أحمد بوكماخ: صانع هوية الأجيال وسر نجاح سلسلة «اقرأ» في المغرب

تعد سيرة الراحل أحمد بوكماخ ملحمة بناء أمة استيقظت من سبات الاستعمار لتجد نفسها أمام فراغ تعليمي هائل. بكلمات بسيطة ورسوم نابضة، استطاع معلم الأجيال أن يملأ هذا الفراغ، محولاً «اقر» من مجرد كتب مدرسية إلى ميثاق تربوي وأخلاقي ارتبط بذاكرة كل مغربي.

في هذا المقال، نغوص في أعماق تجربة بوكماخ، من حواري طنجة الدولية إلى مراكز التأثير التربوي، ونحلل سر صمود منهجه أمام عواصف الحداثة، في وقت نعيش فيه أزمة قراءة ومناهج تتطلب العودة إلى روح ذلك الزمن الجميل.

فخر وعرفان لمعلِّم الأجيال

كلنا كجيلٍ سابق تتلمذْنا على مرجعياتٍ اعتمد عليها معلمونا الأولون، مؤسَّسةً أساسًا على أحمد بوكماخ وسلسلته «اقرأ» التي أنارت طفولتنا، وشكَّلت هويتنا الوطنية ببساطتها المنيرة وقيمها السامية.

لم يكن مجرد مؤلف، بل عماد جيلٍ كامل غرس فيه أسس التعلم المبكر، حاميًا إياه من ظلام الجهل، ومنيرًا طريقه نحو النور والقدرة على البناء الذاتي والجماعيواستحضاره واجب عرفان وشهادة زمان يتباهى بها كل من عبر عتبة المدرسة، فهو الذي حوَّل الفراغ التعليمي الهائل بعد الاستقلال إلى بنية متينة أنتجت عُمْدة الأمة.

شكَّلت مؤلفاته مراجعَ أساسيةً لأكثر من ثلاثة عقودٍ في المدارس العمومية المغربية، رافقت أجيالًا تربَّت في أحضان نصوصها، وتعلمت من مقدماتها التي تحث على حب القراءة كمفتاحٍ للعالم (اشكاين 2023)وقد وقف هذا المعلم في وجه الفراغ في فجر الاستقلال، ليضع اللبنات الأولى للكتب المدرسية، فتربَّى بها المغاربة ودرسوا عليها لثلاثة عقود.

لُقِّب بـ«معلِّم الأجيال» و«رائد التأليف المدرسي» الذي وجد الساحة فارغة، فملأها بمحتوى مغربي أصيل (الريبريس 2022). يقول الباحث محمد الشنقيطي: «بوكماخ لم يُعلِّم فقط، بل بنى جدران هوية وطنية تصمد أمام عواصف الحداثة».

التميز في عصر اقرأ: عصر الذهب التعليمي

شكَّلت سلسلة «اقرأ» لأحمد بوكماخ (1954–1980) عصرًا ذهبيًّا حقيقيًّا في التعليم المغربي، ناجحةً في مغربة المناهج الاستعمارية وغرس حب القراءة والفصحى، ببساطتها الجذابة وصورها الملوَّنة المحفزة. أنتجت طاقاتٍ متميزةً في العلوم والأدب والإدارة والدبلوماسية، واعتُمِدت كمرجعٍ رسمي لثلاثة عقود كاملة.

فحققت معادلةً صعبةً بين تبسيط المعرفة دون تفريطٍ في جودتها العلمية، وغرس حب التعلم بروح مغربية أصيلة، لتجمع بين التراث الإسلامي والواقع المحلي، محوِّلة المدرسة إلى محضنِ هويةٍ وطنيةٍ نابضة (منتدى الجبلة 2024). في مقابلةٍ نادرةٍ مع مجلة «العلامة» عام 1985، قال بوكماخ: «الطفل المغربي يحتاج إلى كتاب يُشبهه، يتحدث لغته اليومية ويضيء خياله».

شكَّلت سلسلة «اقرأ» لأحمد بوكماخ (1954–1980) عصرًا ذهبيًّا حقيقيًّا في التعليم المغربي

التراجع بعد التخلّي: أزمة المناهج المعاصرة

بعد الثمانينيات، استُبدلت «اقرأ» بمؤلفاتٍ تجاريةٍ متجددة، مثل «الكتاب» و«الدفتر»، مع انتقاداتٍ حادةٍ لغياب البساطة والتركيز على الحفظ الآلي دون فهمٍ حقيقي أو حفاوةٍ عاطفية.

وقد سُجِّل تراجعٌ موثق عام 2025، أظهره تقريرٌ لوزارة التربية الوطنية واليونيسف أنَّ: «73% من تلاميذ 15 عامًا دون المتوسط في القراءة، في حين 77% من تلاميذ الابتدائي لا يُجيدون قراءة نصٍّ عربيٍّ بسيط». (دراسة المجلس الأعلى للتعليم 2025).

كما سجَّل تقييم PISA وبرنامج «مسار» أن 90% من تلاميذ الإعدادي دون المستوى في العربية والحساب والفرنسية، مع ارتفاع معدلات الترسب إلى 15% في المناطق الريفية (تقرير PISA 2025). كما فشلت الإصلاحات المتتالية منذ 1990 (مثل «العهد الجديد» 2009 و«الرؤية» 2015–2030) في معالجة الأزمة المُزمنة، المرتبطة بغياب روح بوكماخ المحفزة، التي ربطت التعلم بالمستمعية الأسرية والقيم الوطنية، مقارنةً بتجارب ناجحة مثل سلسلة «القراءة الذكية» في تونس، التي احتفظت ببساطةٍ مشابهة (عريفينو 2026).

نشأة بوكماخ في طنجة: جذور الإصرار والقراءة الأولى

وُلِد أحمد بوكماخ مطلع عشرينيات القرن العشرين في حي الحمرا بطنجة الدولية، وسط الاستعمار الإسباني والفرنسي المزدوج، في منزلٍ أحمرَ اللون بحي كاليفورنيا الشعبي. فقد أمه في سنٍّ صغيرة، فتولَّاه والده، تاجرُ سِلعٍ وكتبٍ مستعملة، وكان متجره مركزًا للقراءة المحرمة سرًّا، وقد عمل فيه صبيًّا يُرتِّب الكتب ويتعلم منها خفيةً، مشكِّلًا شغفه الأول بالمعرفة في بيئةٍ قاسية.

تعلم في المدرسة القرآنية بالمسجد الكبير، ثم أصبح معلِّمًا في سنٍّ مبكرة (نحو 18 عامًا)، مكتسبًا تكوينًا يمزج التقاليد الإسلامية بالحداثة العملية، من خلال المكتبات الشعبية والصحف المحلية (ويكيبيديا 2024، سيرة ذاتية في طنجة التاريخية 2023).

النشاط السياسي والمسرحي: بذور الوعي الوطني

في سن السادسة عشرة أو الثامنة عشرة، انضم إلى حزب الشورى والاستقلال، فكان متجر والده مركزًا لاجتماعاتٍ سرية تناقش المطالبة بالاستقلال، الأمر الذي أدى إلى سجن والده ثلاث سنواتٍ بالرباط بعد أن عثرت سلطات الحماية على لافتةٍ معارضة.

لم يكن ذلك حاجزًا، بل دافعًا للكفاح عبر الفن، فانتقل إلى المسرح في الأربعينيات كأداةٍ قويةٍ لزرع الوعي الوطني. كتب مسرحياتٍ تربويةً وطنيةً مثل «نور من السماء» (عن الصمود الوطني)، «رسالة فاس» (دعوة للوحدة)، و«فريدة بنت الحداد» (رمز المرأة المقاومة)، عُرِضت على خشبة مسرح سيرفانتيس بطنجة، بتشخيص تلاميذ مدرسة عبد الله كنون، محرضةً الشباب والأطفال على مقاومة المستعمر بلغةٍ فنيةٍ بسيطةٍ مؤثرة (الشوعوني 2023). كان المسرح مدرسةً أولى له وللشعب، يُعلِّم فيها الإيجاز والبساطة كمفاتيح للتأثير في النفوس الصغيرة.

سلسلة اقرأ: ثورة تعليمية بنت جيلاً وطنيًّا

بعد الاستقلال عام 1956، واجه التعليم المغربي فراغًا هائلًا بسبب الاعتماد على الكتب المستوردة من المشرق وأوروبا، مع فقدان 90% من المعلمين الأجانب. تعاون بوكماخ مع عبد الله كنون (المرشد الوطني)، وأحمد شبعة (الرسام)، وأحمد الشنطوف (رسام الكاريكاتير)، لتأليف سلسلة «اقرأ» (خمسة أجزاء 1954–1964)، فاستمد اسمها من الآية الكريمة: «اقرأ باسم ربك الذي خلق». ووقَّعها باسم معلِّم، فأدخل الصور والرسوم التوضيحية لأول مرة في تاريخ الكتب المدرسية المغربية، جاعلًا إياها جاذبةً للمبتدئين ومحفِّزةً لحب القراءة والفهم العميق.

كما تميزت سلسلته المتميزة بجمل قصيرة موجزة مركزة، غرست قيمًا أخلاقية واجتماعية مع المعرفة الأساسية، وذاع صيتها حتى غرب إفريقيا والجزائر وماليزيا، فقد اعتمدتها بعض الدول كمثال. (ويكيبيديا 2024، تاريخ التعليم المغربي لعبد الرحمن اليوسفي 2022).

ملاحم وقصص «اقرأ»: نبراس التعلم والفصحى

نجحت «اقرأ» في تحفيز المتعلمين المبتدئين بقصص بسيطة ثاقبة صادقة بواقعهم اليومي، تُعلِّم العربية الفصحى والقيم الأخلاقية في آنٍ معًا بروح لَعِبِيَّة ومتعة. من أبرز الملاحم الرمزية نذكر منها:

  • سعاد في المكتبةقصة فتاة شجاعة تكتشف سحر الكتب وتتحدى صعوبة القراءة الأولى، محفِّزة البنات والأطفال على الانتماء لعالم العلم بصورها الحيوية، غارسة قيمة المثابرة والمساواة بين الجنسين. (اشكاين)
  • يا إخوتي جاء المطر: تروي فرحة الأطفال بالمطر المنعش، ودرس المشاركة الجماعية، مُعلمة الفعل والحركة بلغة موسيقية تلتهمها الأذهان الصغيرة. (الريبريس)
  • يوسف يمثل: تتبع مغامرة يوسف في المسرح المدرسي، راميةً إلى تطوير الثقة بالنفس وفهم العواطف، مستخدمة الحوار الحيوي لتعلم التصرف والنحو بطريقة لَعِبِيَّة. (اشكاين)
  • فرفر يعلق الجرس: قصة الغلام المحب للملعب الذي يصبح بطلًا بفعله الجماعي، تغرس قيم العمل الجماعي والمسؤولية، مع رسوم كاريكاتورية تجذب العين والقلب والعقل. (الريبريس)

هذه القصص لم تكن مجرد نصوص تعليمية، بل نِبراسًا بليغًا أضحى جزءًا من هوية الطفولة المغربية، محوِّلة تعلم الفصحى إلى لعبة ممتعة ومفيدة تبني الشخصية والمجتمع. (لسان العرب 2023)

أبو التعليم المغربي: مرجع أولي في زمن الحاجة

كان أحمد بوكماخ أبًا للتعليم المغربي الحديث ومرجعه الأولي، في زمن كانت الحاجة إليه ماسة بعد الاستقلال، وقد فقد البلد نحو 90% من معلميه الأجانب. فأصبحت كتبه المرجع الأساسي لتشكيل جيل وطني متمكن. لم يقتصر على «اقرأ»، بل أنجز سلسلة «الفصحى» (خمسة أجزاء)، وكتب الرياضيات والقراءة للجميع، لمحاربة الأمية المُستفحلة، مُغرِّبًا التعليم بروح أصيلة تجمع بين الفصحى والواقع اليومي. (الأنثولوجيا 2024)

يشيد به الباحث عبد الكريم المرنيسي قائلًا: «رائد التأليف المدرسي الذي وجد الساحة فارغة فملأها، محققًا معادلة صعبة بين التبسيط والجودة».

المناحي الستة المتكاملة لبوكماخ: تحليل مدقق موسع

هذه المناحي الستة تتجسد في تكاملها لتشكل نظامًا تعليميًا خالدًا، ويمكن استجلاؤها من خلال ما يلي:

  1. المنحى الأسري: يبدأ من تجربة الصدق الشخصية، فقدان الأم وصمود الأب، ليحوله إلى درس في رعاية الأجيال، رابطًا الألم الخاص بالمسؤولية الجماعية.
  2. المنحى التربوي: آية «اقرأ باسم ربك»، مصدر العلم، مبسَّطة بمنهجية حديثة، تُبَسِّط دون تفريط، كما في قصة سعاد التي تحفز القراءة كعبادة.
  3. المنحى الثقافي: قصص «سروال علي» و«الفيل والسراويل»، مرآة الهوية الريفية المغربية الخالصة، تُحيي التراث الشعبي بلغة الطفل.
  4. المنحى الوطني: ملء الفراغ الاستعماري بمناهج عربية تعويضية، مع كنون وشبعة في رسوم تحفز الفضول والانتماء.
  5. المنحى الاجتماعي: قيم التكامل الجماعي في الحياة اليومية المغربية، كما في «فرفر» و«المطر».
  6. المنحى الخالد: تأثير لا متناهٍ رافق أجيالًا كاملة، مجتمِعة الستة في ذاكرة وطنية لا تموت، يؤكد بقصصه: أن التاريخ يصنعه أفراد يزرعون البذرة الأولى ليأكلَ من ثمرها الأحفاد.

تساؤلات تحليلية بين إرث بوكماخ وأزمة التعليم اليوم

تفرض نفسها تساؤلات حاسمة حول مسيرة التعليم المغربي:

كيف صمدت سلسلة «اقرأ» لثلاثة عقود، كمرجع مُلهِم مُنير، غارسة الفصحى والقيم ببساطة جذابة، أنتجت أجيالًا متميزة، في حين يشهد اليوم تراجعًا موثقًا بنسب فشل مرتفعة في القراءة والحساب؟

هل كان الاستبدال بعد الثمانينيات بمؤلفات تجارية متشعبة ضرورة تحسينية، أم تغييرًا خاطئًا لأغراض تجارية؟

فوحدة بوكماخ ارتقت بمستوى التلميذ، في حين أدى تعدد المناهج إلى تفرق وضعف، فتوجَّهت الانتقادات الحادة لمقارنة منتجه البسيط المؤثر مع ما يسمى «التطوير» حاليًا، والذي لا يرقى لمستواها.

توفي بوكماخ في باريس عام 1993، تاركًا مخطوطات غير مكتملة، مثل «القاموس المبين» للأطفال، وثلاث بنات تَبَرَّعْنَ بمكتبته لمركز ثقافي باسمه في طنجة.

يبقى رمزًا تاريخيًا خالدًا، فحان وقت استحضار روحه كدرس للبساطة المؤثرة والقيم الوطنية، ليبقى عرفاننا له شهادة تباهٍ ونبراسًا للمستقبل.

في كل مدرسة مغربية، يبقى صوته يهمس: «اقرأ باسم ربك الذي خلق».

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

ملخص المقال: يوثّق المقال سيرة أحمد بوكماخ، رائد التأليف المدرسي المغربي الملقّب بـ"معلّم الأجيال"، ونجاح سلسلة "اقرأ" (1954-1980) التي ملأت الفراغ التعليمي بعد الاستقلال، مقابل أزمة المناهج الحالية.
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

PISA هو اختصار لـ"البرنامج الدولي لتقييم الطلبة" (Programme for International Student Assessment)، وهو دراسة دولية تقيم مهارات الطلاب في سن 15 عاماً كل ثلاث سنوات في مجالات القراءة، الرياضيات، والعلوم، مع التركيز على تطبيق المعرفة في الحياة الواقعية.
أضف ردا

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة