه الأخطل بنقيضةٍ تماثلها في السخرية، منها:

بئسَ الصّحاةُ وبئسَ الشربُ شربُهمُ
إذا جرى فيهمُ المزّاءُ والسُّكرُ

قومٌ تناهتْ إليهم كلُّ مخزيةٍ
وكلُّ فاحشةٍ سُبَّت بها مُضَرُ

على العباراتِ هَدّاجون قد بلغتْ
نجرانَ، أو حدّثتْ سوءاتهم هَجَرُ

الآكلون خبيثَ الزادِ وحدَهمُ
والسائلون بظهرِ الغيبِ ما الخبرُ

وفي العصر العباسي ازدهر أدب الهزل، وظهر ما يُعرف بالشعر الفُكاهي، وهو ما كانت تجود به قرائح الشعراء في مواقف بعينها، فبرزت ضمن هذا الإطار شخصية أبي دُلامة التي كانت تُطلق النوادر اعتمادًا على بديهة حاضرة لخلق روح الطُّرف والمدح، وأنه كان نديمًا للخلفاء يُطرِفهم بنوادره، وله نوادر كثيرة منها:

«دخل على المهدي وعنده جماعة من الأشراف من بني هاشم والوزير محمد بن الجهم، فقال المهدي لأبي دُلامة: والله لا تبرح مكانك حتى تهجو أحدًا ممن هنا، وإلا قطعتُ لسانك، أو ضربتُ عنقك، فنظر إليه القوم، وكلما نظر إلى واحدٍ منهم غمزه بأنّ علي رضاك، فقال أبو دُلامة: فعلمتُ أني وقعتُ، ولم أرَ أحدًا أحق بالهجاء مني، ولا أدّعي إلا السلامة من هجاء نفسي، فقلت:

ألا أبلغ لديك أبا دُلامة
فليس من الكرام ولا كرامة

إذا لبس العمامة كان قردًا
وخنزيرًا إذا وضع العمامة

جمعتَ دمامةً وجمعتَ لؤمًا
كذاك اللؤمُ تتبعه الدمامة

فإن تك قد أصبتَ نعيم دنيا
فلا تفرح، فقد دنت القيامة»

فضحك القوم، ولم يبقِ أحدًا إلا أجازه.

العوامل المؤثرة في أدب الهزل عند الجاحظ سيد الساخرين

نستعرض في ما يلي مجموعة من العوامل التي أثرت في أدب الهزل عند الجاحظ، بداية من بيئته الاجتماعية، وانتهاء بهيئته وخلقته التي كانت مضربًا للمثل في القبح والدمامة.

أولًا: البيئة الاجتماعية

نشأ الجاحظ نشأة بسيطة، غلب عليها القهر والبؤس وشظف العيش، ما اضطره إلى العمل من أجل لقمته في سنٍّ مبكرة، وما كان هذا ليحول دون انصراف الفتى إلى الدراسة والتحصيل العلمي.

وقد تأثر بأبي زيد القرشي، وأبي عبيدة، والأصمعي، والأخفش، وعُدّ من رجالات العلم وأعيان اللغة عامة.

وإذا نظرنا إلى المجتمع الواسع والبيئة الرحبة في الدولة العباسية في ذلك الوقت، وجدناها حافلة بكل شيء، فهي «ممتلئة بكل عجيب، مكتظّة بشتى المتناقضات، فبجوار هذا المجون واللهو، كانت المساجد عامرة بالعبّاد والنُسّاك».

ولعل هذا التباين في السلوك من شأنه أن يُعمّق الملاحظة الدقيقة عند الأدباء، ومنهم الجاحظ، لطبيعة سير المجتمع.

ثانيًا: البيئة الفكرية

نشطت الحياة العقلية في المجتمع العباسي، فكانت المساجد أشبه بجامعات حرّة، يفد إليها الطلبة من كل حدب وصوب، ناهلين ما يشاؤون من العلوم اللغوية، والشرعية، والكلامية، وكانت تُجاورها دكاكين الورّاقين الحافلة بكتب العلماء، وبالمترجَم من كتب الأوائل، وثقافات اليونان والفرس والهند.

ولقد نشأ في الكُتَّاب حتى كبرت سنه، ثم قصد شيوخ البصرة الذين لا يُضيِّعون فرصة الهزل إن سنحت لهم، ويخلقونه خَلقًا إن لم يأتِ طوعًا، ومنهم «أبو عبيدة معمر بن المثنّى»، وقد كان فَكِه المجلس، مولعًا بالتعريض، والتلويح، والتهكّم، والسخرية، ومنهم «إبراهيم بن يسار النّظام»، وكان مشهورًا بالدعابة والسخرية، وقد لازمه الجاحظ ملازمة شديدة تركت أثرها في صفحات عقله وجنبات نفسه.

ثالثًا: هيئته

قصير القامة، صغير الرأس، رقيق العنق، صغير الأذنين، أسود اللون، جاحظ العينين، مشوّه الخِلقة، وهو قبيحٌ ذميمٌ.

رابعًا: الوراثة

جميع العوامل الموجودة في الكائن الحي في اللحظة التي تتم فيها عملية تلقيح الخلية الأنثوية بالخلية الذكرية، ويصعب الفصل بين الوراثة والبيئة؛ لأن البيئة تعمل منذ اللحظة الأولى التي تعمل فيها الوراثة، ولا يمكن أن يظهر أثر الوراثة إلا في البيئة.

فالميل إلى المرح، والفكاهة، والسخرية لدى الجاحظ، يرجع في جانب منه إلى الوراثة، فميله الوراثي إلى السخرية جعله يلتقط النوادر، ويحفظ الطرَف.

خامسًا: مزاجه وطبعه

يمكن أن نصف شخصية الجاحظ، طبقًا لنظرية «إبقراط»، بأنه دموي؛ إذ يتصف بالمرح، والفاعلية، والحماس، أو نَصِفه، طبقًا لنظرية «يونغ»، بأنه انبساطي.

في نهاية المطاف، لم يكن الهزل عند الجاحظ ترفيهًا أو تنفيسًا، بل كان منهجًا فكريًا وأداة نقدية متكاملة، لقد استطاع بعبقريته الفذة أن يحول الفكاهة إلى مرآة تظهر تناقضات مجتمعه، وأن يجعل من الضحك وسيلة لإيصال أعمق الرسائل الفلسفية والاجتماعية. وبهذا، لم يؤسس الجاحظ لأدب ساخر فحسب، بل أرسى تقليدًا فكريًّا لا يزال حيًا، يثبت أن الكلمة الضاحكة قد تكون في بعض الأحيان أشد تأثيرًا وأبعد غورًا من آلاف الخطب الجادة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.