يختلف الشعور تجاه العمل الفني الواحد تبعًا للتجارب الشخصية والحالة المزاجية والوعي العاطفي والثقافة، وقد يتغير التقييم مع مرور الوقت بسبب نضج الذائقة واكتشاف تفاصيل جديدة أو تغيّر القيم والقناعات، كما قد تؤثر شهرة الفنان وقيمة العمل في إدراك المشاهد له. فلكل شخص ميول فنية ودوافع تجعله ينحاز لأذواق وأنواع وأشكال دون غيرها.
في هذا المقال نشرح لك لماذا يختلف الشعور تجاه العمل الفني الواحد، وكيف يصنع الوعي العاطفي فارقًا في تقييم الأعمال الفنية، ولماذا قد نغير رأينا في العمل الفني بعد مدة.
ماذا يعني الشعور؟
الشعور (Feeling) هو الاستجابة الذاتية والواعية التي يختبرها الإنسان نتيجة لتفاعل معقد بين 3 عناصر رئيسية:
- المحفز الخارجي أو الداخلي: (حدث، ذكرى، فكرة، أو عمل فني).
- التغيرات الفسيولوجية والبدنية: (مثل تسارع ضربات القلب عند الخوف، أو الاسترخاء عند التأمل).
- التفسير المعرفي (Cognitive Interpretation): كيف يترجم عقلك تلك الإشارات البدنية بناءً على خبراتك وقناعاتك.
أسباب اختلاف الآراء والتذوق الفني
تنوع الآراء تجاه العمل الفني الواحد ليس عشوائيًا، بل يعود لتقاطع مجموعة من الأبعاد النفسية، والمعرفية، والاجتماعية لدى كل متلقٍّ، وفي ما يلي [أسباب اختلاف الشعور الفني] وتعدد الآراء تجاه العمل الفني الواحد:
1. الأسباب النفسية والشعورية (العدسة الذاتية)
- الإسقاط النفسي والذكريات: يرى كل شخص في العمل الفني جزءًا من قصته الشخصية؛ فمقطع موسيقي حزين قد يبعث السكينة في نفس شخص يمر بمرارة الفقد، في حين يراه آخر كئيبًا لأنه لا يملك نفس الروابط الشعورية.
- مستوى الوعي العاطفي: الأشخاص الأكثر قدرة على فهم وتفكيك مشاعرهم يتفاعلون مع الفن بعمق أكبر، في حين يكتفي صاحب الوعي السطحي بالإعجاب الظاهري أو الرفض المباشر.
- الحالة المزاجية الوقتية: تقييمك للوحة أو فيلم سينمائي وأنت في قمة الإرهاق النفسي يختلف تمامًا عن تقييمك له وأنت في حالة ذهنية صافية ومبتهجة.
2. الأسباب المعرفية والتراكمية (الوعي الفني)
- التراكم المعرفي والتفكير النقدي: فهم خلفية العمل الفني، المدرسة الإبداعية التي ينتمي إليها، والرموز المستخدمة يغير التقييم من انطباع عاطفي إلى تفاعل معرفي واِستشعاري متكامل.
- نضج الذائقة مع الزمن: مع كثرة الاطلاع والقراءة والمشاهدة، تتطور ذائقة الإنسان وتتغير مرجعياته؛ العمل الذي يبهرك في مرحلة الشباب قد تراه عاديًا أو مكررًا مع نضج خبراتك.
- الاعتياد الجمالي: الأفكار أو الأساليب الفنية المبتكرة تثير دهشة عالية في البداية، لكن تكرار التعرض لها يقلل حدة التأثر الشعوري بها بمرور الوقت.
3. الأسباب السياقية والاجتماعية (العوامل الخارجية)
- تأثير الهالة (Halo Effect) وشهرة الفنان: اسم صاحب العمل وقيمته السوقية أو التاريخية يصنعان انحيازًا مسبقًا لدى المتلقي؛ فمعرفة أن اللوحة لبيكاسو تجعل العقل يفسر خطوطها البسيطة على أنها عبقرية مسبقًا.
- الخلفية الثقافية والاجتماعية: البيئة التي نشأ فيها الإنسان تحدد القيم الأخلاقية والجمالية التي يقيس عليها، ما يجعل بعض الأعمال سريالية ومقبولة لثقافة معينة، ومبهمة أو مرفوضة لثقافة أخرى.

هل تتعارض المعايير العامة والذاتية في التفاعل مع الفن؟
من المفترض ألا تتعارض المعايير العامة والمعايير الذاتية في تلقي الفن والتفاعل مع الأعمال الفنية، حيث تؤدي المعايير العامة وظيفتها في وضع قواعد يتفق عليها المختصون وتسهل التلقي على الأشخاص العاديين. أما القواعد الذاتية فهي لا تخضع لقوانين محددة، وإنما تعتمد على الكثير من الأمور الشخصية مثل الذوق والثقافة والارتباط العاطفي والاهتمامات الفنية والحاجة النفسية والمزاج وغيرها.
قليلًا ما يحدث تعارض بين المعايير العامة والذاتية، وهو غالبًا ما يعود إلى بعض النقاد الذين يحاولون فرض عمل ما لكونه متقنًا على مستوى المعايير العامة، في حين هو غير كافٍ على المستوى الشعوري الذاتي. وفي كل الحالات، لا يوجد قانون أو قاعدة تضغط على الشخص وتجعله يرى العمل الفني أو يتفاعل معه كما يراه أو حتى الأشخاص الآخرون، وإنما الحرية في الإبداع والفن تكفل حرية أخرى في التلقي والتفاعل.
وفي الأخير، تبقى المعايير العامة ضرورية لضبط القيم الفنية، ولكي تشير للعامة على مواطن القوة والضعف في العمل الفني، في حين المعايير الذاتية تصنع حالة الاستمتاع والتفاعل الإنساني مع العمل الفني.
لماذا يتغير شعورنا بالعمل الفني من وقت لآخر؟
تغير الرأي أو رد الفعل تجاه الأعمال الفنية أمر طبيعي؛ لأن الإنسان نفسه يتغير مع الوقت نتيجة اكتساب مزيد من الخبرات أو تغير الحالة المزاجية، وعلى هذا تتغير العدسة الذاتية وقدر التفاعل مع الأعمال الفنية للأسباب التالية:
- نضج الذائقة: مع الوقت ومع مشاهدة كثير من الأعمال الفنية وكثير من القراءات واكتساب الخبرات الحياتية، تحدث حالة من النضج على مستوى الذائقة في كل أمور الحياة ومنها في الفن، وبذلك يصبح الشخص أكثر عمقًا وأصعب إرضاءً وأقرب إلى المشاركة الإبداعية في رؤية العمل الفني.
- الحالة المزاجية: لأننا بشر وحالتنا المزاجية لا تستقر على وضع واحد، فغالبًا تؤثر حالتنا المزاجية الوقتية والمرحلية على تفاعلنا مع الأعمال الفنية. فعندما يكون الشخص حزينًا قد يجد العزاء في لوحة فنية هادئة، وعندما يكون سعيدًا ربما يرى هذه اللوحة كئيبة وغير مناسبة ويبحث عن لوحة أخرى ذات ألوان صاخبة لتتواءم مع حالته النفسية.
- السياق الشخصي: في كثير من الأحيان يربط الناس الفن بالسياق الشخصي لحياتهم، وعندما تتغير الأمور وتتبدل الأحوال، قد ترتبط تلك الأعمال الفنية لديهم بذكريات أو حالات أخرى، وبذلك تتغير المشاعر والآراء.
- الاعتياد الجمالي: من الأمور الشائعة والطبيعية أن يؤثر الاعتياد على العمل الفني ومشاهدته أو التفاعل معه عدة مرات على مدى التأثر الشعوري والعاطفي به، حيث يقل الانبهار حتى يصبح العمل عاديًا في مرحلة ما مقارنة بأعمال أخرى ربما تكون أقل منه جودة، إلا أنها غير معتادة.
- اكتشاف التفاصيل: في كثير من الأعمال الفنية، يكون الانبهار في المرات الأولى أكبر من مناقشة العمل وتحليله واكتشاف التفاصيل. ومع الوقت، تتكشف كثير من الأمور التي تغير وجهة نظرنا، وهكذا في أعمال لا تحقق النجاح من النظرة الأولى، وإنما مع الوقت تظهر الكثير من التفاصيل العبقرية.
- تغير القيم والقناعات: من الطبيعي أن يغير الناس أفكارهم وقناعاتهم وربما أفعالهم مع الوقت، وهو ما يكون له تأثير كبير على نظرتهم الفنية. فعلى سبيل المثال، في سن الشباب يكون الشخص أكثر ميلًا للفوضى، في حين في الكبر يتم التقييم الفني بناءً على منظومة الأخلاق التي تتشكل مع العمر.
هل يؤثر اسم الفنان وشهرته على مشاعر المشاهدين؟
في الحقيقة، نعم، توجد ظاهرة معروفة في علم النفس باسم (تأثير الهالة) التي تؤثر بدورها على تقدير العمل الفني ومشاعر المشاهدين بسبب سمعة وشهرة واسم صاحب العمل التي تتلاعب بتصوراتهم كالتالي:
- الانحياز المسبق: إذا أخبرت الناس أنهم سيشاهدون لوحة عالمية للفنان ليوناردو دافنشي أو بيكاسو، فإنهم ينحازون بشكل لا إرادي إلى الإعجاب حتى قبل رؤية اللوحة، حتى لو كانت اللوحة مجرد خطوط بسيطة، إلا أنهم يشعرون بالقيمة والرهبة والانبهار.
- رفع سقف التوقعات: كلما كان صاحب العمل مشهورًا كانت هناك توقعات عالية بخصوص الأعمال التي سيقدمها في المستقبل، وبذلك يكون الأمر سلاحًا ذا حدين عند ظهور العمل، فإما الإعجاب الشديد أو النقد السلبي وشعور المشاهد بأنه تعرض للخداع.
- القيمة المادية: من الأمور التي تؤثر في مشاعر الناس في التعامل مع الأعمال الفنية هو معرفة قيمتها المادية مسبقًا، فاللوحات التي تُقدَّر بملايين الدولارات قادرة على إثارة الإعجاب والمشاعر القوية بغض النظر عن قيمتها الجمالية.
- السياق التاريخي: هناك أيضًا الأعمال التي لها تاريخ كبير التي ترتبط بفنانين كبار كان لهم تأثير في الحركة الفنية، وهو ما يجعل المشاهد يشعر بأنه لا يتعامل مع العمل الفني وإنما يتعامل مع جزء من التاريخ الإنساني، مما يولد لديه شعورًا بالسمو والفخر والعظمة.
- تجارب عملية: للتأكيد على هذا الكلام، فقد جرى إجراء تجارب عملية عدة لعرض أعمال فنية لفنانين كبار باعتبارها أعمالًا للطلاب المبتدئين والعكس، وهو ما أظهر أن تقييمات النقاد والمشاهدين كانت عالية للأعمال التي تحمل اسم المشاهير ومنخفضة للأعمال الأخرى.

هل الرسم يعبر عن الحالة النفسية؟
نعم، الرسم يعبر عن الحالة النفسية للمشاهد بنفس القدر الذي يعبر به عن راسم اللوحة. فالعمل الفني مرآة سيكولوجية؛ تختلف طريقة استجابتك وتفاعلك العاطفي مع خطوطها وألوانها باختلاف حالتك المزاجية وتجاربك الدفينة.
فعندما تألف لونًا معينًا أو تشعر بالراحة أمام مساحة فارغة في اللوحة دون غيرها، أو عندما تثير فيك رسمة معينة مشاعر الخوف، أو السكينة، أو حتى النفور، فإن ذلك لا يرجع فقط لمقصد الفنان، بل للإسقاط النفسي الذي يمارسه عقلك الباطن، ما يحيي في اللوحة مشاعر تترجم ظرفك النفسي ووعيك العاطفي في تلك اللحظة بالذات.
أذكر في إحدى زياراتي لمعرض فني قديم، وقفت أمام لوحة كلاسيكية شهيرة، وفي ذلك الوقت من شبابي المبكر، وجدتها لوحة باهتة ومملة ولا تثير في نفسي أي شعور سوى الرتابة. مرت السنوات، وخضت خلالها تجارب حياتية عميقة بين قراءة وسفر وفقدٍ ومسؤوليات. وحين عُدت للوقوف أمام اللوحة ذاتها بعد عقد من الزمان، وجدتني أتأملها ساعة كاملة، وقد لامست ألوانها الصامتة أوتارًا عميقة في روحي حتى كادت تدمع عيناي! اللوحة لم تتغير قيد أنملة، تفاصيلها كما هي، لكن العدسة التي أنظر بها هي التي تبدلت.
بصفتي رسَّامًا ومتذوقًا للفنون، أؤكد دائمًا أن التذوق الفني ليس معادلة رياضية جامدة، بل هو حوار حي ومستمر بين نضج المتلقي وروح العمل الفني. الوعي العاطفي هو المفتاح الحقيقي الذي يفك شفرات الفن؛ فكلما اتسع وعيك بذاتك وبمشاعرك، تحولت الأعمال الفنية من ألوان على قماش أو كلمات على ورق إلى مرايا صادقة تظهر أعماقك الإنسانية.
لماذا يتفاعل الناس بشكل مختلف مع الأعمال الفنية؟
يتفاعل الناس بشكل مختلف لأن التذوق الفني يمر عبر "عدسة ذاتية" تتكون من خبراتهم السابقة، وذكرياتهم، ومستوى وعيهم العاطفي، وحالتهم المزاجية في لحظة المشاهدة، بالإضافة إلى خلفيتهم الثقافية والاجتماعية.
ما هي الأسباب التي تجعل الناس ينظرون إلى الفن بشكل مختلف؟
تعود الأسباب إلى عوامل نفسية (مثل الإسقاط النفسي)، ومعرفية (حجم الاطلاع التراكمي)، وسياقية (تأثير الهالة واسم الفنان). فالفن ليس حقيقة رياضية ثابتة، بل هو استجابة مرنة تتغير بتغير المشاهد.
في ختام رحلتنا للتعرف على أسباب اختلاف وتغير مشاعرنا تجاه العمل الفني الواحد، يتضح لنا أن الفن مرآة حية تظهر دواخلنا، ووعينا العاطفي، وتجاربنا الحياتية المتجددة. إن هذا التباين والتنوع في التذوق لا يقلل من قيمة الفن، بل هو سر جوهره الذي يضمن له الاستمرارية ويمنحه حياة جديدة مع كل قراءة وتأمل.
نتمنى أن نكون قد قدمنا لك رؤية ممتعة وإضافة قيّمة لتجربتك الفنية القادمة. ويسعدنا جدًا أن تشاركنا في التعليقات: هل سبق أن غيرت رأيك تمامًا في عمل فني بعد مرور سنوات؟ وما هو العمل الذي لمسك بشكل خاص؟ لا تنسَ مشاركة المقال عبر حساباتك على مواقع التواصل الاجتماعي لتعم الفائدة والتفاعل بين جميع محبي الفن.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.