ومع ما يمر به السودان اليوم من تحولات قاسية وتغيرات طالت البشر والحجر، يبدو استحضار عالم الطيب صالح ليس نكوصًا نحو الحنين أو استدعاءً لأدب كلاسيكي، بل هو ضرورة ملحة لفهم كيمياء الصمود في تركيبة الشخصية السودانية؛ ففي حين يواجه الإنسان السوداني اليوم تحديات جغرافية وبيئية وسياسية تعيد تكوين ملامح المكان قسرًا.
تبرز أعمال الطيب صالح وكأنها دليل استرشادي يُمكِّنُ من قراءة تلك الخلخلة التي أصابت الثوابت الإنسانية والتجليات المناخية والبيئية لهذه الخلخلة، إننا نستحضره لأننا نعيش اليوم «موسم هجرة» جديدًا، لكنها في لحظتنا تلك تُعَدُّ هجرة قسرية تختبر قدرتنا على التطور والتحديث دون فقدان الجذور، وهي ذاتها التساؤلات الرئيسة لمشروع الطيب صالح الإبداعي. ونجعلُ من البحث عن «ود حامد» في ذاكرتنا الثقافية والبيئية وسيلة وحيدة لمواجهة التآكل الذي يهدد الهوية والجغرافيا على حد سواء.
وفي دراستنا لأثر المكان عند الطيب صالح، يبرز النيل ليس خلفية مكانية صماء، بل كأنه كائن حيوي يمثل المركز الذي تدور حوله صراعات الهوية والبقاء. وبالنظر إلى قضايا المناخ الراهنة، نجد أن «نيل الطيب صالح» يتجاوز كونه رمزًا للتاريخ ليصبح مرآة للأمن الوجودي؛ ففي أعراف الطيب الأدبية يكون النيل دومًا هو الحد الفاصل بين النجاة والغرق، بكل معاني النجاة وبكل معاني الغرق، وهو ذاته التحدي الذي يواجهه الإنسان السوداني اليوم أمام تقلبات المناخ التي تجعل من النيل مصدرًا للحياة تارة، وتهديدًا بالفيضان أو الجفاف تارة أخرى.
الوعي بالمكان في أدب الطيب صالح
إن رؤية الطيب صالح لخلخلة الثابت تجعلنا نعيد قراءة علاقتنا بهذا النهر؛ فلم يعد النيل أصلًا جغرافيًّا فحسب، بل أصبح رهاننا الأول في التكيف البيئي. إن الحفاظ على «جذورنا الثقافية» المرتبطة بالنهر، مع الاستعداد الدائم لتقلباته المناخية، هو التجسيد الفعلي لفكرة الطيب صالح عن «المرونة»؛ فيتحول الوعي بالمكان من مجرد استلهام أدبي إلى ضرورة حتمية لحماية الهوية من الضياع في ظل مناخ عالمي مضطرب يعيد رسم خرائط الأنهار والنفوس.
وقد وضع الطيب صالح أغلب رهاناته الرؤيوية على خلخلة الفكرة الثابتة طول الوقت، ففي مجمل أعماله الروائية استطاع أن يثبت أن الحل يكمن في الاستعداد الدائم للتطور والتحديث على أساس من الحق والعدل وعدم اقتلاع جذورنا الثقافية، وأنه لا ثبات صارم في هذه الرؤية، ولا في غيرها، وإنما الأمر في حرية التحرك داخلها حسب مقتضى الأحوال.
فلم يُمَكِّن أيًّا من الولي/ البريء/مِمَّنْ تلقى تعليمه في الخارج وخاض التجربة لمنتهاها/ أو من تلقى تعليمه في الخارج وعاد إلى قريته عودًا روتينيًا، لم يُمَكِّن أيًّا منهم أن يكون نموذجًا مثاليًا. حتى «النيل/ التاريخ» و«الجد/ التاريخ» تغيَّر موقفُه منهما عدة مرات، أبرزها في خاتمة قصة «حفنة تمر»، وفي مشهد النهاية من «موسم الهجرة إلى الشمال».
وهو التغير الذي طرأ على شخصياته في النصوص اللاحقة «شخصية الزين على سبيل المثال، والتطور الذي حل بها بين «عرس الزين» و«بندر شاه»»، وكذلك تحرك البطل الراوي محيميد بين أكثر من صورة، لكل منها دلالاتها؛ فمرة يكون مدرسًا للأدب الجاهلي، وأخرى مدرسًا للجغرافيا، بما يحمله رهان الإنسان السوداني/ العربي على «الجغرافيا» أو «خصوصية جذوره الثقافية»، بما تحمله كل مفردة من الاثنين من طاقة دلالية موحية بدرجة كبيرة.
وكذلك نجده تارة يصرح باسم القرية في مجموعة «دومة ود حامد» و«موسم الهجرة إلى الشمال» و«بندر شاه»، وتارة لا يصرح باسمها كما هو الحال في روايته «عرس الزين»، وبعد أن تتراءى في ذهنك الأفكار، تكتشف في هامش أحد أعماله أن موقع قرية ود حامد ليس في المكان الذي يصفه الطيب صالح في رواياته من الأساس، لينتصر بذلك لفنية الطرح دون أن يؤثر ذلك على واقعية المضمون.
كذلك فإن الحل يكمن في الاستعداد الدائم للتطور على أساس من الحق والعدل النسبيين؛ ربما إيمانًا منه بأن المُطلَق منهما غير موجود على سطح الأرض؛ لذا نجد أنه «ليس ناقمًا على سيادة الرجل الأبيض على أهل القرية السود ما دام أن الأمر لم يَكُنْ عنصريًّا قهريًّا، على عكس ما ترسخ في الوعي الجمعي لدينا من ضرورة مجابهة ذلك والنفور منه والتعاطف مع نقيضه الأسود، وفي الوقت ذاته لا يرى أن بندر شاه «الهجين» هو الحل السحري، وكأنه يدافع عن التمسك بالخصيصة التي يملكها أي إنسان مهما كانت».
حتى التساؤلات التي طرحتها عناوين الروايات كانت وجودية، لكن بنكهة مكانية بلا أدنى شك، فمن «عرس الزين» بصفتيه المكانية والزمانية إلى «موسم الهجرة إلى الشمال»، إلى «دومة ود حامد»، حتى «بندر شاه».
ودعنا، عزيزي القارئ، نتناول بعض الدلائل على هذا المنحى من خلال محاولة الإضاءة على بعض النماذج الدالة -على سبيل المثال لا الحصر- على هذا الطرح.
1- المشهد الختامي من «موسم الهجرة إلى الشمال»
قد تبدو المعاني والدلالات في كثير من الروايات العربية، كما توحي بها اللغة الروائية، «أشلاء منتزعة من كل مجهول، هي مجال التلاعب والتخفي والتمويه والتركيب غير المنتظم»؛ ما يجعل العالم الروائي، وتحديدًا المكان، لعبة في يد التأويل الذي قد يختار بعض الدلالات ونقيضها في الوقت نفسه وفي القراءة ذاتها؛ وعليه، يبرز دور القارئ الواعي، والناقد المتخصص في التفسير والتأويل وإعطاء المعنى ودلالةٍ لعلامات النص، وقد يكون المعنى «محايثًا للنص، أي طاقة دلالية مكثفة بذاتها ومستقلة عن كل بؤر التلفظ، ومودعة في النص صراحة أو ضمنًا خارج إرادة القارئ، وبعيدًا عن تدخلاته، وعلى المحلل تقع مهمة الحصول على ما يود النص قوله استنادًا إلى هذه الوسيلة أو تلك».
وعليه، كان الأولى ألا يقع اختيار الأديب لأمكنته إلا بعد أن يكون قد خبرها في حياته ومارس تجربته على أرضيتها، فيما عدا ما كان من أفق المخيلة، عندها يمكن تجاوز هذا كله، لأن الأدب عملية فنية يستطيع الكاتب فيها أن يطوع كل الأبعاد الخفية والمعلنة إلى وقائع نتعامل معها ونحن نقرأ نصه، فندرك أن فيه اتحاد الرمز مع الواقع، والمتخيل مع الحقيقي، والمحتمل والممكن مع المستحيل، ليس بالاعتماد على الخبرة الذاتية فحسب، وإنما بتوسيع مفهوم الخبرة لتشمل العلم بتجارب الآخرين وبالتاريخ وبجميع الممارسات التي تزيد من جمالية النص.
فعلى سبيل المثال، كانت الإشارات المفعمة بالمدلولات في مشهد النهاية من «موسم الهجرة إلى الشمال» التي تكشف عن موقف فكري وفني راسخ، يؤمن بطرح التساؤلات، وفتح آفاق النص، أكثر مما يُعنى بالإجابة النموذجية على تساؤلات الإنسان المعاصر عمومًا.

عندما قرر النزول إلى النيل ليجدد تفكيرنا بمصير «مصطفى سعيد» الغامض المراوح بين الغرق والانتحار، فيخبرنا في هذه اللحظة ألّا شيء واضح، ولا يوجد طريق وحيد يمكن الرهان عليه حتى النهاية، فيقول: «كانت الأشياء على الشاطئين نصف واضحة، تبين وتختفي، بين النور والظلام، كان النهر يدوي بصوته القديم المألوف، متحركًا كأنه ساكن، لا صوت غير دوي النهر وطقطقة ماكينات الماء غير بعيد».
ثم يتحدث عن اليقين الأول اللامع المبهر، يقين الحضارة المادية الآتية من الشمال: «وأخذت أسبح نحو الشاطئ الشمالي. وظللت أسبح وأسبح حتى استقرت حركات جسمي مع قوى الماء إلى تناسق مريح. لم أعد أفكر وأنا أتحرك إلى الأمام على سطح الماء وَقْعَ ضربات ذراعي في الماء ......».
إلى أن يأتي على مرحلة الحيرة الفكرية: الشمال أم الجنوب، الشرق أم الغرب، التطور أم الجذور؟ الروح أم المادة؟ فينتقل بالسرد إلى مرحلة الضبابية: «ومضيت أسبح وأسبح وقد استقر عزمي على بلوغ الشاطئ الشمالي. هذا هو الهدف. كان الشاطئ أمامي يعلو ويهبط، والأصوات تنقطع كلية ثم تضج. وقليلًا قليلًا لم أسمع سوى دوي النهر. ثم أصبحت كأنني في بهو واسع تتجاوب أصداؤه. والشاطئ يعلو ويهبط ودوي النهر يغور ويطفو. كنت أرى أمامي نصف دائرة».
وفي هذا السياق تتجلى الأزمة، إنه قد رأى النصف رأي العين: «كنت أرى أمامي نصف دائرة»، «نصف الدائرة/ نصف الكرة الأرضية/ نصف الحقيقة»، أي النصف المادي من تركيبة هذا الكون الشاسع الذي لا تتحقق رؤيته إلا من موقع نفسي، وربما موقع مكاني مثل هذا؛ إنه الوقوف في منتصف الطريق الذي يشير إليه بوصفه:
«ثم أصبحت بين العمى والبصر، كنت أعي ولا أعي.... ووصلت إلى نقطة أحسست أن قوى النهر في القاع تشدني إليها. سرى الخدر في ساقي وفي ذراعي، اتسع البهو وتسارع تجاوب الأصداء. الآن. وفجأة، وبقوة لا أدري من أين جاءتني، رفعت قامتي في الماء. سمعت دوي النهر وطقطقة ماكينة الماء. تلفت يمنة ويسرة فإذا أنا في منتصف الطريق بين الشمال والجنوب. لن أستطيع المضي ولن أستطيع العودة».
مع ملاحظة أن جميع الجمل تقريبًا في هذه الفقرة منتهية بعلامة الترقيم «.»، أي إن كل جملة من هذه الجمل يجب التوقف عندها؛ هي بداية ونهاية، وبتأمل الطاقة المكثفة نجد أنها دفقات شعورية وفكرية، يطرح كل منها أسئلة وجودية بغية الوصول إلى ناتج رؤيوي له جسد متماسك.
ثم يبدأ في الإشارة إلى الجانب الآخر، ويتخوف من استسلامه لدوامات قوى الرجعية والتخلف «قوى النهر / التاريخ الهدامة»: «كنت أحس بقوى النهر الهدامة تشدني إلى أسفل، وبالتيار يدفعني إلى الشاطئ الجنوبي في زاوية منحنية. لن أستطيع أن أحفظ توازني مدة طويلة. إن عاجلًا أو آجلًا ستشدني قوى النهر إلى القاع».
واستكمالًا لحالة الجدل، نجده يشير إلى مخاوف التمسك بالجذور وما يستتبعه الاستغراق في ذلك؛ مخافة الوقوع في فخاخ التخلف والانغلاق، فيوضح أنه وهو «في حالة بين الحياة والموت رأيت أسرابًا من القطا متجهة شمالًا. هل نحن في موسم الشتاء أو الصيف؟ هل هي رحلة أم هجرة؟ وأحسست أنني أستسلم لقوى النهر الهدامة».
وعليه، –فيما أرى– تتجلى علاقة العنوان الدال «موسم الهجرة إلى الشمال» بالإشارات التي تملأ النص وتفعمه بالتساؤلات والأطروحات، فالعنوان ليس دليلًا محدودًا، بل هو بنية معقدة غاية التعقيد، وتمثل أداة ضغط هائل على المتلقي أو القارئ، فتحاصره في نطاق منطوقها تارة، ومفهومها تارة أخرى، وفي إطار الجمع بين المنطوق والمفهوم تارة ثالثة.
ويظل هذا الحصار محكمًا حتى يفرغ من القراءة، وعندها يمكن أن يتحقق للعنوان بعده المرجعي من كونه إشارة ظاهرة إلى مستور كامن، ومهمة القراءة العمل على أن يطابق الظاهر الباطن مطابقة إجمالية، دون أن ينفي ذلك إمكانية المطابقة التفصيلية في بعض الإجراءات القرائية الواعية.
فما بالنا إن كان هذا العنوان ينجز هذه المهمة مستخدمًا الدال المكاني بصورة أساسية، ومن هذا المنطلق فإن لحظة التنوير أتت في نهاية الرواية وكأنها تذكرنا بما يطرحه العنوان من تساؤلات؛ فهو يشير إلى طيور «القطى» ويتوحد بها نفسيًا في هجرتها، ثم يطرح التساؤل المهم: هل ما نحتاج إليه «رحلة» للتزود بما أنجزته الحضارة الجديدة؟ أم أن ما نحتاج إليه «هجرة» صريحة، ليست بالجسد فقط، وإنما هجرة نفسية وعقلية، هجرة كاملة بما تعنيه من مفارقة الجنوب بكل موروثاته والانخلاع من لوازمها؟
«أحسست بساقي تُجَرَّانِ بقية جسمي إلى أسفل. في لحظة لا أدري هل طالت أم قصرت تَحَوَّلَ دوي النهر إلى ضوضاء مجلجلة، وفي اللحظة عينها لمع ضوء حاد كأنه ضوء برق. ثم ساد السكون والظلام مدة لا أعلم طولها، بعدها لمحت السماء تبعد وتقرب، والشاطئ يعلو ويهبط. وأحسست فجأة برغبة جارفة في سيجارة. وقد كانت تلك لحظة اليقظة من الكابوس».
ثم يشرع في تحديد رؤيته بتوصيف دقيق لعلاقته بـ«النهر/التاريخ» الذي يختار له دائمًا، وأحيانًا يختار لبلاده وأهلها، وأن الموت «عاريًا» في هذا «النهر / الحياة» لا يختلف كثيرًا عن الميلاد، إنها دورة الحياة، وعند عرض الموت والحياة، فإنه في هذه اللحظة يختار؛ فالموت هنا ليس موتًا جسديًا، ولا اختيارُ الحياة / الميلاد هو نزولٌ إلى الدنيا من رحم امرأة، وكأن النزول إلى النهر من البداية كان لتجربة ذلك الإحساس الفريد «القدرة على الاختيار».
أو كما يروي: «كان ذهني قد صفا حينئذ، وتحددت علاقتي بالنهر أنني طافٍ فوق الماء ولكنني لست جزءًا منه. فكرت أنني إن مت في تلك اللحظة فإنني أكون قد مت كما ولدت، دون إرادتي. طول حياتي لم أختر ولم أقرر. إنني أقرر الآن أنني أختار الحياة. سأحيا لأن ثمة ناسًا قليلين أحب أن أبقى معهم أطول وقت ممكن، ولأن عليَّ واجبات يجب أن أؤديها. لا يعنيني إن كان للحياة معنى أو لم يكن لها معنى. وإذا كنت لا أستطيع أن أغفر فسأحاول أن أنسى. سأحيا بالقوة والمكر. وحركت قدمي وذراعي بصعوبة وعنف حتى صارت قدماي كلها فوق الماء. وبكل ما بقيت لي من طاقة صرخت، وكأنني ممثل هزلي يصيح في مسرحية «النجدة. النجدة»».
ولعل هذه الإشكاليات هي التي بررت نزول البطل الراوي إلى النيل عاريًا، على الهيئة التي يولد ويدفن فيها الإنسان، هيئة الحياة والموت، هيئة التجرد، هيئة البداية والنهاية، ونرى ذلك بالعودة إلى ما يرويه في بداية المشهد: «دخلت إلى الماء عاريًا كما ولدتني أمي. أحسست برجفة أول ما لامست الماء البارد، ثم تحولت الرجفة إلى يقظة».
حتى بعد اختيار البطل الراوي للحياة على خلاف «مصطفى سعيد» -سيان إن كان قد مات بالتخلي النفسي عن الحياة أو بالانتحار– فالإنجاز هنا هو تحقيق فكرة «الاختيار» ذاتها، حتى لو تلا ذلك البحث عن ممر آمن يخرج فيه الإنسان من هذا المأزق الإنساني الضخم بالاستغاثة الأهم في الرواية: «النجدة. النجدة». وهذا الإنجاز للبطل يتسق تمامًا مع الناتج الرؤيوي الذي تنحاز له هذه الدراسة عند الطيب صالح من حيث عدم التقيد بنموذج إنساني أو حضاري وحيد طوال الوقت.
2- المشهد الختامي من «عرس الزين»
على صعيد العلاقة المتبادلة بين الشخصية والمكان، فمن مقاربات التكوين الفني في الرواية العربية عمومًا أن جُعِلَ المكان إحدى تكويناتها السوسيو-واقعية التي تتميز ببنيتها الطبقية؛ لما بينه وبين الأنموذج الإنساني المعروض فيه من صلة وثيقة، إذ تكون هيأته في أغلب الأحيان متشكلة في ضوء طبيعة تلك النماذج التي تقطنه، وبحسب الطبقات الاجتماعية التي تنتمي إليها.
وإعراب معالم المكان عن نوعية أي طبقة يجعل بنيته أكثر تجسيدًا لحدود العالم البشري الذي لا يتوانى عن إضفاء فكره ومزاجه ونهجه في الحياة، بما فيها من قيم شعبية، وسياسية، ودينية، وأخلاقية، على الأمكنة، حتى لتغدو لوحتها الفنية مرسومة على وفق ما يبلور هذه المضامين ويشير إليها.
ويُحمَلُ هذا التصور على «مبدأ أن المكان –عمومًا– ليس عاملًا طارئًا في حياة الكائن الإنساني، وإنما معطًى سيميوطيقي، فالمكان لا يتوقف حضوره على المستوى الحسي، وإنما يتغلغل عميقًا في الكائن الإنساني».
وحين ننظر إلى هذه الروايات على أنها وحدة واحدة: «عرس الزين»، و«موسم الهجرة إلى الشمال»، و«بندر شاه»؛ سيتبين لنا أن القرية هي الشيء الثابت في التجربة، وعلى هذه القرية تدخل مؤثرات؛ لتكون القرية في هذه الحالة هي بؤرة الصورة والملمح الثابت فيها، وثبات الملامح لا يعني تكرارها، أو أنها طبق الأصل، تمامًا كأفراد الأسرة الواحدة ذات الشخصية المميزة، فالثبات لا يعني التكرار.
ثم إن ثمة مؤثرات، هي العنصر الإضافي أو الدخيل، والمؤثر يعني العلاقة، وفي هذا إقرار بتشابك الظاهرات، وأنه لا شيء يوجد في عزلة، ودائمًا ستكون القرية السودانية في حالة تفاعل بين الثابت والمثير الوافد، قد يكون قادمًا من الشمال، أو عائدًا من رحلة من الشمال «موسم الهجرة»، أو عائمًا على طوف جاء مع أمواج النيل القادمة من الجنوب «بندر شاه».
وقد يكون المؤثر داخليًا، لكنه يؤتي ثماره من خلال الحركة أيضًا، وهي حركة متعادلة ينتصر فيها الأصيل الثابت «عرس الزين»، فيتحرك الشيخ الحنين في محور الشوق الديني والبصيرة الكاشفة برياضة الروح، ويتحرك سيف الدين «وفي الاسم نوع من السخرية» في محور شوق اللذة وعطش الجسد، ثم ينتهي الأمر إلى نوع من التلاقي –وليس التوحد– في «عرس الزين» بتلك الليلة النادرة من ليالي القرية.
ونستكمل الصورة الخاصة بروايات أخرى عزفت بنجاح على أوتار رؤية الطيب صالح، لكنها قدمت لحنها الخاص، فأكملت الصورة المميزة للقرية السودانية.
لذا فإننا في المشهد الأخير من روايته المكثفة «عرس الزين» نجد الطيب صالح وقد استخدم الحيل الفنية كافة ليرسم لنا «سودانه الخاصة» أو «السودان الحقيقي» اللذين يعرفهما هو، أو يتمناهما، فالعرس هنا هو عرس الانحياز إلى الإنسانية، عرس تتلاشى فيه الفوارق، وتنمحي فيه أسباب البغض والتعالي على حد سواء، وتوشي بذلك بدايةُ المشهد الذي اعتمد فيه الطيب صالح أيضًا تقنية التقطيع المونتاجي، كما اعتنى بها من بداية الرواية، ليسهم الشكل في الإشارة إلى الدلالة المتضمَّنة بأننا إذا أردنا أن نرى الصورة كاملة، فلن نستطيع ذلك دون تعدد زوايا الرؤية.

فنجد المشهد مونتاجيًا مستخدمًا «آلية العلاقة العكسية، وتعني انتظام الأمكنة على نحوٍ تصاعدي ابتداءً بالجزء وانتهاءً بالكل، لأن الجزء هنا يستدعي توالد أجزاء مكانية أوسع، وصولًا إلى ما يحدد صورة المكان بوجه متكامل»، بما يخدم الرؤية العامة للطيب صالح من حيث الانطلاق من الجزء إلى الكل، من القرية إلى السودان إلى العالم الإنساني كله.
فنجد المشهد الختامي لعرس الزين يبدأ من دمدمة طبل النحاس الكبير وهدره، ثم تنتقل كاميرا الرواية بين عرب القوز الذين استقبلهم الطاهر الرواسي، و«أنزلهم في إحدى الدور وأمر لهم بالطعام والشراب». «وجاء فريق الطلحة عن بكرة أبيه – فتصدى لهم أحمد إسماعيل وأنزلهم ........».
فكان عرس الزين نقطة التقاء لكافة «ناس» السودان، على حد تعبير الطيب صالح: «وجاء الناس من بحري. وجاء الناس من قبلي. جاؤوا عبر النيل بالمراكب، وجاءوا من أطراف البلد بالخيول والحمير والسيارات». على مختلف مواقعهم الجغرافية، بمختلف أحوالهم وأشكال حيواتهم.
إذن؛ فمحاولة الربط والتفسير التي حاولنا إثباتها سابقًا ليست مقحمة على الشخصية أو على القرية رمزًا، فكأن الزين يمثل الحلم الإنساني بعالم البراءة المفقودة، كأنه الحب القادر على جمع القلوب المتنافرة؛ ففي عرسه اجتمع أهل الذكر وأهل الغناء، وأهل الشراب، حتى الخلعاء المنبوذين على حافة الصحراء –وهم من حاولت القرية حرق خيامهم والقضاء عليهم بأكثر من طريقة–، أخذوا مكانهم في ليلة عرس الزين ولم يعترضهم أحد.
إنه مستوى التمثيل السوداني العام، فالقرية هنا في مستوى من مستويات دلالتها هي السودان بقبائله المتنافرة الراحلة والمقيمة، بِحَلَبِه «غجره» وزنجه وعربه المختلفين، وبطبقاته المصطرعة المتقاتلة، وبثقافته الوافدة والموروثة، صوفية كانت أو علمانية؛ فهنا تنفذ الشخصية إلى حقيقتها الإنسانية وتتجاوز المحلية المحدودة.
ثم يتجلى التجاور الإنساني كقيمة حقيقية في هذه الرواية حين يبدأ الراوي في الانتقال بعينه بين «جواري الواحة غنين ورقصن تحت سمع الإمام وبصره»، و«كان المشايخ يرتلون القرآن في بيت، والجواري يرقصن ويغنين في بيت، والمداحون يقرعون الطار في بيت، والشبان يسكرون في بيت».
وعند توظيف هذه الآلية الشكلية يجب على الكاتب «أن يتوخى الملاءمة بين تشكيله الخطابي وغرضه الأيديولوجي وبين المكان الذي يختاره لإسقاط فكره عليه، من أجل أن يكون هذا المكون أشد تفاعلًا وأكثر مسايرة مع بقية المكونات التي يقوم عليها النص المنبثق من بوتقة جامعة لفروع نسيجه المتشابك ولأنماط تقنياته الفنية».
وفي هذا السياق يغريك بأنها الحقيقة، حتى تكاد تصف الرواية بأنها تسجيلية توثيقية، ثم يدهشك بأن الأمر خيالي تمامًا لا علاقة له بالواقع على الأرض، ولا بحياة الطيب صالح الحقيقية، فيغرق في الكتابة الفنية بما تحتمله من الوصف الخيالي، والإغراق أحيانًا في العجائبية وأسطرة الفكرة، ليُسَرِّبَ بعدها رؤيته للقرية/ السودان/ العالم الإنساني في ثنايا نصه في بساطة مخادعة، ورهافة مدهشة ومربكة في آن. وهذا هو رهان الطيب صالح الحقيقي، في رأيي، بما يتضمنه من عدم وجود إجابة نموذجية، والحقيقة الوحيدة عنده التي تستحق أن يركن إليها الإنسان هي الإيمان المطلق بالتفكر الدائم في التباين الإنساني حسب مقتضيات الاختلاف الزماني والمكاني.
حتى اختفاء الزين مدة ليست طويلة، ليجده بعدها أصدقاؤه عند قبر الحنين، يشير إلى تلك «السودان»؛ فعودة الزين معهم وقفزه إلى وسط حلبة الرقص، ولمعان وجهه من أثر الدموع على وجنتيه حزنًا على عدم حضور «الحنين» عرسه لموته، فيعلق الكاتب على هذا المشهد بأن الزين قد نفث في المكان طاقة جديدة، إنه –فيما أظن– نموذج للإنسان السوداني الذي يؤمن الطيب صالح بأصالة خصائصه الإنسانية كما يعرفها/ يتمناها، خاصة حين يذكرنا بقامته الطويلة وجسمه النحيل، وعندما يشبهه بـ«صاري المركب».. إنه «الزين» الذي يجسد قراءات النقاد في هذه الرواية بما يدعم البحث عن عناق المحلية والإنسانية في شخصية الزين.
وفي مجتمع القرية على السواء، فهو شخص شديد الفرح بالحياة، وهو فرح دائم لا يتراجع إلا ريثما تمر سحابة ألم عابرة، ثم إن الزين يملك القدرة على أن يُعدي غيره بهذا الفرح، ويتمتع الزين بقدرة أخرى عجيبة، هي الانكباب على العمل والتركيز على شيء واحد، لا تنافسها إلا قدرته على الانتقال عن هذا العمل ونسيانه والتخلص من آثار الحسنة والسيئة، وحينئذ تقترب شخصية الزين من أن تكون ذات مواقف وجودية تواجه فيها أحداثًا تتطلب المجابهة والعمل وتتمتع به في ذاته إلى أقصى مدى، جامعًا بين ملامح الشخصية السودانية العربية بكل تجلياتها الروحية والوجدانية التي تبدو –على عكس حقيقتها– أحادية الجانب، وبين خصائص الإنسان الغربي فيما يخص تحقيق المطلوب إنجازه من عمل وعدم الانصراف عنه إلا بعد إنجازه.
3- المشهد الختامي في أقصوصة «حفنة تمر»
لقد حدثنا البطل الراوي في أقصوصة «حفنة تمر» عن طفولته وصباه بقرية ود حامد، حيث كان يقضي أوقاته دارسًا بالمسجد أو لاعبًا على ضفاف النهر أو مرافقًا لجده. كما ذكر لنا أن حبه لجده استحال إلى كُره نتيجة للقسوة التي أبداها جده في استخلاص دينه من جارهم مسعود.
وإذا ما التفتنا إلى رواية «بندر شاه» لاحظنا حرص البطل الراوي على التذكير بتلك الأحداث عينها، وثبت لنا بذلك أن الشيخ محيميد المقيم بقرية ود حامد هو الذي روى لنا في طور سابق أقصوصة «حفنة تمر»، ثم اضطلع برواية قسم كبير من أحداث «بندر شاه»، فقد قال في غضون الرواية الأخيرة: «بلى كان جارنا مسعود ذا صوت جميل وضحكة صافية تشبه شيئًا عذبًا، خُيِّل لي يومها أنه صوت قرقرة الماء. وقد كان حصاد التمر كما ورد في تلك القصة، ونقله بالجمال والحمير، وما كان من أمر جدي مع جارنا مسعود، وما كان من أمري مع جدي».
فالمشهد الختامي من هذه الأقصوصة يكشف عن موقف محيميد من «الجد / التاريخ» الذي قد تتغير مواقفنا تجاهه حسب مقتضى الحال، كأن يمنحنا التاريخ نصرًا غير إنساني على سبيل المثال، وهنا تتجلى فكرة انعدام ديمومة ثبات أي فكرة، فقد صاغ الطيب صالح في هذا المشهد العبقري من حيث الدلالة والتكثيف رؤيته للتاريخ من منظوره هو، والانتصار لإنسانيته وقت أن يتطلب الأمر ذلك، منطلقًا في ذلك من موقفه من الجد الذي هو بلا شك كان يمثل له حجر الأساس في حياته وتاريخه الشخصي.
فتراه ينحي علاقته العميقة بالجد جانبًا، حيث يصف لنا شعوره الفطري بعد أن استولى جده ومعه أربعة من الدائنين على محصول التمر من «مسعود» المدين لهم بمبلغ من المال، بقوله: «عدوت مبتعدًا. وشعرت أنني أكره جدي في هذه اللحظة. وأسرعت العدو كأنني أحمل في داخل صدري سرًا أود أن أتخلص منه. ووصلت إلى حافة النهر قريبًا من منحناه وراء غابة الطلح. ولست أعرف السبب، ولكنني أدخلت إصبعي في حلقي وتقيأت التمر الذي أكلت».
لذا؛ لم يكن ضربًا من المبالغة في تلك اللحظة أن يصل الكاتب بهذا الطفل الراوي إلى درجة توحد هذا الطفل مع مسعود في هذا الموقف، في قوله: «وشعرت بيدي تمتد إليه كأني أردت أن ألمس طرف ثوبه. وسمعته يُحدِثُ صوتًا في حلقه مثل شخير الحمل حين يُذبح. ولست أدري السبب، ولكنني أحسست بألم حاد في صدري».
فالراوي بلسان الحدس البريء، الطفل الذي لم يُلوَّث بعد ببشاعات الحياة، يشير إلى تفاعله مع الرجل بكل حواسه: «شعرت / اقتربت / ألمس / سمعته / أحسست / عدوت / شعرت / أكره / أسرعت / وصلت»، وهذه الأفعال، بما تشير إليه من تعاطف كبير مع مسعود وانحياز الطفل إلى إنسانيته على حساب موقفه السلبي من الجد، سنجد أن لها مدلولات واضحة، سواء أكان كل منها منفردًا أم بترتيبها مجتمعة، وقد أدت في النهاية إلى تكوين موقف الطفل من تقيؤ وطرد هذا الجزء غير الإنساني من تاريخه / تاريخ الجد.
4- المشهد الختامي في أقصوصة «دومة ود حامد»
ويعالج في تلك القصة القصيرة القضية ذاتها، فيما يروي أحد الشيوخ لشاب زار قرية ود حامد أن الولي الصالح ود حامد كان «يتكتم إيمانه ولا يجرؤ على الصلاة جهارًا حتى لا يفتك به سيده الفاسق. ولما ضاق ذرعًا بحياته مع ذلك الكافر، دعا الله أن ينقذه منه. فهتف به هاتف قائلًا: افرش مصلاتك على الماء، فإذا وقفت بك على الشاطئ فانزل. وقفت به المصلاة عند موضع الدومة الآن».
وبإقامة ود حامد في تلك المنطقة تكاثر عدد السكان، وارتبطت حياتهم بحياته. وإثر وفاة ذلك الولي استحال ضريحه إلى مزار يتبرك به أهل القرية ويتوجهون إليه بنذورهم، وأصبحت أرضهم مستقرًّا لأولياء صالحين غمروها ببركتهم وهيمنوا على أحلام سكانها.
وعندما سأل ذلك الزائر الشاب عن مصير «الدومة» بعد فشل المحاولات التي بذلها أصحاب المشروعات الاقتصادية لإقامة منشآت في المكان الذي غرست فيه أجابه الراوي قائلًا: «لن تكون هناك ثمة ضرورة لقطع الدومة. ليس ثمة داعٍ لإزالة الضريح. ما فات على هؤلاء الناس جميعًا أن المكان يتسع لكل هذه الأشياء: يتسع للدومة والضريح ومكنة الماء ومحطة الباخرة».
وبذلك أعرب الراوي عن إمكانية التصالح بين الماضي والمستقبل حتى لا ننتهي إلى ماضٍ دون مستقبل، كما حدث للقرية، أو مستقبل دون ماضٍ، كما يحدث في بلدان الغرب، وأعرب عن عدم وجود ضرورة لنفي أي شكل من أشكال الحياة على سطح الأرض.
وهكذا أسهمت نظرة الطيب صالح إلى المدينة وحنينه إلى القرية وانشغاله بمسألة العلاقة بين الجنوب والشمال في دفعه إلى البحث عن جذوره ليدرك حقيقة منزلته من الكون، ويربط حاضره بماضيه. وفي ضوء ذلك نفهم أسباب احتفاله بالقرية السودانية في قصته القصيرة الموسومة بـ«دومة ود حامد»، وحرصه على إظهار فعل التصوف في عالمها، وإعرابه عن إمكانية التصالح بين الحاضر والماضي والمستقبل في تلك البيئة.
تلك هي ود حامد، قرية «القباب العشر» التي أجرى بها الطيب صالح أحداث جل آثاره القصصية، ودل على أن محيميد أقام بها في فجر حياته ثم عاد إليها في طور الشيخوخة، بعد أن طالت غربته عنها.

وإن كنت أتفق مع عامي العاد على أن آثار الطيب صالح القصصية «بما فيها من روايات وقصص قصيرة تكون كتلة واحدة متجانسة»؛ فإنني لا أوافقه –تمامًا– عندما يذهب إلى أن الطيب صالح «خلق لنفسه في أعماله الأدبية عالمًا بديلًا للعالم الذي يعيش فيه حتى اليوم في بريطانيا.
فالعالم القديم الذي كان كامنًا في داخله ليس خياليًا على نحو لا يمت إلى الواقع بصلة، بل هو واقعي ملموس يتجسد في عالم القرية الحقيقي، ألا وهي ود حامد الواقعة شمال غرب السودان»؛ ففي غضون مُصاحِب «عرس الزين» النصي أشار الطيب صالح نفسه إلى التماثل بين شخصيات تلك الرواية وأهله في السودان، وترك قرائن دالة على وجه من وجوه الشبه بين أطوار حياته الخاصة وأطوار حياة البطل الراوي.
لكنه ذكر اسم تلك القرية في آثاره القصصية، وحدد المنطقة التي توجد بها تحديدًا دقيقًا ليثبت أن أحداث تلك الآثار لم تجر في مسقط رأسه، ويلفت الانتباه إلى أن قرية ود حامد لا توجد من الأساس في تلك المنطقة من مناطق السودان. ويلمح في الهامش إلى أن الحكي ينتمي إلى الحكي الخيالي، وأن هذه القرية ليست إلا أنموذجًا لقرى السودان.
المراجع
1- عامي العاد: تطور الشخصية في أعمال الطيب صالح.
2- فوزي زمرلي: شعرية الرواية العربية.
3- أسامة غانم: التجربة الجمالية والمكان في الرواية العربية، الطليعة الأدبية.
4- خالد حسين: شعرية المكان في الرواية الجديدة.
5- الطيب صالح: رواية عرس الزين.
6- سامي سويدان: أبحاث في النص الروائي العربي.
7- خالد حسين: شؤون العلامات من التشفير إلى التأويل.
8- سعيد بن كراد: السرد الروائي وتجربة المعنى.
9- ياسين النصير: إشكالية المكان في النص الأدبي.
10- الطيب صالح: رواية موسم الهجرة إلى الشمال.
11- عامي العاد: تطور الشخصية في أعمال الطيب صالح، الكرمل، معهد دراسات الشرق الأوسط، جامعة حيفا.
12- الطيب صالح: مجموعة «دومة ود حامد» قصة «حفنة تمر».
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.