رغم أن الخلاف والجدل على القرارات التحكيمية في عالم كرة القدم يظل جزءًا من متعة اللعبة الشعبية الأولى في العالم، فإن هناك قرارات غير موفقة للحكام في بعض المباريات، منحت بطولات وكؤوسًا لمن لا يستحقها، خاصة قبل تطبيق تقنية الفار التي منحت الساحرة المستديرة كثيرًا من العدالة في السنوات الأخيرة.
فما أشهر القرارات التحكيمية الخاطئة في عالم كرة القدم، وكيف تعمل تقنية الفار من أجل الحد من هذه الأخطاء؟ أسئلة تجد إجاباتها في المقال التالي مع كثير من المعلومات والحقائق المدهشة، عن أشهر السرقات الكروية التي منحت الفوز لمن لا يستحق، وأثارت جدلًا كبيرًا سنوات طويلة.
تقنية الفار في كرة القدم
مصطلح الفار اختصار (Video Assistant Referee) ويعني في اللغة العربية حكم الفيديو المساعد، وهي تقنية مساعدة للحكام، استُحدثت في منافسات كرة القدم من أجل الوصول إلى أكبر قدر من العدالة، وذلك بالاعتماد على تسجيلات الفيديو للتحقق من صحة القرارات.

كان الهولنديون هم أول من فكروا في تقنية الفار، واستخدموها منذ عام 2010، لكن الأمر كان بطريقة بدائية في ذلك الوقت، حتى طورها الاتحاد الدولي لكرة القدم بعد ذلك.
منذ أن بدأت فكرة تقنية الفار تلقى قبولًا لدى المسؤولين في الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 2010، عمل الاتحاد الدولي على تطويرها مدة 6 سنوات، وتجريبها في مباريات ودية، حيث استُخدمت أول مرة في مباراة في بطولة الشباب في كرة القدم الأمريكية، ثم بعد ذلك في أوروبا وبالتحديد في مباراة ودية بين إيطاليا وفرنسا، قبل استخدام تقنية الفار في كأس العالم للقارات عام 2017، ثم اعتمادها رسميًّا في كأس العالم عام 2018.
طريقة عمل تقنية الفار
مبدأ عمل تقنية الفار بسيط، إذ يستعين الحكم الرئيس بحكام الفار في بعض الأمور التي يحددها القانون، وذلك بإعادة اللقطات المثيرة للجدل واستدعاء الحكم الرئيس في حالة وجود شك في القرار، من أجل أن يتخذ القرار بنفسه.
لذا فإن تقنية الفار تحتاج إلى مجموعة من العناصر لكي تعمل بنجاح، ومنها غرفة المراقبة التي يوجد فيها حكام الفار والفنيون المتخصصون، وعدد من الشاشات التي تعرض المباراة من زوايا مختلفة، وتعتمد على مجموعة من الكاميرات الموزعة بطريقة فنية لتغطية جنبات الملعب بالكامل.
كذلك يوجد فريق من الحكام يعملون على شاشات الفار، ويتكون هذا الفريق من 3 حكام، أحدهم حكم رئيس إضافة إلى حكمين مساعدين، ويجب توافر شاشة رئيسة في الملعب، ليطّلع من خلالها الحكم الرئيس للمباراة على الإعادات واللقطات لاتخاذ القرار الصحيح.
حالات استخدام تطبيق الفار
من المهم أن يعرف جمهور ومشجعو كرة القدم أن تطبيق الفار لا يتخذ القرار بنفسه، وإنما هو تطبيق مساعد للحكم الرئيس في المباراة، كذلك فإن تطبيق الفار لا يتدخل في كل أحداث المباراة، وإنما يتدخل في بعض الحالات التي حددها قانون الاتحاد الدولي لكرة القدم، ومنها اعتماد الأهداف، فيُراجع الهدف بواسطة تقنية الفار وللتحقق من صحته، وتُلغى الأهداف التي دخلت المرمى بطريقة غير قانونية، مثل لمسات اليد أو التسلل، أو حتى خروج الكرة من الملعب قبل دخولها إلى المرمى.

كذلك حالات البطاقات الحمراء، سواء حصل اللاعب على بطاقة حمراء أو كان يستحق الحصول عليها، فتُراجع الحالة ويُستدعى الحكم الرئيس، ويعمل تطبيق الفار على التحقق من هوية اللاعب الذي حصل على البطاقة الحمراء أو الصفراء، ثم تأتي الحالة الأهم في تقنية الفار، وهي حالة احتساب ركلة الجزاء أو عدم احتسابها، فيعمل حكام الفار على تنبيه الحكم في حالة وجود ركلة جزاء لم تُحتسب، أو عدم صحة ضربة جزاء محتسبة، لتُراجع من خلال الشاشة الرئيسة في الملعب.
عيوب تقنية الفار
لا شك أن تقنية الفار قد أضافت كثيرًا من العدالة إلى نتائج مباريات كرة القدم والمنافسات التي أصبحت تتعلق بمليارات الدولارات وملايين المشجعين في عالم الاحتراف، وهو ما لم يتوافر من قبل في كثير من القرارات التي كان لها تأثير تاريخي في نتائج البطولات الكبرى، لكنه توجد بعض السلبيات التي صاحبت تطبيق نظام الفار.
من أهم هذه السلبيات إبطاء إيقاع اللعب في المباريات التي يُستخدم فيها الفار مرات عدة، فيحتاج الحكم الرئيس إلى بعض الوقت من أجل الاستماع إلى حكام الفار، ثم يحتاج إلى بعض الوقت لمراجعة اللقطات بنفسه، وهو ما يضطر معه الحكم إلى إيقاف المباراة أكثر من مرة، وهو ما يقلل متعة وحماس المباريات.
كذلك، فإن استخدام تقنية الفار ينعكس على الحكام الذين بدؤوا في الاعتماد على التقنية والتكنولوجيا بدلًا من تطوير قدراتهم وتحمل المسؤولية، وهو ما قد يقلل كفاءة العنصر البشري، لا سيما مع التطورات المستمرة في تقنية الفار، والتي قد تصبح في السنوات القادمة تقنية مستقلة لا تحتاج إلى المراجعة البشرية، فيتخذ تطبيق الفار القرار أوتوماتيكيًّا، ويعلن الحكم القرار دون مراجعته أو مناقشته.
نجد أيضًا ذلك الجدل الذي يصاحب القرارات التي لا يلجأ فيها الحكم إلى تقنية الفار، فيشير اللاعبون إلى الحكم لمراجعة الفار، وقد يشهد الأمر بعد الاعتراضات القوية كذلك، عند لجوء الحكم إلى تطبيق الفار، فإن لاعبي الفريق المتضرر يظهرون كثيرًا من الاعتراض، والذي يظهر في الحوارات والإشارات التي تقلل بدورها متعة المباراة وديناميكيتها، وتزيد معدل التوتر والإثارة السلبية.
أشهر أخطاء الحكام قبل تقنية الفار
بلا شك يوجد كثير من الحالات التي جانب فيها الصواب حكم المباراة، وترتب على قراره الخاطئ صعود فريق وإقصاء آخر، أو حصول أحد الفرق على بطولة أو كأس لا يستحقه، ولعل أبرز هذه الحالات التي لا ينساها جمهور كرة القدم ما نستعرضه معكم في ما يلي:
فرنسا وألمانيا كأس العالم 1982
لا يمكن لجمهور كرة القدم ومتابعي مباريات كأس العالم عمومًا، وجمهور فرنسا خاصة، أن ينسوا مباراة الدور قبل النهائي بين فرنسا وألمانيا في كأس العالم عام 1982، والتي شهدت أحد أكبر أخطاء الحكام في تاريخ كرة القدم، عندما تعرض لاعب منتخب فرنسا (باتريك باتيستون) للضرب بقوة من حارس مرمى المنتخب الألماني، وهو ما أدى إلى تهشم أسنانه وسقوطه مغشيًا عليه، قبل أن يغادر الملعب بصحبة الفريق الطبي، وهو ما كان يستحق معه احتساب ركلة جزاء واضحة لمنتخب فرنسا، لكن تقنية الفار لم تكن موجودة في ذلك الوقت، ولم يحتسب الحكم مخالفة على منتخب ألمانيا، ما أدى إلى انتهاء المباراة بالتعادل.

ثم فاز المنتخب الألماني بتألق حارسه في ضربات الجزاء، وهو الحارس نفسه الذي ضرب لاعب فرنسا، لتصعد ألمانيا إلى المباراة النهائية وتخرج فرنسا بخطأ تحكيمي، دفع الصحافة الفرنسية إلى مهاجمة الحكم واتهامه بالتآمر والتقصير.
إنجلترا وألمانيا كأس العالم 1966
في مباراة تاريخية حققت فيها إنجلترا بطولة كأس العالم أول مرة في تاريخها، وصلت ألمانيا وإنجلترا إلى المباراة النهائية في كأس العالم عام 1966، والمقامة في إنجلترا، لتنتهي المباراة في الوقت الأصلي بالتعادل بين الفريقين بهدفين لكل منهما، وفي الوقت الإضافي، سجلت إنجلترا أكثر الأهداف إثارة للجدل في تاريخ كؤوس العالم حتى ذلك الوقت.
كان لاعب منتخب إنجلترا (جيف هيرست) قد سدد كرة في العارضة، والتي ارتطمت بالأرض ولم تدخل إلى المرمى، لكن حكم المباراة احتسبها هدفًا، على الرغم من الاعتراضات الكبيرة من لاعبي منتخب ألمانيا، وهو الهدف الذي دفع منتخب ألمانيا إلى محاولة التعويض، ليتلقى هدفًا آخر، وتنتهي المباراة بفوز المنتخب الإنجليزي وحصوله على بطولة كأس العالم أول مرة، مع بكاء لاعبي ألمانيا واعتراضات الجماهير الألمانية خلف الشاشات، وصراخ الحارس الألماني (هانز تلكوفيسكي) الذي ظل يقول إن الكرة لم تدخل الهدف وإنه رآها بعينه، وهو ما كان يحتاج إلى تقنية الفار التي لم تكن موجودة في ذلك الوقت.
ألمانيا وإنجلترا كأس العالم 2010
مرت الأيام، وعادت كرة القدم لتمنح الألمان الفرصة لاستعادة المسروقات، وذلك في المباراة التي جمعتهم بالمنتخب الإنجليزي في كأس العالم عام 2010 في جنوب إفريقيا، في الدور ثمن النهائي، وكانت ألمانيا متقدمة في المباراة بهدفين مقابل هدف، حينما سدد النجم الإنجليزي (فرانك لامبارد) كرة ارتطمت بالعارضة، ثم ارتطمت بالأرض وتخطت المرمى بمسافة كافية، لكن حكم المباراة رفض احتساب الهدف.

وعلى الرغم من الاعتراضات الكبيرة من لاعبي المنتخب الإنجليزي، ووجود شاشة كبيرة في الملعب قد أوضحت في الإعادة دخول الكرة إلى المرمى، فإن الحكم أصر على قراره، وهو ما أشعل مدرجات المنتخب الإنجليزي ودفعهم إلى صيحات الاستهجان والاعتراض، وكأن التاريخ يعيد نفسه لتسترد ألمانيا ما سُرق منها في كأس العالم 1966 بالسيناريو نفسه، ثم أضاف المنتخب الألماني الهدف الثالث والرابع ليصل إلى الدور ربع النهائي نتيجة خطأ من حكم المباراة، ليصدق عليهم المثل القائل: (يوم لك ويوم عليك).
كوريا وإسبانيا كأس العالم 2002
في حضور الحكم المصري الشهير جمال الغندور، صعد منتخب كوريا الجنوبية إلى الدور نصف النهائي للمرة الأولى في تاريخه على حساب المنتخب الإسباني في منافسات كأس العالم 2002 التي استضافتها كوريا الجنوبية، وكان هذا الصعود التاريخي للمنتخب الآسيوي نتيجة خطأ تحكيمي كبير للحكم العربي المصري، فقد سجل المنتخب الإسباني هدفين في تلك المباراة، وألغى الحكم المصري جمال الغندور الهدفين، أحدهما بداعي التسلل والآخر بداعي خطأ على المنتخب الإسباني، وهو ما أدى إلى ذهاب المباراة إلى ركلات الترجيح التي أنصفت المنتخب الكوري الجنوبي ليصعد إلى الدور التالي.
ومن ناحيتها، فقد هجمت الجماهير الإسبانية الحكم المصري هجومًا قويًّا، كما فعلت الصحف الإسبانية التي وصفت ما حدث في المباراة بأنه سرقة كروية، وأن الحكم جمال الغندور ومساعديه قد أسهموا أو ساعدوا في عملية السرقة التي أدت إلى خروج المنتخب الإسباني أحد المرشحين للفوز بالبطولة بطريقة قاسية على الرغم من إحرازه هدفين صحيحين.
الأرجنتين والمكسيك كأس العالم 2010
في عام 2010 كان لمنتخب المكسيك موعد لا ينسى مع منتخب الأرجنتين المدجج بالنجوم، في مباراة شهدت مجموعة من الأخطاء التحكيمية الفادحة التي أسهمت في خسارة المكسيك التي تلقت 3 أهداف في نصف الساعة الأولى من المباراة، فكان الهدف الافتتاحي الذي أحرزه تيفيز من تسلل واضح، لكن حكم المباراة احتسبه على الرغم من الاعتراضات الكبيرة من اللاعبين، وإعادة الهدف على الشاشة الكبيرة في الملعب التي أظهرت التسلل الواضح وعدم صحة الهدف، لكن الحكم الذي عاد إلى مساعديه، قرر عدم الاحتكام إلى الشاشة واحتساب الهدف.
وبعد الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها الحكم روزيتي، استُبعد من إدارة مباريات بطولة كأس العالم، كما قررت لجنة التحكيم في البطولة حظر الإعادات الخاصة بالألعاب ذات الجدل على شاشات الملاعب في البطولة التي احتضنتها جنوب إفريقيا.
والغريب في الأمر أن المكسيك في كأس العالم التالي عام 2014 تعرضت لظلم تحكيمي فادح مرة أخرى، عندما احتُسبت ركلة جزاء على المكسيك لصالح هولندا، وهو ما أظهرته شاشات التلفزيون ولم يره الحكم، وربما كان هذا الخطأ الواضح سببًا في اتجاه الاتحاد الدولي لكرة القدم إلى الاستعانة بتطبيق الفار في البطولات الدولية، فكانت بطولة عام 2014 هي آخر البطولات قبل تطبيق نظام الفار في البطولة التالية عام 2018.
إنجلترا والأرجنتين كأس العالم 1986
من بين الحالات التحكيمية التي أثارت جدلًا كبيرًا في عالم الساحرة المستديرة، هدف أسطورة كرة القدم (دييغو أرماندو مارادونا) الذي يعد هو الهدف الأشهر في السرقات الكروية في تاريخ كؤوس العالم، وهو الهدف الذي أحرزه مارادونا في مرمى منتخب إنجلترا في مباراة الدور ربع النهائي في كأس العالم 1986.

وكان الحكم التونسي المعروف (علي بن ناصر) هو حكم المباراة، والذي لم يرَ مارادونا وهو يرتقي فوق دفاع إنجلترا ويلعب الكرة بيده في مرمى الحارس الإنجليزي العملاق (بيتر شيلتون)، فلم تكن زاوية الرؤية في الملعب تسمح له بمشاهدة الخطأ، إضافة إلى المهارة العالية من مارادونا في لعب الكرة بطريقة تبدو من بعيد وكأنها لعبت بالرأس، لتنتهي المباراة بفوز المنتخب الأرجنتيني وصعوده إلى الدوري نصف النهائي.
وعلى الرغم من كونه خطأ في لعبة تحتمل كثيرًا من الأخطاء؛ فإن هذا الهدف ظل مثار حديث وجدل كبير مدة طويلة، وتناولته الصحف والقنوات على مدار شهور بعد انتهاء كأس العالم، وفي حوار مع النجم الأرجنتيني مارادونا عن الهدف، قال إن يد السماء هي من أحرزت الهدف، وهو الخطأ الذي لم يكن ليمر في وجود تقنية الفار.
وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن شرحًا لكيفية عمل تقنية الفار، وعرضًا لأشهر الحالات التي شهدت أخطاء تحكيمية قبل استخدام تقنية الفار، نرجو أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.