أحمد زكي أبو شادي رائد مدرسة أبوللو.. ثورة الرومانسية

في الثاني عشر من إبريل، نستذكر رحيل أحمد زكي أبو شادي الشاعر المصري الكبير مؤسس مدرسة أبوللو الذي قاد ثورة شعرية رومانسية في وجه النقد المحافظ، واجه أبو شادي تحديات جمة من عمالقة الأدب كالعقاد والمازني وطه حسين، لكنه استطاع أن ينقل القصيدة العربية إلى آفاق جديدة، وكان من أوائل رواد الشعر الحر. انضم إلينا في هذه الجولة المعرفية لاستكشاف أهم محطات حياة أبو شادي في مصر وإنجلترا وأمريكا، ونستلهم من إبداعه وريادته في عالم الشعر والأدب.

كان أحمد زكي أبو شادي أحد هؤلاء الشعراء والأدباء والمثقفين الذين قرروا السباحة ضد التيار وواجهوا كثيرًا من النقد الذي جعل بعضهم يتراجع، وبعضهم يتوارى عن الأنظار، في حين كان على أصحاب التجربة الجادة مواجهة النقد والاستمرار في الكتابة والسعي إلى تحقيق النتائج في ظل الظروف الصعبة، فكان الشاعر المصري الكبير أحمد زكي أبو شادي الرائد الذي أسَّس مدرسة أبوللو أحد رواد الرومانسية العربية الحديثة وناقد المحافظين.

المولد والنشأة

وُلِد أحمد زكي أبو شادي في القاهرة، وتحديدًا في حي عابدين، يوم 9 فبراير عام 1892، لأسرة ذات شأن كبير وثراء واسع، إذ كان والده نقيبًا للمحامين وأحد أعضاء حزب الوفد، إضافة إلى كونه خطيبًا مفوهًا على منابر الأزهر، وكانت أمه السيدة أمينة محمد نجيب التي كان لها أنشطة أدبية محدودة، لكنها كانت واسعة الثقافة وتنتمي إلى عائلة كبيرة، وكان أخوها الشاعر المعروف محمد نجيب.

وُلِد أحمد زكي أبو شادي في القاهرة في حي عابدين يوم 9 فبراير 1892 لأسرة ذات شأن كبير وثراء واسع

كان منزل الأسرة في سراي القبة مركزًا للاجتماعات الأدبية كل أسبوع، فيأتي إليه كبار رجال الأدب والشعر والثقافة والسياسة أحيانًا، وهو ما كان جوًّا مناسبًا للفتى الصغير أحمد زكي كي يكتسب الزخم والثقافة، إضافة إلى اهتمام والده الكبير بتعليمه وتثقيفه وإعطائه النصائح وتشجيعه على كتابة الشعر وإلقائه بين الضيوف الكبار.

تعلَّم أحمد زكي أبو شادي في إحدى مدارس السيدة زينب، ثم إحدى مدارس عابدين، وأكمل تعليمه في مدرسة التوفيقية السنوية. وحين انفصل والده عن والدته، دخل أحمد زكي أبو شادي القسم الداخلي في المدرسة، ثم التحق بكلية طب القصر العيني، لكنه لم يكن طالبًا متفوقًا ولم يستطع إنهاء دراسته للطب في مصر؛ ما دفع والده إلى إرساله لإكمال تعليمه في بريطانيا عام 1913، وحصل على شهادة الطب عام 1915، وتخصص في علم الجراثيم، وأكمل دراسته العليا في لندن.

حياة أحمد زكي أبو شادي

ربما لم يكن أحمد زكي أبو شادي فقيرًا أو مشغولًا بجمع المال من أجل لقمة العيش، لكنه واجه مشكلات عدة وظروفًا صعبة على مدار حياته. ولعلَّ الأمر بدأ مع انفصال والديه، ثم وفاة أمه، وكذلك قصة حبه الفاشلة في ريعان شبابه، عندما تعلق بفتاة اسمها زينب، كانت قريبة لزوجة أبيه، لكنها تزوجت برجل آخر، وهو ما كان له تأثير نفسي قوي في أحمد زكي أبو شادي، جعله يكتب عنها ديوانًا كاملًا باسم زينب.

تزوج أحمد زكي أبو شادي المرة الأولى في حياته بطالبة إنجليزية في أثناء دراسته العليا في لندن، وعمل هناك مدة من الزمن في إحدى مدارس جامعة لندن، وكان اهتمامه الكبير بدراسة حياة النحل، حتى إنه نال عددًا من الجوائز في ذلك المجال، وأصبح أحد المتخصصين الكبار، ليس فقط على مستوى مصر وإنما على الصعيد العالمي، في حين كانت زوجته متخصصة في الدواجن.

كان أحمد زكي أبو شادي يسير على مسارين متوازيين، وهما عمله العلمي المرتبط بالنحل، وكذلك الأدب والشعر، إذ أسَّس جمعية أدبية في إنجلترا في أثناء إقامته هناك، وأسماها "جمعية آداب اللغة العربية"، ثم أسَّس "النادي المصري" في لندن. وكان لا ينقطع أبدًا عن مراسلة الصحف العربية والمصرية من أجل نشر القصائد وكتابة المقالات، مثل صحف (الشعب، والأهالي، والمؤيد)، ومجلات (المقتطف، والهلال).

صورة جماعية لأعضاء جماعة أبوللو الشعرية التي أسسها أحمد زكي أبو شادي

عندما عاد أحمد زكي أبو شادي إلى مصر بعد مرحلة الدراسة والعمل في إنجلترا عام 1922، عُيِّن في معهد الهُجَين في القاهرة، ثم رُقِّي إلى منصب مدير معمل البكتريولوجي في السويس، ثم بورسعيد، ثم أصبح مديرًا لمستشفى الحكومة في الإسكندرية، ومنها نُقل إلى القاهرة. وهكذا كان أحمد زكي أبو شادي يتنقل في عمله من مكان إلى آخر، لكنه لم يتوقف عن ممارسة الأدب، حتى إنه في تلك المدة أصدر عددًا من الدواوين، إضافة إلى تأسيسه جماعة أبوللو الشعرية.

أحمد زكي في بداية الأربعينيات

عاش أحمد زكي أبو شادي مأساة جديدة، وهي مرض زوجته الإنجليزية بداء عضال، وهو ما جعله يفكر في الهجرة إلى أمريكا من أجل تلقي العلاج، لكنها توفيت قبل السفر في مارس 1946. ولكن الشاعر الكبير قد عزم على السفر ومعه أولاده ليعيش في الولايات المتحدة لبقية حياته، ويعمل هناك في الأمم المتحدة مستشارًا للسعودية، ثم مستشارًا لإريتريا، كما عمل في التدريس في بعض المعاهد، إذ كان يُلقي فيها المحاضرات عن الشعر العربي والنثر والنقد.

ومع توغل أحمد زكي أبو شادي في الحياة الأمريكية، ومع انتقاله إلى العاصمة واشنطن، اتجه إلى العمل في راديو صوت أمريكا، وتزوج بامرأة أمريكية ذات أصل إيطالي، وأصدر ديوانًا شعريًّا، والتقى بعدد من أدباء المهجر، وطالبه عدد من المثقفين المصريين بالعودة بعد قيام ثورة يوليو، لكنه قرر أن يبقى في أمريكا لبقية حياته، رغم احتفاظه واعتزازه بالجنسية المصرية حتى آخر عمره.

أدب أحمد زكي أبو شادي

لعلَّ أبرز ما يُميز تجربة أحمد زكي أبو شادي هو كونها تجربة ملحمية غزيرة ومتنوعة، فقد كان الشاعر الكبير يكتب على نحو مستمر في الأشكال كلها، فكان له إنتاج هائل من الشعر القصصي، والشعر الرومانسي، والدراما، والمسرح، والفلسفة، والنثر، واجتهادات في الشعر الحر، وهو ما يدل على ثقافة كبيرة، ونشاط، وطموح هائل، وهو نتيجة إتقانه لعدد من اللغات، وسفره للتعلم في إنجلترا، واطلاعه على الأدب الغربي بأشكاله وأنماطه المختلفة.

كان أحمد زكي أبو شادي من دعاة التجديد والتغيير والتطور، ليس فقط في الشعر، وإنما في الثقافة العربية بوجه عام، وهو ما جعله يقف أمام مدفع النقاد التقليديين، ويصبح في مرمى نيرانهم باستمرار، وعلى رأسهم الكُتَّاب المشاهير: عباس محمود العقاد، والمازني، وطه حسين، وغيرهم. لكن أحمد زكي أبو شادي أكمل طريقه وأسس جماعة أبوللو الأدبية التي ضمت شعراء المذهب الرومانسي، تلك المدرسة التي سادت في أوروبا في تلك المرحلة التي عُدَّت قفزة كبيرة وتطورًا هائلًا للقصيدة العربية بعد المدرسة الكلاسيكية التي كانت تقوم على تقليد القدماء.

وكان أبرز الوجوه في جماعة أبوللو التي أُشْهِرَت جمعيتها عام 1932، كلًا من خليل مطران، وأحمد محرم، وإبراهيم ناجي، وعلي محمود طه، إضافة إلى أحمد زكي أبو شادي المؤسس. وقد اختارت الجماعة أحمد شوقي رئيسًا لها، على الرغم من كونه أحد كُتَّاب المدرسة الكلاسيكية، لكن شوقي قد تُوفي بعد الاجتماع الأول للجماعة بأيام عدة.

لا يخفى على أحد أن أحمد زكي أبو شادي تأثر كثيرًا بالشاعر خليل مطران، وعده أستاذه، وأهداه عددًا من الأعمال نتيجة العلاقة التي نشأت بينهما في الصالون الثقافي في منزل والد أحمد زكي أبو شادي، حتى إن أبا شادي قد أصدر ديوانه الأول عام 1910، وهو لم يزل في الثامنة عشرة من عمره، بتشجيع من خليل مطران.

تأثر أحمد زكي أبو شادي كثيرًا بالشاعر خليل مطران وعده أستاذه وأهداه عددًا من الأعمال

كان أحمد زكي أبو شادي من أكثر الشعراء الذين تعرضوا للنقد اللاذع، وهو ما أدى في الأخير إلى إغلاق المجلة التابعة لجمعية أبوللو، كما دفع أبو شادي أيضًا إلى إصدار دواوينه بعد ذلك في طبعات محدودة النسخ، حتى أصدر مجلة أخرى تحت اسم (أدبي)، ثم توقف عن النشر مدة، واكتفى بالكتابة بالإنجليزية في موضوعات أخرى خلاف الشعر، حتى عاد من جديد عام 1942، وأصدر ديوانه (عودة الراعي) في عدد محدود من النسخ، التي سُلِّمَت باليد لأصدقائه المقربين، وهو ما يوضح كيف كان المناخ صعبًا في تلك المرحلة على أمثال أحمد زكي أبو شادي من دعاة التجديد والتغيير.

أعمال أحمد زكي أبو شادي

كما أوضحنا من قبل، فإن الشاعر والناقد والفيلسوف والطبيب المصري أحمد زكي أبو شادي كان غزير الإنتاج في عدد من الأشكال الأدبية والمجالات المتعددة، إلا أننا نذكر هنا أهم أعماله المنشورة.

  • زينب: نفحات من شعر الغناء- عام 1924
  • أنين ورنين- عام 1925
  • شعر الوجدان- عام 1925
  • الشفق الباكي- عام 1926
  • وطن الفراعنة: مثل من الشعر القومي- عام 1926
  • ذكرى شكسبير - عام 1926
  • إحسان- عام 1927
  • الآلهة- عام 1927
  • زينوبيا ملكة تدمر- عام 1927
  • قطرتنا من النثر والنظم-عام 1927
  • أشعة وظلال- عام 1928
  • أردشير وحياة النفوس- عام 1928
  • الشعلة- عام 1933
  • إخناتون فرعون مصر- عام 1933
  • أطياف الربيع- عام 1933
  • أنداء الفجر- عام 1934
  • الينبوع- عام 1934
  • فوق العباب- عام 1935
  • الكائن الثاني- عام 1935
  • عقيدة الألوهة- عام 1936
  • عودة الراعي- عام 1942
  • مملكة العذارى- عام 1948
  • من السماء- عام 1949
  • قضايا الشعر المعاصر- عام 1959
  • عبرة التاريخ
  • مسرح الأدب
  • شعراء العرب المعاصرون
  • عظمة الإسلام

كتب أحمد زكي أبو شادي عدة مؤلفات منها كتاب الشعلة الذي صدر عام 1933

مقتطفات من شعر أحمد زكي أبو شادي

إرفيني إلى سمائك حتى
لا أرى في الوجود إلا الجمالا

أرهقت عزلتي عمرًا
رغم إبداعي السنا والخيالا

وتراءيت في سمائك إلهامًا
وحبًا ونعمة تتلألأ

فتعلقت بالأشعة من حولي
وناشدت حولك الآمالا

سامحتني الأرض التي كم حبتني
إذا رأتني بنشوتي مختالا

سامحت لفتتي إليك لأني
فيك آمنت بالإله تعالى

واهم من يرى الحياة بلا حب
حياةً ويضرب الأمثالا

***

أنا من يفتش عن محاسن ناقدي
فأذيعها كمحاسن لجناني

حب الجمال أراه فوق خصومة
وأرى الجمال موزع الإحسان

وأرى الحقيقة لا تحد فما لنا
نهوى التعصب في غرور جان

لم لا نفتش في شعور مخلص
للحق دون تحزب وهوان

ليست أنانية الحياة جميلة
كلا ولا عجز الضرير الواني

وإذا تأملت الخلاف وجدته
يحوي بذور الحق للإنسان

***

أتاني كتاب الصديق العزيز
عزيزًا كصاحبه المعلم

وليس التواضع إلا اعتزازًا
كما هبط اللحن للملهم

تنزه عن نزوة للغرور
تنزه باسمه الأنجم

وأشرق إخلاصه بالحبور
حبوري الذي صاغه عن فمي

فيا نعمة الحاج هذا وفائي
وفاؤك أحفظه في دمي

أبادلك الحب والعيد زاهٍ
ألسنا إلى نوره ننتمي

وأقدر ما صغته للجمال
قرابين تسبح بالمغرم

ويصغي إليها الآلة الطروب
فيجبلها الروح في الآدمي

وفاة أحمد زكي أبو شادي

توفي الشاعر والمثقف الفيلسوف والناقد المصري الكبير أحمد زكي أبو شادي في منزله بمدينة واشنطن الأمريكية يوم 12 إبريل عام 1955، نتيجة إصابته بجلطة دماغية، وهو في عامه الثالث والستين، ودفن في ولاية ميريلاند، ليرحل موسوعة الشعر العربي ومؤسس جماعة أبوللو، وأحد رواد المدرسة الرومانسية، وأحد علامات الثقافة العربية في النصف الأول من القرن العشرين.

ويُذكر أن مكتبة أحمد زكي أبو شادي التي ضمت آلاف الكتب في أمريكا، قد أُهْدِيَت إلى جامعة يوتا الأمريكية، كما أُهْدِيَت مخطوطاته ولوحاته وتحفه الخاصة إلى جامعة نيويورك، وكأن الشاعر الكبير كان غزير الإنتاج والعطاء في حياته وبعد موته.

وفي نهاية هذه الجولة في حياة الشاعر والمفكر المصري أحمد زكي أبو شادي، نأمل أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويُسعدنا كثيرًا أن تُشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقالة على مواقع التواصل لتعم الفائدة الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة