احتكار القلة وخصائصه وأنواعه وأمثلته

في عالم الاقتصاد والأسواق تبرز هياكل تنظيمية مختلفة تحدد طبيعة المنافسة وكيفية عمل الشركات يُطلق على هذا النوع من السوق أحيانًا اسم «منافسة القلة»، ويقصد به الحالة التي تتكوّن فيها السوق من عدد قليل من المنتجين، لكن كل واحد منهم ينتج حصة كبيرة ومؤثرة من إجمالي إنتاج السلعة.

وهذا يعني أن لكل منتج قدرة على التأثير في سعر السلعة في السوق، بزيادة أو تقليل الكمية التي يطرحها. على سبيل المثال، إذا كانت توجد سلعة يُنتجها ويبيعها خمسة منتجين فقط، وكان كل واحد منهم مسؤولًا عن 20% من إجمالي الإنتاج، فإن هذه السوق تُعد نموذجًا لما يُعرف باحتكار القلة.

في هذا المقال، سنتعمق في فهم احتكار القلة، مستعرضين سماته، وأنواعه المختلفة، وكيف يؤثر في قرارات المنتجين والمنافسة في الأسواق العالمية.

سمات سوق احتكار القلة

يمكن ملاحظة السمات التالية في هذا النوع من السوق:

  1. درجة عالية من التركز: يتميز احتكار القلة بـدرجة عالية من التركز، بمعنى أن عددًا ضئيلًا ومحدودًا من المشروعات يسيطر على نسبة مهمة من الإنتاج الكلي لـلصناعة في هذه السلعة.

  2. انتشاره في الدول المتقدمة: سوق منافسة القلة بهذا المعنى سائد ومنتشر في كثير من فروع الإنتاج في الدول الرأسمالية المتقدمة. على سبيل المثال:

    • في الولايات المتحدة: تنتج 4 مشروعات 88% من الإنتاج الكلي لـلسجائر، وتصهر 4 مشروعات 95% من النحاس، وتنتج 3 مشروعات 96% من السيارات، وخمسة مشروعات تنتج 100% من إنتاج الألومنيوم.

    • في إنجلترا: تنتج 5 مشروعات 90% من السيارات.

  3. التبعية المتبادلة: نظرًا لقلة عدد المنتجين في هذا النوع من السوق، فإن أي قرار يتخذه أي واحد من المنتجين فيه في نطاق الثمن أو الكمية المنتجة أو نفقات البيع، بما في ذلك الدعاية والإعلان، لا بد أن يؤثر على المنتجين الآخرين الذين يمكن أن يتخذوا قرارات مضادة، كرد فعل لقرار أي منهم. ولذلك، يقال إن أهم ما يميز هذا الشكل من السوق هو علاقة التبعية المتبادلة بين المنتجين في نطاق الكميات المنتجة، والثمن الذي يحدده كل منهم، وسياسة البيع... إلخ. ولذلك، فإن الاقتصاديين يشبهون المنتجين في هذه السوق بـالقادة في ميدان الحرب أو بـلاعبين الشطرنج؛ لأن كلًا من هؤلاء عندما يتخذ قرارًا، فإنه يدخل في حسابه رد الفعل الذي يمكن أن يقوم به قائد العدو أو اللاعب الآخر. ومن هنا، يطبق بعض الاقتصاديين على تحليل سلوك المشروعات في ظل هذا النوع من السوق "نظريات المباريات".

صور سوق احتكار القلة

يمكن التمييز بين صورتين من صور سوق احتكار القلة:

  1. سوق احتكار القلة مع تجانس السلعة: في هذه الصورة، تكون السلعة التي ينتجها كل منتج متماثلة مع السلعة التي ينتجها الآخرون. وفي هذه الحالة، يجب أن يسود ثمن واحد لـلسلعة في السوق. ومن أجل ذلك، فإن المشروعات إما أن تتفق مع بعضها اتفاقًا صريحًا على ثمن معين من خلال كارتل، وإما أن يقوم اتفاق ضمني بينها على الثمن. وفي الغالب، يسود الثمن الذي يختاره المنتج الأكثر كفاءة الذي تكون له عندئذ (القيادة في الثمن)، وإما أن يقوم نوع من (حرب الثمن) بين المشروعات التي يُقدم كل منها عندئذ على تخفيض الثمن بقصد إجبار المشروعات الأخرى على أن تتبعه في التخفيض أو على الخروج من لصناعة نهائيًا.

  2. سوق احتكار القلة مع السلعة غير المتجانسة: تتحقق هذه الصورة عندما لا تكون السلعة التي ينتجها المنتجون الموجودون في السوق متجانسة. وفي هذه الحالة، يتبع كل من المنتجين سياسة (تنويع المنتجات)، وقد يمكن أن يبيع كل منهم بـثمن مختلف عن ثمن الآخرين، ويكون من الصعب على كل منهم أن يتكهن بما يحتمل أن يفعله المنتجون الآخرون. ولذلك، فإنه قد لا يمكن لأي منتج منهم أن يحقق حالة التوازن. وقد تقوم بينهم (حرب الثمن) وتستمر، حتى يتفقوا على ثمن معين، أو حتى يقضي بعضهم على الآخرين، ويتفق من يبقى منهم بعد ذلك فيما بينهم.

احتكار القلة له الآثار الضارة نفسها الناتجة عن المنافسة الاحتكارية ما جعل الاقتصاديين يوجهون إلى الحالتين أوجه نقد واحدة

ظاهرة جمود الثمن (Price Rigidity) والمنافسة غير السعرية

بصفة عامة، يتضح من دراسة تاريخ وسلوك الشركات المساهمة العملاقة التي تعمل في ظل سوق احتكار القلة في كثير من الصناعات في الولايات المتحدة الأمريكية، أنه نظرًا للآثار الضارة التي يمكن أن تصيب جميع المشروعات الموجودة في هذا السوق من خفض الثمن أو من حرب الثمن، فإنه، فيما عدا بعض الحالات الاستثنائية، تتحاشى هذه المشروعات الالتجاء إلى هذا الخفض أو إلى تلك الحرب.

أي إن خفض السعر يصبح سلاحًا غير مشروع في الحرب الاقتصادية التي تشنها تلك المشروعات بعضها على بعض. ويترتب على ذلك أن تطبق تلك المشروعات أثمانًا لا تتغير كثيرًا ولا بسهولة، بل تظل ثابتة على مستوى واحد أوقات طويلة. وهذا هو ما يعرف بظاهرة (جمود الثمن) في سوق احتكار القلة.

ولكن حظر منافسة الثمن في ظل احتكار القلة لا يعني انتهاء الصراع بين هذه المشروعات. فـالصراع أو المنافسة بينها تستمر، ولكن بأسلحة أخرى، هي التي يتكون منها ما يعرف باسم (المنافسة في غير الثمن).

احتكار القلة والمنافسة الاحتكارية.. نقد مشترك

يمكن القول إنه في ظل احتكار القلة، تتولد نفس الآثار الضارة التي تتولد في ظل المنافسة الاحتكارية، ما جعل الاقتصاديين يوجهون إلى الحالتين أوجه نقد واحدة. فكلاهما يمكن أن يؤدي إلى:

  • ارتفاع الأسعار: أعلى من مستويات المنافسة الكاملة.

  • انخفاض الإنتاج: أقل من الكمية المثلى اجتماعيًا.

  • عدم الكفاءة في التخصيص: فلا تستخدم الموارد بكفاءة لتحقيق أقصى رفاهية للمجتمع.

  • زيادة الإنفاق على الدعاية والإعلان: ما يزيد التكلفة دون أن يعود بالضرورة بالنفع على المستهلكين مباشرة.

تأثير احتكار القلة في المستهلكين والأسواق

يُعد احتكار القلة هيكلًا سوقيًا معقدًا ومهيمنًا في عدد من الصناعات الحديثة بالتبعية المتبادلة بين المنتجين الكبار وظاهرة جمود الثمن، يميل هذا السوق إلى المنافسة بـأسلحة غير سعرية مثل الجودة والدعاية والخدمات، فهم هذه الديناميكيات أمر بالغ الأهمية لكل من واضعي السياسات والمستهلكين؛ لأنه يلقي الضوء على كيف يمكن لعدد قليل من اللاعبين أن ينظموا الأسواق العالمية ويؤثروا في الأسعار والابتكار. هل تُرى أمثلة لاحتكار القلة في حياتك اليومية؟

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.