اختلاف الثقافات وتأثير الغربة على شخصية الإنسان

قد تحدثت مرارًا وتكرارًا عن الغُربة وطبيعتها والاغتراب العاطفي، وهأنذا أتابع حديثي عن الاغتراب الثقافي، فمَن تختلف ثقافته عن ثقافة غيره في وطن واحد يصير غريبًا بينهم، لكون الثقافة الواحدة هي لغة التواصل بين الأجيال.

اقرأ أيضاً مفهوم الثقافة والمعرفة الإنسانية وعلاقتها بالعلوم الأخرى

ما تعريف الثراء الاقتصادي؟

وأضرب مثلًا على ذلك، حكاية سردها لي أحد المغتربين في إحدى الدول، قاصًّا أن معه أموالًا طائلة تملأ زكائب، وسيأخذها إلى مصر بعد سنوات كثيرة من الغربة.

فرددت عليه: "ذلك ثراء لاقتصادنا، بيد أنه سيعوزك الأُنُس بالناس؛ فكما كنت غريبَ الأهل هنا، فستكون غريب الثقافة هنالك".

فتساءل قائلًا: ولِمَ؟ فأجبته: لأن ثقافتك أمست غريبة عن ثقافتهم، لكون الثقافة هي نتاج مجموع الذكريات والمُعاناة والمشاركات الشجية والهنية، والعادات والتقاليد المشتركة بين الجميع في الوطن الواحد، وأنت في تلك المدة لطالما ابتعـدت عن الوطن لجلب المال.

اقرأ أيضاً الثقافة بين المفهوم والممارسة وعلاقتها بالتربية والعولمة

تعريف الثقافة

العنصر المادي ذو النفع المزدوج بينك وبين وطنك.

العنصر المعنوي الثقافي

في حين لم تُوفق في العنصر المعنوي، وهو المشاركة في المناسبات المتنوعة بين الأشخاص سواء في السرَّاء أو الضرَّاء أو الردى أو الرضى، وقد اكتسبت ثقافة خارجية قد تزيد على ثقافاتهم، إلا أنها مُغايرة لهم تمامًا، ومن ثَم تغدو منبوذًا وسطهم، وهذه طبيعة الناس، وحينها يتحرك المرض النفسي.

الحُب الضائع

فوقتما تحن لحبيبتك يومًا ما عند عودتك فتجدها زوجة رجلٍ آخر وقد أنجبت منه أطفالًا، فحتمًا ستنكر وجودك وقد أسدلت ستائر النسيان على ذلك الماضي، الذي كان مُفعمًا بالأمل وتدفق الحياة، وإذا حادثتها ستتضرع إليك دامعة للرجوع من حيث أتيت، مجامِلة لك بالترحُم على أيامك الخالية.

لن تعود ولن تفوت

فقد أضحى حُبًّا ضائعًا إذا أَحْيَيته فلن يجلب إلا الخراب والدمار، فأين من عينيك هاتيك الليالي، وهي تنصت لإخباريات "سجع القماري"؟ فقد تعود البشر عندما يسمعون سجع صوت القمري أن يقولوا إن غائبًا سيعود، وأنت يا صديقي لن تعود ولن تفوت، وتذكر قوله تعالى: {وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}. ناهيك بقوله سبحانه وتعالى: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ}.

اقرأ أيضاً كيمياء الثقافة والأدب

أهمية الثقافة

فالثقافة مهمة لأي إنسان في الكون، فهي لغة التداول الاجتماعي، وعلى ركائزها ينشأ المجتمع وينتشر الدين، فمجتمع بلا ثقافة لا هوية له ولا إيمان. وليس كل مُتعلم مثقفًا، ولكن المثقفين متعلمون.

ومن الممكن أن يكون الأميُّ مثقفًا بما يُحصله من معلومات شفهية أو بصرية أو سماعية، وبذلك تكون لديه حصيلة معلوماتية كبيرة يمارسها في المجالس العامة والمجتمعات دون حاجة إلى العلم والقراءة والكتابة؛ لأن العلم والتعليم جُعل للابتكار والاختراع والاكتشافات التي تخدم المجتمع.

العلم للعلم والعلم للمجتمع

فالعلم للعلم كونه محصلة علمية تكنولوجية أكاديمية تُضاف إلى بقية العلوم الأخرى، أما العلم للمجتمع؛ لأنه يعود عليه بالنفع، فمثلًا لو قلنا اختراع التلفاز فهو إضافة علمية تضاف إلى بنك المعلومات.

ويعود على المجتمع بفوائده الجمة، مثل مشاهدة الأفلام والمسلسلات وبرامج التوعية، ومعرفة الأخبار العالمية في وقتها، وتقريب المعلومة إلى أذهان المشاهدين، والاستمتاع بالتلفزيون الملون ورؤية المشاهد الطبيعية الخلابة ملونة لتسلية المشاهد وزيادة ثقافته.

ومثال آخر عن اختراع القطارات، فهي إضافة للعلم ويعود نفعها على المجتمع بتسهيل الانتقالات وسرعتها بين البلاد، ناهيك بالطائرات والبواخر وغيرها.

ومن ثَم نقول: العلم للعلم والعلم للمجتمع، فبعض الناس في هذا الحين يهتمون بتحصيل العلوم بعيدًا عن الثقافة، فينقصهم شق عن الشق الآخر، ومن ثَم أرى أنه لا بد من التكامل بين الشقين العلمي والثقافي؛ لأن كليهما يكملان بعضهما.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة