رائز الذكاء أو اختبار الذكاء هو اختبار قياس نفسي لتقييم ذكاء الإنسان؛ يعتمد مقاييس علمية في مسائل متعددة الاختيارات في مجالات شتى، ويسند قيمة عددية لذكاء الذي يُختبر. و«اختبره» بمعنى فحصه ليعرف حقيقتَه، أي حقيقة ذكائه وقيمته.
ويستعمل الباحثون العرب مصطلحي «اختبارات الذكاء» و«روائز الذكاء»، وأُرجِّح استعمال كلمة «الرائز» لأنها تختص بالقياس النفسي. أما كلمة «اختبار» فهي أعم؛ لأنها تُستعمل في العلم المذكور، كما تُستخدم في المجال المدرسي بمعنى الامتحان بأنواعه كافة، وفي المجال الطبي والصحي أيضًا.
أما عن أصل الكلمة لغويًّا، فنجد في لسان العرب لابن منظور: «الرَّوْزُ: التَّجْربَةُ، رَازَه يَروزُه رَوْزًا: جَرَّبَ ما عنده وخَبَرَه. والرَّوْزُ الامتحان والتقدير. يُقال: رُزْتُ ما عند فلان إذا اختبرته وامتحنته. المعنى: يمتحنك ويذوق أَمرك، هل تخاف لائمته أَم لا؟ ومنه حديث البُراق: فاستصعب فَرازَه جبريلُ، عليه السلام، بإِذنه، أي اختبره. ويقال: رُزْ فلانًا ورُزْ ما عند فلان. ورَازَ الحَجَرَ رَوْزًا رَزَنَه ليعرف ثقله».
و«الرَّازُ» هو «رأْسُ البنَّائين»، قال: «أُراه لأَنه يَرُوزُ الحجر واللَّبِنَ ويُقَدِّرُهما»، والجمع «الرَّازَةُ»، وحرفته «الرِّيازَةُ». قال: «وقد يُستعمل ذلك لرأْس كل صناعة». وقال أبو منصور: «كأَنه جعل الرازَ، وهو البَنَّاء، من رَازَ يَروزُ إذا امتحن عَمَله فَحَذَقَه وعاود فيه». وقال ابن الأعرابي: «رَازَى فلانٌ فلانًا إذا اختبره». وفي المعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية بالقاهرة: «رَازَهُ الدِّينارَ: وزَنه حتى يَعلم مقداره».
فـ«رائز» اسم فاعل من «رَازَه يَروزُه رَوْزًا»، وجمعه على وزن فواعل «روائز». ومن معانيه: تجريب ما عند الإنسان، واختباره، والامتحان، والوزن، والتقدير لتُعرف القيمة والمقدار.
مساهمة الحضارة الصينية في اختبار الذكاء
استخدمت الامتحانات أداة لاختيار موظفي الدولة في الحضارة الصينية القديمة في العهد الإمبراطوري، لكنها كانت امتحانات ذات طابع ثقافي علمي مدرسي، وليست اختبارات (روائز).
الإضافة هنا هي استخدام الكفاءة في الانتداب، واستعمال أدوات إعانة على اختيار أعوان الدولة، كما هو الحال بواسطة الاختبارات (الروائز). ويعد بعض الباحثين هذا الأمر من أوائل مظاهر استخدام الروائز في التاريخ.
مساهمة الحضارة العربية في اختبار الذكاء
كانت بداية هذه الاختبارات في الحضارة العربية بكتابي ابن الجوزي عن الأذكياء والأغبياء ومرحلة تحديد الذكاء بالعلامات والسمات والخصائص والمظاهر الجسدية والهيئات.
فألّف ابن الجوزي أبو الفرج عبد الرحمن، وهو فقيه حنبلي ومحدث ومؤرخ (510هـ/1116م - 597هـ/1201م)، كتابي: (الأذكياء) و(أخبار الحمقى والمغفلين). واعتمد فيهما، على غرار كثير من كتب التراث، على النقل والأخبار. ويرى أن العقلاء يتفاوتون في موهبة العقل. وقال أيضًا: «وبعد، فإن الناس يتفاوتون في العقل وجوهره ومقدار ما أُعطوا منه؛ فلهذا يتفاوت الحمق».

وهذا من المنطلقات الأساسية لروائز الذكاء. وقال أيضًا: «وأما محله (يعني العقل)، فنُقل عن أحمد أن محله الدماغ، وهو قول أبي حنيفة، وذهب جماعة من أصحابنا إلى أنه في القلب، كما يُروى عن الشافعي».
كما نقل عن الحكماء قولهم: «إذا كان الرأس صغيرًا رديء الشكل، دلّ على رداءة في هيئة الدماغ».
وعن جالينوس قوله: «لا يخلو صغر الرأس البتة من دلالة على رداءة هيئة الدماغ».
ربط الجمجمة بالذكاء
وقد اهتم علماء الغرب، بداية من القرن الثامن عشر، بربط حجم الجمجمة بالذكاء. ومن أول العلوم في المجال علم الدماغ «phrénologie» الذي يعده العقل الحديث والمعاصر علمًا زائفًا، وهو أقرب إلى الفراسة. وقد اخترعه الطبيب فرانز جوزيف غال «Franz Joseph Gall» (1758-1828) في فيينا في نهاية القرن الثامن عشر. أراد بواسطته معرفة القدرات العقلية، بل أيضًا سمات الشخصية بواسطة شكل الجمجمة.
وقد صرَّح غال بأنه بدأ كتاباته وبحوثه بعد ملاحظته الذاكرة الممتازة التي أظهرها ذوو العيون البارزة؛ لذلك افترض وجود علاقة سببية بين القدرة العقلية والسمات الجسدية.
وقرَّر التحقق مما إذا كان من الممكن ربط المواهب الأخرى بمطابقة دقيقة للجمجمة. وبدأ تحقيقًا واسعًا جعله يراقب الحيوانات والبشر الذين يتميزون بسمات شخصية محددة: الشعراء، وعلماء الرياضيات، والفلاسفة، والموسيقيون، والممثلون، والطهاة، ولكن أيضًا المجانين، واللصوص، والقتلة. وتحقق لديه أن شكل الجمجمة يشير إلى حالة القدرات المختلفة، وتوصّل إلى ربط كل وظيفة عقلية بمنطقة من الدماغ، وهو ما سيثبت كثيرًا منه بعده في علوم الأعصاب.
وتختلف المصادر في أول من صاغ مصطلح «phrénologie» واستخدمه أول مرة؛ هل هو عالم وظائف الأعضاء الألماني وتلميذ غال يوهان غاسبار سبورزهايم «Johann Gaspar Spurzheim» عام 1810، أو العالم البريطاني توماس إغناتيوس ماريا فورستر «Thomas Ignatius Maria Forster» عام 1815؟
وقد استعمل غال، لما كان يدرسه، مصطلح «فن فحص الجمجمة» «cranioscopie»، وليس في هذا اللفظ ادعاء بأنه في مجال علمي متكامل. وأصبح بعده يُطلق على فن فحص الجمجمة لتقييم القدرات الفكرية والأخلاقية، ويُعد تقنيةً وجزءًا من علم الدماغ.
وأجرى خمسة باحثين من جامعات أوروبية دراسة نُشرت في أكتوبر 2015 في مجلة علمية ألمانية ذات قيمة وصيت عالمي، عنوانها ومصدرها ومؤلفوها كالتالي:
Neuroscience & Biobehavioral Reviews, Volume 57, October 2015, Pages 411-432
Meta-analysis of associations between human brain volume and intelligence differences: How strong are they and what do they mean?
By Jakob Pietschnig, Lars Penke, Jelte M. Wicherts, Michael Zeiler, and Martin Voracek.
نفى فيها الباحثون المذكورون أعلاه الارتباط بين حجم الدماغ والأداء الفكري للإنسان. وكانت عينة هذه الدراسة 8000 شخص، ووقع معاينة أدمغتهم بواسطة التصوير بالرنين المغناطيسي «MRI»، كما اعتمدوا على 88 دراسة في هذا الموضوع. وخضع المشاركون لاختبار الذكاء، وتوصَّلوا إلى النتيجة التالية: الأشخاص الذين لديهم أدمغة أكبر كان أداؤهم أقل من المتوسط.
وبمقارنة دماغ الإنسان بأدمغة بعض الثدييات الأخرى، نجد أن دماغ الفيل يزن نحو 5 كيلوغرامات مقارنةً بـ1.35 كيلوغرام للإنسان. أما دماغ حوت العنبر، فيبلغ وزنه نحو 9 كيلوغرامات؛ ما يدل قطعيًّا على ألا علاقة لحجم الدماغ بالذكاء.

وبتشريح دماغ أينشتاين الذي حُفظ بعد وفاته لدراسته، لاحظ الأطباء الذين أجروا دراسته أنه أصغر من المتوسط «1230 غرامًا». ومن ناحية أخرى، قدَّم دماغ الفيزيائي تنظيمًا معقدًا، خاصة في المناطق التي تسمح بالتفكير.
وخلصت الدراسة إلى أنه لا علاقة لحجم الدماغ بالذكاء، ولكن يكون تفسير عوامل الذكاء الحاسمة بـ«ترتيب القشرة المخية، والدماغ المتوسط، والمخيخ، إضافة إلى الاتصال الجيد بين المادة البيضاء والمادة الرمادية».
وأكَّد هؤلاء الباحثون أنه على الرغم من أن حجم دماغ الرجل أكبر في المتوسط من دماغ المرأة، فإن قدراته الفكرية ليست أكثر تطورًا.
وكل هذا يدل على أن العلاقة بين الدماغ والذكاء لا تزال محل جدال.
هل توجد علامات تدل على الذكاء؟
وذكر ابن الجوزي طرفًا من الصفات الجسمية والهيئات التي تدل على الذكاء أو الحمق. فقال في كتاب الأذكياء: «وإذا غلظت الرقبة دلت على قوة الدماغ ووفوره. ومن كانت عينه تتحرك بسرعة وحدة، فهو مكار محتال لص. وأحمد العيون الشهل. وإذا لم تكن الشهلاء شديدة البريق ولا يظهر عليها صفرة ولا حمرة، دلت على طبع جيد. وإذا كانت العين صغيرة غائرة، فصاحبها مكار حسود. ومن كان نحيف الوجه، فهو فهم مهتم بالأمور. واللطف في التحاف القصار أظهر. والمعتدلون في الطول صالحو الحال».
وذكر هيئات تدل على الحمق. فقال: «فإذا قصرت الرقبة، دلت على ضعف الدماغ» و«إذا كانت العين كأنها ناتئة وسائر الجفن لاطئ، فصاحبها أحمق» و«الشعر على الكتفين والعنق يدل على الحمق، ومن العلامات التي لا تخطئ طول اللحية، فإن صاحبها لا يخلو من الحمق».
ومع أنَّ العقل الحديث يرفض هذا، فإني عثرت في موقع إنترنت لا فائدة في ذكر عنوانه، يذكر 14 خاصية جسدية تكشف عن الذكاء، استنادًا إلى دراسة منسوبة لجامعة إدنبرة الأسكتلندية لم يُحدَّد عنها أي شيء، لا عنوانها ولا من قام بها ولا مصدرها، مما يوحي بأنه زعم كاذب لأسباب معروفة. وهذه هي الصفات بالترتيب التالي:
أولًا: الحجم الكبير.
ثانيًا: كبر حجم ثدي المرأة.
ثالثًا: العيون الزرقاء، ولعلَّ نظرة عنصرية وراء هذا.
رابعًا: كبر حجم الرأس، ولعلَّ الفكر العامي لم يتخلص من هذه الأفكار والصور والقوالب النمطية التبسيطية والأفكار المسبقة والأحكام الخاطئة والعنصرية والتصورات الشائعة التي لا أساس لها.

خامسًا: جبهة واسعة.
سادسًا: نقص التطابق على مستوى الأذنين.
سابعًا: شفتان رقيقتان مبتسمتان.
ثامنًا: ذقن مدبب.
تاسعًا: كثافة شعر الجسد.
عاشرًا: الأنف الروماني.
حادي عشر: الأصابع القصيرة.
ثاني عشر: الأعسر.
ثالث عشر: المرأة غليظة الوركين.
رابع عشر: أن يكون الوزن متوسطًا، أي غير سمين ولا نحيف.
ومن يدلني فيمَ تختلف هذه الدراسة عما سطَّره ابن الجوزي؟ بالطبع باستثناء الأفكار التي فيها تحيز. ويتهم كثير ممن يدَّعون التحضر من يقرأ كتب التراث بأنهم خارج الزمان وفاتهم الركب.
واستدل ابن الجوزي على ذكاء العاقل وغباء الأحمق بالأفعال والأقوال، وتسند الروائز قيمة الذكاء بسبب إجابات على مسائل افتراضية وليست واقعية مستمدة من الحياة اليومية.
وقال ابن الجوزي في كتاب الأذكياء: «معلوم أن فطن الأنبياء فوق الفطن»، فجعل الأنبياء أذكى البشر، وهذا يظهر ما كان يعتقده أهل ذلك الزمان والمسلمون. ثم ذكر بالترتيب أخبار أصحاب نبينا، عليه الصلاة والسلام، فالخلفاء، فالوزراء، فالسلاطين والأمراء والحجاب والشرطة، فالقضاة، فكبار علماء هذه الأمة وفقهائها، فالعباد والزهاد، فالعرب وعلماء العربية، فمن غلب من العوام بذكائه كبار الرؤساء، فالشعراء والمداحين، فحيل المحاربين، فالمتطببين، فالمتطفلين، ففطن المتلصصين، ففطناء الصبيان، فعقلاء المجانين، فالنساء المتفطنات، فالحيوان البهيم مما يشبه ذكاء الآدميين. وأظن أن الترتيب لا يدل على ترتيب المذكورين حسب ذكائهم، وإنما يدل على اختصاص كل منهم بنوع من الذكاء.
وعقد ابن الجوزي الباب الحادي والعشرين لمن غلب من العوام بذكائه كبار الرؤساء، والباب الثاني والعشرين لأقوال وأفعال صدرت من أوساط الناس وعوامهم تدل على قوة الذكاء. وهذا يدل على أن الذكاء عنده ليس حكرًا على النخبة الاجتماعية والسياسية والثقافية والمهنية العليا وحدها، وينمُّ عن أنه يقف على مسافة واحدة من كل طبقات المجتمع ودرجاته ومكوناته، وأنه يحترمها كلها.
وقد عدَّ هذا الفقيه أن الحمق غريزة. ويعني بالغريزة الطبيعة المتأصلة الثابتة في الإنسان والطبع الذي لا يتغير. ونقل عن بعضهم قوله: «إذا بلغك أن أحمق استفاد عقلًا، فلا تصدق». وقبله قال أبو الطيب المتنبيّ (303-354هـ/ 915-965م):
لكل داءٍ دواءٌ يُسْتَطَبُّ بهِ إلاّ الحماقَةَ أَعيتْ من يُداويها
وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «ما خلق الله من داء إلا وجعل له شفاء، علمه من علمه، وجهله من جهله، إلا السّامّ». رواه ابن ماجه. والسَّامُّ الموت.
ولإبداء رأي مجمل في كتابي ابن الجوزي، يُستنتج أنه على الرغم من أن دراسة الذكاء مزلة للسقوط في نظرات عنصرية واحتقار للنساء، وعلى الرغم من أن دراسة الذكاء مطية للأهواء، فقد كانت آراء هذا الفقيه المسلم مشرفة للحضارة العربية الإسلامية في هذا المجال.
👍👍👍
شكرا لك.
مرحبا بك من جديد...افتقدت تعليقاتك.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.