ثورة التوثيق الرقمي: استخدام تقنية DStretch والذكاء الاصطناعي في دراسة النقوش الصخرية

أداة DStretch في علم الآثار تحسن قراءة النقوش الصخرية بنسبة تصل إلى 70% عبر تحليل التباين اللوني، مستخدمة مبادئ Decorrelation Stretch من NASA، ما يبرز تفاصيل خفية دون تلف المادة.

في بحثنا، نستعرض إشكاليتها: إلى أي مدى تسهم في تحسين القراءة؟ مع أهداف التعريف، شرح تقني، تطبيق على جنوب الجزائر، وتقييم حدودها، مدعومًا بمراجع مثل Cyber-Archaeology لـ Forte ومقال خليف، بمنهج وصفي تحليلي تطبيقي.

يشهد علم الآثار في العقود الأخيرة تحوُّلات منهجية عميقة بفعل التطور المتسارع للتقنيات الرقمية، وعلى رأسها تقنيات الذكاء الاصطناعي التي أضحت أداةً مساعدة أساسية في دراسة المادة الأثرية وتوثيقها وتحليلها.

ولم يعد البحث الأثري مقتصرًا على المناهج الوصفية أو التحليل التقليدي، بل أصبح يعتمد على وسائل رقمية متقدمة تسمح بالكشف عن معطيات أثرية دقيقة، لا سيما في الحالات التي تتعرض فيها الشواهد الأثرية لعوامل التعرية، الطمس، أو التدهور الطبيعي.

وفي هذا الإطار، برزت أداة  DStretch (Decorrelation Stretch) بوصفها إحدى الأدوات الرقمية المتخصصة في تحسين التباين اللوني للصور الأثرية، خصوصًا صور النقوش والرسومات الصخرية، لكنها لا تزال غير معروفة على نطاق واسع في البحوث الأثرية العربية. وتكمن أهمية هذه الأداة في قدرتها على إبراز تفاصيل لونية خفية لا يمكن تمييزها بالعين المجردة؛ ما يجعلها أداة فعالة في دراسة فنون ما قبل التاريخ.

وتتمحور إشكالية هذا البحث في التساؤل التالي: إلى أي مدى يمكن لأداة DStretch، بعدِّها أداة رقمية قائمة على مبادئ رياضية، أن تُسهم في تحسين قراءة وتوثيق الرسوم والنقوش الصخرية في علم الآثار؟ وما حدود توظيفها المنهجي في البحث الأثري؟

يهدف هذا البحث إلى التعريف بأداة DStretch، وشرح أسسها التقنية، وبيان إمكاناتها التطبيقية في المجال الأثري، مع تقييم علمي نقدي لفاعليتها وحدود استخدامها.

وقد جرى اعتماد مجموعة من المصادر والمراجع في هذا البحث، فيُعدُّ كتاب فورتي (Forte, M.) Cyber-Archaeology من المراجع الأساسية في مجال توظيف التقنيات الرقمية في الدراسات الأثرية؛ لما يقدِّمه من تصور نظري متقدم حول دمج الواقع الافتراضي والنمذجة ثلاثية الأبعاد في البحث الأثري، غير أنَّ تركيزه الكبير على البعد التقني يجعل تطبيقه في السياقات الأثرية ذات الإمكانيات المحدودة أمرًا نسبيًا.

في المقابل، يقدِّم مقال محمد خليف «التقنيات الحديثة في البحث الأثري» طرحًا تمهيديًا مهمًا عن إدماج التكنولوجيا في العمل الأثري العربي، لكنَّ طابعه العام وقلة الأمثلة التطبيقية الميدانية يحدَّان من عمقه التحليلي؛ ما يجعله مرجعًا توجيهيًا أكثر منه مرجعًا تحليليًا متخصصًا.

وقد جرى اعتماد المنهج الوصفي التحليلي، مدعومًا بالمنهج التطبيقي، بتحليل نماذج توضيحية عامة وأخرى مستوحاة من بيئات صحراوية مشابهة للوسط الجزائري.

وتكمن أهمية البحث في كونه يسلط الضوء على أداة رقمية حديثة نسبيًا، ويفتح آفاقًا جديدة لدمج الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في الدراسات الأثرية، لا سيما في مجال توثيق فنون ما قبل التاريخ.

وقد قُسِّم البحث إلى أربعة فصول، تناول الأول الإطار النظري، وخُصص الثاني للأداة من الناحية التقنية، في حين عالج الثالث الجانب التطبيقي، واختُتم بالفصل الرابع الذي قدَّم تقييمًا علميًا ومنهجيًا للأداة.

 الفصل الأول: الإطار النظري للذكاء الاصطناعي في الدراسات الأثرية

يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز مظاهر التحول العلمي والتقني في العصر الحديث، إذ لم يعد مقتصرًا على العلوم الدقيقة والتطبيقات الصناعية، بل امتد ليشمل مجالات العلوم الإنسانية، وعلى رأسها علم الآثار.

وقد أسهم هذا التحول في إعادة صياغة أدوات البحث الأثري، خاصة فيما يتعلق بالتوثيق والتحليل والحفاظ الوقائي للمادة الأثرية. يهدف هذا الفصل إلى وضع الإطار النظري الذي يؤسس لفهم دور الذكاء الاصطناعي في الدراسات الأثرية، مع التركيز على مفاهيمه الأساسية، تطوره، وأثره في التحول الرقمي للبحث الأثري.

المبحث الأول: مفهوم الذكاء الاصطناعي وتطوره

المطلب الأول: تعريف الذكاء الاصطناعي

يُعرَّف الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) بأنه فرع من فروع علوم الحاسوب يُعنى بتصميم أنظمة وبرمجيات قادرة على محاكاة بعض القدرات الذهنية البشرية، مثل التعلم، الاستدلال، التحليل، واتخاذ القرار.

تعريف الذكاء الاصطناعي

ويقوم الذكاء الاصطناعي على مجموعة من الخوارزميات والنماذج الحسابية التي تمكِّن الآلة من معالجة كميات كبيرة من البيانات واستخلاص أنماط ودلالات يصعب على الإنسان إدراكها بالوسائل التقليدية.

وفي السياق العلمي، لا يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلًا للعقل البشري، بل بوصفه أداة مساعدة تدعم الباحث في تحليل المعطيات المعقدة، وتُسهم في رفع دقة النتائج وتسريع وتيرة البحث.

المطلب الثاني: تطور الذكاء الاصطناعي ومجالاته

مرَّ الذكاء الاصطناعي بعدة مراحل تطورية منذ ظهوره النظري في منتصف القرن العشرين، فانتقل من النماذج القائمة على القواعد المنطقية إلى أنظمة متقدمة تعتمد على التعلم الآلي (Machine Learning) والتعلم العميق (Deep Learning).

وقد أتاح هذا التطور إمكانات واسعة في مجالات متعددة، من بينها تحليل الصور الرقمية، والتعرف على الأنماط، ومعالجة البيانات غير المهيكلة، والنمذجة الافتراضية ثلاثية الأبعاد.

وقد ساعد هذا التطور على إدماج الذكاء الاصطناعي في العلوم الإنسانية، خاصة تلك التي تعتمد على المادة البصرية والمكانية، مثل علم الآثار.

المطلب الثالث: الذكاء الاصطناعي في العلوم الإنسانية

شهدت العلوم الإنسانية في السنوات الأخيرة تحوُّلًا نوعيًا بفعل توظيف التقنيات الرقمية، حيث ظهر ما يُعرف بالعلوم الإنسانية الرقمية (Digital Humanities).

ويُعد الذكاء الاصطناعي إحدى الركائز الأساسية لهذا التوجه، إذ مكَّن الباحثين من تحليل النصوص التاريخية القديمة، ودراسة الأنماط الفنية والرمزية، ومعالجة الصور الأثرية، وإعادة بناء السياقات التاريخية.

وفي هذا الإطار، أصبح علم الآثار من أكثر التخصصات استفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي نظرًا لاعتماده الكبير على المعطيات المادية والبصرية.

المبحث الثاني: التحول الرقمي في البحث الأثري

المطلب الأول: مفهوم علم الآثار الرقمي

يُقصد بعلم الآثار الرقمي (Digital Archaeology) توظيف التقنيات الرقمية الحديثة في مختلف مراحل البحث الأثري، بدءًا من التوثيق الميداني، مرورًا بالتحليل، وصولًا إلى العرض والتفسير. ويهدف هذا التوجه إلى تحسين جودة البحث الأثري، وتقليل التدخل المباشر في المادة الأثرية، مع الحفاظ على أصالتها.

علم الآثار الرقمي

وقد شمل هذا التحول استخدام تقنيات مثل:

  • التصوير الرقمي عالي الدقة.
  • نظم المعلومات الجغرافية (GIS).
  • المسح ثلاثي الأبعاد.
  • أدوات الذكاء الاصطناعي لمعالجة الصور.

المطلب الثاني: التوثيق الرقمي للمادة الأثرية

يُعد التوثيق الرقمي أحد أهم ركائز البحث الأثري المعاصر، إذ يسمح بتسجيل المعالم الأثرية بدقة عالية، مع إمكانية حفظها وإعادة دراستها دون تعريضها للتلف. ويتميَّز التوثيق الرقمي بعدة خصائص، من أبرزها:

  • الدقة في تسجيل التفاصيل التقنية.
  • سهولة التخزين والأرشفة.
  • إمكانية المعالجة والتحليل اللاحق.
  • دعم الدراسات المقارنة.

وفي هذا السياق، تبرز أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل أدوات معالجة الصور، بوصفها وسيلة فعَّالة لإبراز التفاصيل الخفية في النقوش والرسوم الصخرية.

المطلب الثالث: الذكاء الاصطناعي والحفاظ الوقائي للمادة الأثرية

يُعد الحفاظ الوقائي من أهم التحديات التي تواجه البحث الأثري، خاصة في مواقع النقوش الصخرية المعرضة للعوامل الطبيعية والبشرية. وقد أسهم الذكاء الاصطناعي في تطوير أساليب غير متلفة لدراسة هذه المعالم، بواسطة:

  • تقليل الحاجة إلى التلامس المباشر.
  • تحليل الحالة الفيزيائية للمادة الأثرية.
  • الكشف المبكر عن مظاهر التدهور.
  • دعم قرارات الصيانة والترميم.

وبذلك، يمثل الذكاء الاصطناعي حلقة وصل بين البحث العلمي ومتطلبات الحماية والحفاظ على التراث الثقافي.

الذكاء الاصطناعي والبحث العلمي

خلص هذا الفصل إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعد أداة تقنية محضة، بل أصبح مكوِّنًا أساسيًا في البحث الأثري المعاصر، حيث أسهم في تطوير أساليب التوثيق والتحليل والحفاظ الوقائي للمادة الأثرية.

وقد أتاح هذا التحول الرقمي إمكانات جديدة لفهم الشواهد الأثرية وتحليلها بطرق غير تقليدية، مع الحفاظ على أصالتها وسلامتها، ما يمهِّد لتوظيف أدوات تحليل بصري متقدمة مثل أداة DStretch في الفصول اللاحقة.

 الفصل الثاني: أداة DStretch الأسس التقنية والتطبيقات الأثرية

يُعدُّ التحليل البصري إحدى الركائز الأساسية في دراسة النقوش الصخرية والرسوم الجدارية، غير أنَّ العوامل الطبيعية وتقادم الزمن تؤدي غالبًا إلى تدهور الأصباغ وصعوبة قراءة المشاهد الصخرية بالعين المجردة.

وقد برزت أداة DStretch بوصفها حلًا رقميًا متقدمًا يعتمد على خوارزميات معالجة الصور المدعومة بمبادئ التحليل الذكي، بهدف إبراز العناصر اللونية والرمزية الخفية.

المبحث الأول: التعريف بأداة DStretch ونشأتها العلمية

المطلب الأول: نشأة أداة DStretch وتطورها

طُوّرت أداة DStretch في إطار بحوث معالجة الصور الرقمية، بوصفها إضافة لبرنامج ImageJ العلمي، بهدف تحسين قراءة الصور ضعيفة التباين.

وقد لاقت الأداة اهتمامًا متزايدًا في الدراسات الأثرية، خاصة في مجال فنون ما قبل التاريخ؛ نظرًا لقدرتها على إبراز بقايا الأصباغ القديمة دون تدخل مادي مباشر.

المطلب الثاني: الأسس العلمية والتقنية لأداة DStretch

تعتمد الأداة على تقنية Decorrelation Stretch، وهي أسلوب رياضي لتحليل القنوات اللونية وفصلها إحصائيًا ثم إعادة توزيعها لتعزيز الفوارق الدقيقة. وتُستخدم هذه التقنية على نطاق واسع في تحليل الصور العلمية والأثرية؛ لما توفره من دقة في الكشف عن الأنماط الخفية.

المطلب الثالث: العلاقة بين DStretch والذكاء الاصطناعي

تندرج أداة DStretch ضمن أدوات التحليل الذكي التي تعتمد على الخوارزميات التحليلية لاستخلاص معلومات جديدة من البيانات البصرية؛ ما يجعلها قريبة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في علم الآثار الرقمي.

المبحث الثاني: آلية عمل الأداة وتطبيقاتها الأثرية

المطلب الأول: مراحل المعالجة الرقمية

تمر عملية المعالجة باختيار صورة رقمية عالية الدقة ثم إخضاعها لسلسلة من المرشحات اللونية التي تسمح بإبراز التفاصيل الدقيقة، مع ضرورة تحكم الباحث في الإعدادات لتفادي التفسيرات الخاطئة.

المطلب الثاني: التطبيقات الأثرية

استُخدمت DStretch في تحليل الرسوم الصخرية والنقوش الجدارية، وأسهمت في تحديد المشاهد التصويرية المتلاشية ودعم التفسير الرمزي والطقوسي.

تطبيقات DStretch

المطلب الثالث: حدود الأداة

على الرغم من فاعليتها، تبقى نتائج الأداة رهينة بجودة الصورة وخبرة الباحث؛ ما يفرض دمج التحليل الرقمي بالسياق الأثري العام.

أثبت هذا الفصل أنَّ أداة DStretch تمثل وسيلة تحليل رقمي فعالة تدعم البحث الأثري دون المساس بالمادة الأصلية، شريطة توظيفها ضمن إطار منهجي متكامل.

الفصل الثالث: التوظيف الأثري لأداة DStretch في تحليل النقوش الصخرية – دراسة تطبيقية على جنوب الجزائر

تُعدُّ مناطق الطاسيلي ناجر والساورة والهقار من أغنى مناطق شمال إفريقيا بالنقوش الصخرية العائدة إلى فترات ما قبل التاريخ، غير أنَّ عوامل التعرية والتقادم تُصعِّب قراءتها وتحليلها بالطرق التقليدية. ويهدف هذا الفصل إلى اختبار فاعلية أداة DStretch في معالجة هذه الإشكالات ضمن دراسة تطبيقية.

المبحث الأول: الخصائص الأثرية للنقوش الصخرية بجنوب الجزائر

تشهد مواقع جنوب الجزائر تنوعًا كبيرًا في التقنيات والأساليب الفنية، من النقش والحفر إلى الرسم بالأصباغ المعدنية؛ ما يعكس تطورًا حضاريًا وبيئيًا طويل الأمد.

المطلب الثاني: إشكالية التوثيق التقليدي

يعتمد التوثيق التقليدي للرسومات الصخرية على التصوير الفوتوغرافي والرسم اليدوي، غير أن هذه الوسائل غالبًا ما تعجز عن إبراز التفاصيل اللونية الخافتة. ثم إن اختلاف ظروف الإضاءة وزوايا التصوير يؤثر مباشرة في جودة النتائج. ويؤكد بوشوشة أن التوثيق غير الدقيق قد يؤدي إلى فقدان معلومات أثرية مهمة، أو إلى قراءات خاطئة للمشاهد الصخرية.

المبحث الثاني: الدراسة التطبيقية

أظهرت المعالجة الرقمية باستخدام DStretch قدرة واضحة على إبراز تفاصيل لونية وخطوط تصويرية لم تكن مرئية سابقًا؛ ما ساعد على إعادة قراءة بعض المشاهد ذات الطابع الرمزي والاقتصادي.

أظهرت المعالجة الرقمية باستخدام أداة DStretch قدرة واضحة على إبراز عناصر لونية كانت غير مرئية في الصور الأصلية، مثل:

  • خطوط صبغية خافتة.
  • أشكال حيوانية غير مكتملة.
  • تراكب مشاهد صخرية.

وقد سمحت هذه النتائج بإعادة قراءة بعض المشاهد الصخرية، وتفسيرها في ضوء معطيات جديدة.

ويرى Bednarik أن هذا النوع من المعالجة الرقمية يمكن أن يُسهم في تصحيح بعض الفرضيات القديمة المتعلقة بتأريخ الرسوم أو مضمونها الرمزي.

المبحث الثالث: القيمة العلمية للدراسة

تؤكد نتائج الدراسة أهمية دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل النقوش الصخرية، خاصة في البيئات الصحراوية الحساسة؛ لما توفره من دقة وحماية للمادة الأثرية.

المطلب الأول: الإضافة المعرفية للأداة

تُسهم أداة DStretch في إثراء التحليل الأثري بتوفير معطيات بصرية دقيقة، تُساعد الباحث على تجاوز حدود الرؤية المجردة. وتُعد وسيلة فعالة في التوثيق الوقائي، خاصة للمواقع المهددة بالاندثار.

ويشير خليف إلى أن التوثيق الرقمي يمثل اليوم أحد أهم رهانات حماية التراث الثقافي.

المطلب الثاني: حدود التفسير الأثري للنتائج الرقمية

على الرغم من أهمية النتائج الرقمية، فإن تفسيرها يظل خاضعًا للخبرة الأثرية والسياق الثقافي العام؛ إذ لا يمكن اعتماد الصورة المعالجة وحدها أساسًا للتأويل دون الرجوع إلى المعطيات الميدانية والتاريخية.

ويؤكد بن ناصر أن التحليل الأثري السليم يقوم على التكامل بين الأداة والمنهج، لا على تغليب أحدهما على الآخر.

أثبتت الدراسة التطبيقية أنَّ DStretch أداة فعالة في دعم البحث الأثري الميداني، شريطة توظيفها ضمن إطار تفسيري علمي.

الفصل الرابع: التقييم العلمي والمنهجي لتوظيف أداة DStretch في البحث الأثري

بعد عرض الإطارين النظري والتطبيقي لتوظيف أداة DStretch في تحليل النقوش الصخرية، يهدف هذا الفصل إلى تقديم تقييم علمي ومنهجي شامل لهذه الأداة، بإبراز مكامن قوتها وحدودها، ومناقشة الإشكالات المرتبطة بتوظيف التقنيات الرقمية المدعومة بمبادئ الذكاء الاصطناعي في البحث الأثري. ويسعى هذا الفصل أيضًا إلى استشراف آفاق البحث الأثري الرقمي في الجزائر، في ظل التحولات التقنية الراهنة.

المبحث الأول: المزايا العلمية والمنهجية لأداة DStretch

المطلب الأول: الدقة التحليلية وتعزيز قراءة النقوش الصخرية

تُعدُّ الدقة التحليلية من أبرز المزايا التي توافرها أداة DStretch، فتمكِّن الباحث الأثري من إبراز تفاصيل لونية ورمزية دقيقة لا يمكن رصدها بالعين المجردة أو بالتصوير التقليدي. ويُسهم هذا الجانب في تحسين قراءة المشاهد الصخرية، خاصة تلك التي تعرَّضت للتآكل أو التلاشي بفعل العوامل الطبيعية.

وتساعد الأداة على تحديد حدود الأشكال الممثلة، والتمييز بين الخطوط الأصلية والإضافات اللاحقة؛ ما يدعم التحليل الزمني والتقني للنقوش الصخرية.

المطلب الثاني: الحفاظ الوقائي ودعم المنهج غير المتلف

تندرج أداة DStretch ضمن الأدوات الرقمية التي تخدم مبدأ الحفاظ الوقائي للمادة الأثرية، حيث تعتمد على المعالجة الرقمية للصور دون أي تدخل مباشر في السطح الصخري. ويُعد هذا الأمر ذا أهمية خاصة في مواقع النقوش الصخرية الحساسة، التي تتطلب أقصى درجات الحماية.

ويُسهم هذا المنهج غير المتلف في تقليل المخاطر المرتبطة بالتجارب الميدانية، ويسمح بإعادة دراسة المادة الأثرية مرات متعددة دون التأثير في حالتها الفيزيائية.

المطلب الثالث: دعم البحث المقارن والتكامل المنهجي

تتيح أداة DStretch إمكانات واسعة للبحث المقارن، بتوحيد آليات التحليل الرقمي للنقوش الصخرية في مواقع مختلفة. ويساعد ذلك على إجراء مقارنات أسلوبية وتقنية بين المشاهد الصخرية، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي.

دعم البحث المقارن

وتُسهم الأداة في تعزيز التكامل بين المنهج التقليدي القائم على الملاحظة الميدانية والخبرة الأثرية، والمنهج الرقمي المعتمد على التحليل الذكي؛ ما يرفع من مصداقية النتائج العلمية.

المبحث الثاني: حدود الأداة والإشكالات المرتبطة بتوظيفها

المطلب الأول: الحدود التقنية لأداة DStretch

على الرغم من المزايا المتعددة التي توافرها أداة DStretch، فإن فاعليتها تظل مرتبطة بعدة عوامل تقنية، من أبرزها جودة الصورة الرقمية الأصلية، وظروف الإضاءة في أثناء التصوير، ودقة الإعدادات المستخدمة في المعالجة. وقد تؤدي هذه العوامل، في حال عدم التحكم فيها، إلى نتائج غير دقيقة أو مضللة.

أيضًا فالأداة لا تميِّز تلقائيًا بين العناصر الأثرية الأصلية والتشوُّهات الطبيعية؛ ما يستدعي تدخل الباحث الأثري لتفسير النتائج.

المطلب الثاني: الإشكالات المنهجية والتفسيرية

تطرح نتائج المعالجة الرقمية باستخدام DStretch إشكالات منهجية تتعلق بإمكانية إسقاط تفسيرات ذاتية على المعطيات الرقمية، لا سيما في غياب سياق أثري واضح. وقد يؤدي الاعتماد المفرط على النتائج الرقمية إلى إغفال المعطيات الميدانية والتاريخية الضرورية لفهم المادة الأثرية.

ومن ثمَّ، فإنّ توظيف الأداة يجب أن يتم في إطار منهجي صارم، يراعي التكامل بين التحليل الرقمي والخبرة الأثرية.

المطلب الثالث: أخلاقيات التوظيف الرقمي في علم الآثار

تثير أدوات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك DStretch، تساؤلات أخلاقية تتعلق بكيفية استخدام النتائج الرقمية ونشرها، خاصة عندما تتعلق بمواقع أثرية حساسة. ويقتضي ذلك احترام مبادئ حماية التراث الثقافي، وعدم توظيف النتائج خارج سياقها العلمي، أو استغلالها بشكل قد يسيء إلى القيمة التراثية للموقع.

المبحث الثالث: آفاق البحث الأثري الرقمي في الجزائر

المطلب الأول: إدماج التقنيات الرقمية في البحث الجامعي

تُبرز نتائج هذا البحث ضرورة إدماج أدوات الذكاء الاصطناعي والتحليل الرقمي ضمن برامج التكوين الجامعي في علم الآثار، بما يواكب التطورات العلمية الحديثة. ويسهم هذا الإدماج في إعداد جيل جديد من الباحثين القادرين على توظيف التقنيات الحديثة بوعي منهجي وأخلاقي.

المطلب الثاني: آفاق البحث والتطوير في مجال النقوش الصخرية

يفتح توظيف أداة DStretch آفاقًا واسعة لتطوير البحث الأثري في الجزائر، خاصة في مجال دراسة النقوش الصخرية. ويمكن مستقبلًا دمج هذه الأداة مع تقنيات أخرى، مثل نظم المعلومات الجغرافية والتصوير ثلاثي الأبعاد، بهدف بناء قواعد بيانات رقمية شاملة تخدم البحث العلمي وحماية التراث.

خلص هذا الفصل إلى أنَّ أداة DStretch تمثل إضافة علمية ومنهجية مهمة في مجال البحث الأثري، خاصة في دراسة النقوش الصخرية، لما توفره من دقة تحليلية ومنهج غير متلف.

غير أنَّ فاعليتها تظل مرهونة بحسن توظيفها ضمن إطار منهجي متكامل، يوازن بين التحليل الرقمي والخبرة الأثرية، ويأخذ بعين الاعتبار الجوانب الأخلاقية والعلمية لحماية التراث الثقافي. 

في ختام هذا البحث، تبيَّن أن توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية، وعلى رأسها أداة DStretch، يمثل إضافة نوعية للبحث الأثري المعاصر، لا سيما في مجال دراسة النقوش والرسومات الصخرية التي تعاني من الطمس والتدهور. فقد أظهرت الدراسة أن هذه الأداة قادرة على تحسين التباين اللوني للصورة الأثرية، وإبراز تفاصيل خفية تُسهم في إعادة قراءة المشاهد الصخرية وتفسيرها تفسيرًا أدق.

وأثبت البحث أن أداة DStretch لا تمثل بديلًا عن التحليل الأثري الميداني أو الدراسة السياقية، بل تُعد وسيلة مساعدة يجب توظيفها ضمن إطار منهجي متكامل يجمع بين المعاينة المباشرة والتحليل الرقمي. ومن جهة أخرى، كشفت الدراسة عن بعض حدود الأداة، خاصة ارتباط نتائجها بجودة الصورة الأصلية وخبرة الباحث في تفسير المخرجات الرقمية.

وخلص البحث إلى أن إدماج مثل هذه الأدوات في الدراسات الأثرية العربية لا يزال محدودًا؛ ما يستدعي تشجيع الباحثين على اكتساب مهارات رقمية، وإدراج التقنيات الحديثة ضمن برامج التكوين الأثري. ويفتح هذا العمل آفاقًا بحثية مستقبلية تتمثل في توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في التوثيق الأثري، وبناء قواعد بيانات رقمية للنقوش الصخرية، بما يسهم في حماية التراث الثقافي ودراسته وفق مقاربات علمية حديثة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة