من الأمور الشائكة التي لا يطرق أبوابها كثير من الأدباء، أدبُ الطفل، وقليلون هم ممن يكتبون للأطفال من يجيدون بحق مخاطبتهم، وفي هذا نجد كثيرًا من القصور، وانعدام الخبرة بالطرائق والأساليب التي يجب أن نتواصل بها مع عقولهم. فضلًا على أن النقاد ما زالوا يعاملون هذا النوع من الكتابات معاملة ما هو دون الأدب أو الإبداع، بل غالبًا ما ينظرون إليه وسيلة تربوية فحسب.
أدب الدرجة الثانية نظرة دونية لمستقبل أمة
ويبدو أن النظر إلى أدب الطفل نظرة دونية -فنيًّا- هي من سمات الدول النامية المتأصلة، على الرغم من أن غالبية الكتاب الأجانب أثبتوا في تجاربهم أن كتاباتهم تحدّت المراحل العمرية للأطفال التي يقيسها المربّون بالسنتيمتر في عمر الصغار، وأن عقولهم تخطَّتها بصورة تدعو إلى الدهشة، وأن أطفالًا في الروضة، في سن الثالثة أو الرابعة من عمرهم، يحفظون بعض الأناشيد المدرجة ضمن النصوص ويغنُّونها بطلاقة، وهم قانعون أن هذه الكلمات إنما كُتبت لهم وحدهم.

أسباب وعوامل أزمة أدب الطفل
فضلًا على تلك الطاقات الصغيرة وقدرتها على الاندماج السريع في مجريات العصر، بما يفوق قدرات الكبار، وهو ما قد يدعونا للتفاؤل فيما يخص هذا النوع من الأدب، وذلك أنّ الطفلَ قادرٌ على أن يفيد كثيرًا في موجات التقدم التكنولوجي الحديث وثورات المعلوماتية المتلاحقة، بأسلوب لا حدود له ويصعب تصوُّره. وهذا أيضًا ما أفادتنا به تجارب الكتاب الأجانب الذين تخصصوا في أدب الأطفال، وهي بارقة أمل محفّزة، لعلها تسد الفجوة بين ما تأخرنا فيه كثيرًا وما ناهزناه من تقدم، فيما يخص تلك النوعية من الكتابات.
قصور الخبرة وندرة الاجتهاد
الاجتهادات التي يوليها بعض كُتّابنا لا تشكِّل قاعدة حقيقية في أدب الطفل، وهي، على الرغم من اتساع رقعتها شيئًا فشيئًا، لا تزال دون المأمول بكثير، فالعالم من حولنا قد خطا خطوات في هذا المجال قد تفوق كل تصوِّراتنا، وما قد يخطر بأذهاننا، لكننا ما زلنا نعد أنفسنا في حِلٍّ من الدخول إلى هذا المجال، معوِّلين ذلك على تجارب بعض الكُتّاب، ظنًّا منا بأنها كافية، غير أنها تجارب فقيرة، تفتقد كثيرًا للخبرة والكيفية، وهي أيضًا زهيدة للغاية، ونحنُ متكئون على ما نستورده من نصوص جاهزة، على الرغم من عدم لياقتها في أغلب أحوالها لعقول أطفالنا.

عزوف الأدباء وتهرب المؤسسات
فضلًا على عدم رغبة أغلب الكُتّاب في خوض هذه التجارب مع كتابات الأطفال، وهم في ذلك يؤثرون ما عهدوه من أدب الكبار الذي تتوفر لديهم بعض دلائله وعلائمه، فضلًا على كونه لا يتطلّب تلك الحساسية المرهفة تجاه النص كما في كتابات الأطفال، ولكن هذا لا يخلع عنهم أبدًا مسؤولية هذا التقصير، فالمبدعون هم الذين يخلقون الوعي الاجتماعي، وليس العكس. والمؤسسات بدورها ليست أيضًا في معزل عن هذه المسؤولية المجتمعية، فبسبب تكاسلهم وعزوفهم عن الاهتمام بهذا النوع من الأدب، تاه أطفالنا بين أشتات من المصادر غير الموثوق بها.
هيمنة المحتوى الأجنبي وتأثيره السلبي غياب الرقابة
وجد أكثر أطفالنا ضالتهم في الأفلام الكرتونية المدبلجة، وهي روايات وقصص أجنبية لا نملك أدنى سيطرة على محتواها، غير أنها تلبي اشتياقهم للانبهار والابتهاج والمرح، والدهشة الممتعة، فما عاد أطفالنا يبحثون عن قصة مصوَّرة، كدأب أغلبنا في البحث عن روايات الجيب المرسومة حينما كنا في ذات أعمارهم. فضلًا على غياب الرقابة فيما يخص تغطية البث الأجنبي الموجّه للساحة العربية، بما يحمله من قيم سلبية وسيئة للغاية.

غياب المنهج السليم في الكتابة
نحن ما زلنا نفتقد المنهج السليم في تقديم مادة شائقة وجذابة، ضمن توجّه واعٍ يخضع لخطة مدروسة، تناسب احتياجات الطفل الوجدانية. ولعل هذا يتجلى بوضوح في اللغة المستخدمة، التي تُقدَّم عبرها النصوص الموجّهة للأطفال، ولكم يُغرقنا الخجل عندما نُعاين هؤلاء الذين يشهرون أقلامهم المخضرمة دوامًا قبالة أعيننا، كتابةً وترجمةً وإعدادًا واقتباسًا، ولا يستطيعون سرد نصوص بسيطة تناسب عقول أطفالنا، فضلًا على عدم إدراكهم لما يلائم وجدانهم وتستسيغه عقولهم.
التسطيح والتعقيد والجهل بالخيال الطفولي
على الرغم من أن أدب الأطفال يكاد يحتل الآن مكان الصدارة بين الآداب العالمية الحيّة، وأن هذا الأدب أثبت أن البساطة قد تتحوّل إلى مهارة للتعبير عن الواقع بأشد دلالاته، كثافة معنى ورحابة رؤية؛ فإننا ما زلنا في غيابنا عنه، فكثير من الدول المتقدمة قد عمدت إلى نقل روائع الأدب الشامخة إلى الصغار، من شكسبير إلى هوجو إلى سرفانتس، إلى آثار كبار المبدعين، يحولونها بأسلوب خاص وبصيغ فنية رائعة إلى الأطفال. والأكثر من ذلك تحويل تلك الإبداعات إلى أفلام ومسلسلات تلفزيونية موجّهة خصيصًا للصغار، فأين نحن من هذا كله؟!

أدب الطفل.. نظرة من كثب (ماذا يحتاج الطفل؟)
إن أزمتنا المعنية بأدب الطفل باتت واضحة وضوحًا صارخًا، ولا سيما في ظل هذا الزخم الهائل من العناوين التي ننتجها كل عام، دون أن يكون للطفل حظ معقول منها، ولعل تلك الأزمة ترجع في الأساس إلى قصور استيعابنا لأمسِّ احتياجات الطفل الوجدانية على حقيقتها، لا ما يروِّجه المنظِّرون.
فلقد اختلطت الأوراق فعلًا، ففي كتاباتنا الموجَّهة، زعمًا، للأطفال، نجد أن ثمة نمطًا من الكُتّاب من يميل إلى التسطيح لا إلى التعميق، وآخرون ممن يخلطون بين العمق والتعقيد، أو من ينظرون إلى عالم الأطفال على أنه عالم ساذج، يجب أن يقدَّم له الطعام سائغًا دون جهد، وهناك من يُلحّون على موضوع القيم، دون مراعاة لما يثير وجدان النشء، ويطلق خيالهم، ويخاطب عقولهم.
مكونات أساسية للنجاح أدب الطفل
إن كثيرين من الكتّاب يستهينون بالأطفال، ويستسهلون الكتابة لهم، وهم في ذلك يهملون روح الطفولة، ولا يراعون جماليات الخيال الطفولي في انتقاء زاوية المشهد أو الانطباع أو الفكرة، ولا يهتمون بما يوقظ فيهم الدهشة البرِيئة -براءة الثلج- والمفاجأة الممتعة، هذا إضافة إلى ضعف ما يقدمونه من معانٍ، تتكرر فيها القيم والموضوعات على نحوٍ مملِّ.
إن ما يحتاج إليه الطفل من مصنف أدبي -يمكن أن يطّلع عليه ويستمتع به- ليس بالوصفة المستحيلة، باختصار شديد: البساطة التي يمكن أن تؤدي إلى أعلى درجات الإبداع والبراعة الأدبية، ما يُلزم الكتّاب بضرورة العناء بأسلوب وأفكار النصوص الأدبية، على نحوٍ يقدِّم لهم وجبة شهية تستسيغها عقولهم، وتهضمها دون صعوبة أو تعثر، إذ يجب أن تمنحهم تلك النصوص ما يلي:

-
اللفظة الرشيقة الموحية، خفيفة الظل، وبعيدة الهدف، التي تُلقي وراءها ظلالًا وألوانًا، وتترك أثرًا عميقًا في النفس.
-
الصورة الجميلة التي تبقى مع الطفل التي يلتقطها الأديب تارة من واقع الأطفال وحياتهم، وتارة أخرى يستمدَّها من أحلامهم وأمانيهم الأثيرة.
-
الوزن الموسيقي الخفيف الرشيق الذي يعمل على انسجام النص وتواؤمه بما يناسب أذهان الأطفال، ويحفّز شغفهم نحو المتعة والنشوة.
-
الفكرة النبيلة الخيّرة، التي يحملها الصغير زادًا في طريقه، وكنزًا يشعّ ويضيء بشتى ألوان القيم، ويجب أن تتسم تلك الفكرة بالوضوح والغموض، وبالواقع والحلم، وبالمحسوس والمعقول. كل ذلك في كلمات مدروسة بعناية، ومسطورة بمهارة، ورشاقة، وإحساس عفوي.
أي إن الأمر لا يفوق كثيرًا ما يخطُّه الأدباء للكبار، بيد أنه يتطلب حساسية ورهافة خاصة تجاه ما يقدّمونه للصغار، بما يخاطبهم، ولا يتعالى عليهم، ولا يستهين بقدراتهم على الفهم والحدس والاستيعاب، أو على تذوّق النص والتفاعل معه.
من النظرية إلى التطبيق: أهمية التفاعل المادي للطفل
فضلًا على الاستفادة من قدرات الطفل الاستيعابية والتعبيرية لصياغة عمل يصلح لمخاطبته، فطبقًا لمعرفتنا بما يحرّك خيال الأطفال، لم تعد المادة النظرية وحدها كافية لاستهوائه وإثارة شغفه وحماسه، فالطفل تتحرك ذائقته سريعًا تجاه المواد المحسوسة، التي يمكنه التعامل معها بيده، إما بالرسم والتلوين، وإما بالتشكيل، أو غير ذلك من الأشغال اليدوية، التي تعطيه المساحات الكافية لاستكشاف ذاته، والتعبير عنها تعبيرًا تلقائيًا فيما بعد، كونه في نشأته المبكرة يميل إلى كثرة الحركة، والتفاعل عن قرب، لينمو الطفل قادرًا على الخلق والابتكار، واكتساب الكثير من الخبرات الحيّة، التي تتعدد آثارها على سلوكه وحياته.
فإذا كانت المادة النظرية تُحرّك العقل، فإن المادة العملية تُحرّك العقل والجسم معًا، فالفكر الطفولي على وجه الخصوص، يتعاطى سريعًا مع الحس وأدواته، دون توجيهات المواد المكتوبة وإرشاداتها المباشرة. وربما كان هذا هو السبب وراء نفور أطفال اليوم والمراهقين من الروايات أو القصص النظرية الجامدة التي لا تُحرّك فيهم ساكنًا، أو لا تتماشى مع مقتضيات العصر اللاهث الذي باتوا يشعرون بتغيراته ومبهراته على نحوٍ غريب. وكذا لعدم صمود القصة المكتوبة أمام القصص المرئية، المشاهدة عبر التلفاز، أو حتى ألعاب الحاسوب والموبايل، ورسومها المتحركة والمجسّمة التي تعطيهم جرعات عالية من الإبهار والإدهاش.
غياب الورش النقدية وأثرها في جودة المحتوى
في ظني أن الكاتب، لكي يتمكن من صناعة مادة مكتوبة ومصوّرة للأطفال، لا بد أولًا من دراسة نفسية الطفل، وكيفية تلقيه للأمور والأحداث، وكيف تترجم عيناه تلك الرسائل لترسلها إلى العقل. وذلك حتى يتمكن الكاتب من رسم الصور المناسبة، يليها انتخاب المواضيع من زواياها الصحيحة، وهنا لا أظن أن كاتب الطفل يُكلّف نفسه عناء الدراسة والتخطيط للقصة، أو العمل عليها، كما يفعل مع الكتابات الموجهة للكبار.

وفي هذا الصدد، فإن الأمر المحبط كثيرًا، أن الساحة الأدبية تضنّ بما يمكن أن نسميه «ورش أدب الطفل»، بقدر ما تعجّ بمثيلاتها لأدب الراشدين أو الكبار، حتى غاب عن ساحتنا كُتّاب متخصصون في هذا المجال، يدركون أن الكتابة للطفل تتطلب رؤية فكرية وفنية، لمراعاة المراحل النمائية والنفسية له، كما أننا نفتقر لوجود تكتلات أدبية من المبدعين، تكون إحدى مهماتهم أو قضاياهم العناية بالكتابات الموجّهة للطفل، من كتّاب، ورسامين، وخطاطين، ونقّاد.. إلى آخره.
ولعل وهن الكتابات الأدبية الحالية الخاصة بالأطفال، يرجع إلى عدم وجود مراجعة نقدية جادّة لكتب الأطفال. فقد زِيد الطين بلّة، عندما حاق بأدب الطفل ما حاق بكافة فروع الآداب اليوم، من غياب لجان القراءة والتقييم بأغلب دور النشر، وبات الأمر برمّته تحكمه قوانين المادة، بصرف النظر عن النص المعروض للنشر والترويج.
وقد أدى هذا الإهمال، من انعدام المراجعة، إلى الهبوط بسويّةٍ الكتب الموجّهة للأطفال، ولا سيما في ظل ضعف التواصل بين الكتّاب أنفسهم، فيما يخص هذا النوع، ما أدى بالنهاية إلى ركاكة ووهن تلك الكتابات التي من المفترض أنها تُعنى بهم.
أسئلة الطفل الفلسفية.. وهن الأدب الحالي
زِدْ على هذا أن التعامل مع الأطفال -بكتابات خاصة- بقدر بساطته، ليس بالأمر الذي يمكن الاستهانة به؛ فالأطفال فلاسفة صغار، يحوِّلون الفلسفة إلى لعبة متجددة وممتعة، لمن يفهمها ويُجيد أدواتها، بمعنى أنها ليست بلعبة عقلية منغلقة في ذاتها، بل هي وسيلة للمعرفة النشيطة، تتفاوت أدواتها وقدراتها من طفلٍ لآخر، وعلى الرغم من ذلك، فصغارنا لا يجدون تلك الوسيلة ضمن الكتب المعروضة لهم الآن.
وبالاقتراب شيئًا ما من هذه اللعبة -أو الوسيلة المعرفية- نجد أنهم يطرحون الأسئلة على نحوٍ ساذج وسطحي، على الرغم من كونها في كثير من الأحيان جوهرية وعميقة، لمن يتفكر فيها برويّة متأنية، فاستفهاماتهم في مجملها تبحث عن الشيء الجديد، المختبئ في دُثُر الجوانب الاعتيادية في الحياة اليومية، وأمر مُـجِاراة الطفل في شغفه وبحثه، ليس بالأمر الهين؛ فبقدر جوهرية أسئلتهم في أحايين كثيرة، لكنها تتطلب التعامل معها انطلاقًا من خصائص ومعايير التفكير الطفولي، وليس ضمن معايير الكبار.
وذلك أن الحراك العقلي عند الأطفال يبدأ دومًا بالتعجّب والدهشة بكل ما يحيط بهم، ثم يبدأ الطفل بالبحث والتحري والسؤال، لينطلق سيلٌ من العمليات الذهنية الحرة، وذلك أن عقل الطفل لا يسعى إلى إغلاق مسائله -كما يفعل العقل السليم عند الكبار- إنما يفتحها إلى آفاقٍ أكثر رحابة، عبر أسئلة جديدة، وغيرها، وغيرها. والغريب أن أدب الطفل الحالي لا يتقبّل فكرة شجرة الأسئلة المتنامية في عقولهم، لتجد النص يُغلق حكاياه سريعًا، وبشكلٍ يصعب على الطفل تقبّله، كما يفعل الكبار تمامًا عند ضجرهم من كثرة أسئلتهم.
لنجد أن قصص الأطفال الآن باتت تقتل عندهم روح البحث المفتوح واللعب المفيد، وتتعامل معهم بأحد نمطين: أولهما يستهين بعقلهم، والآخر يتعالى عليه. وما من خطٍّ موازٍ يستطيع الطفل محاذاته؛ فهو يُفكّر في كل شيء، حتى في أقصى الأمور التي قد لا تندرج ضمن احتمالاتنا المطروحة له. فقد تجد من الصغار من يفكّر في ماهية الحياة والموت، وخاصة بعد مروره بتجربة تثير مثل تلك الأسئلة في ذهنه. وهو في ذلك يحتاج نصًا يشاركه لعبته الباحثة دون اقتضاب، وهذا ما لا يجده دومًا.
والغريب أيضًا أن آفة الخوف على الأطفال من جهة الكبار قد انتقلت إلى النصوص المعدّة لهم، لتجد الكتّاب يتحاشون الحديث عن أمور هي أول ما يثير أذهانهم، وتستحوذ على انتباههم. وليعد كلٌّ منا إلى ماضيه -وقتما كان طفلًا يومًا ما- ليعرف المأساة المكرورة التي نرتكبها في حق أطفالنا. فليتذكّر كلٌّ منا نوعية الأجوبة التي لم تتغير منذ عشرات السنين؛ كلنا مرَّ بهذا القمع الفكري، وعدم احترام عقولنا، وكذا يفعل الكتاب الآن بأطفالنا، بوعيٍ أو دونِ وعي.
دعوة لإعادة إحياء أدب الطفل العربي
إن أدباءنا اليوم لم يقدّموا شيئًا ذا قيمة للطفل، لم يورثوهم نصوصًا تبقى في ذاكرتهم، يعتزون بها، ويحتفظون بمتونها، وعلى الرغم من حاجة سوق الأدب إلى هذا النوع، فإن الجميع انحسر إلى بقعة ضيقة، يكتب فيها الجميع نفس الشيء.
ولكلِّ ما سبق، أصبح ذهن الطفل مشوّشًا، غير محدد الأهداف، وتشوهت لديه المُثل، وتدنّى الذوق الجمالي، وغاب الإحساس المُرهف لروح الطفولة الآسر الجذاب. فبات الطفل فريسة لأشتات المؤثرات الصاخبة الفجّة، وما نراه اليوم عبر منصات «YouTube - TikTok» وغيرهما، لهو أكبر دليل على الجُرم الذي اقترفه الأدباء والمنوطون بالتوجيه والتوعية في حق أطفالنا، وانسياقهم وراء الأغاني -إن جاز تسميتها بذلك- المُسفّة، وما بها من إيقاعات تُدمّر الأعصاب، وتُشوّش بؤر التركيز. فما عاد الطفل كما كنا نحن سلفًا، يحفظ نصًا أدبيًا أو قولًا مأثورًا، ليس إلا غبارًا للغة قاربت إلى الفناء في أذهانهم، ووَطَّنت محلها مصطلحات لا تنتمي لأي لغة معروفة اليوم، وكأنها ترانيم خرافية أو طلاسم وتعاويذ، لا يعرف مفتاحها إلا أجيالهم.
وفي ظل هذا الغياب، ونتيجة لإهمالنا للتراث، وعدم الإفادة منه، واللهاث المكروب وراء ما يُصدره لنا الغرب، وَلَعُ أطفالِنا بحكايات وأفلام السحرة، والأبطال الخارقين، وما شابه التي ملأت أخيلتهم حتى طفحت. ولعل دور النشر، ومؤسسات الإنتاج الفني -الراكضة وراء الربح باسم الطفولة- هي السبب الرئيس في إغراق منافذنا ومنصاتنا بهذا النوع من الثقافات المستهجنة، الغريبة على موروثاتنا. وإلا فأين ذلك المنتج الفني أو الأدبي الذي يتناول شخصياتنا ورموزنا؟ أين أبطالنا، ومواقفهم، ووقائعهم، وأيامهم الغرّاء؟ بعدما استُبدلت حكاياهم بأكثر حكايا الغرب دجلًا وشعوذة، وكأن مؤسساتنا المعنية بالفن والأدب الموجّه للطفل تنتقي من المعروف أكثره خبالًا وخرفًا.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.