الإرباك الجمالي: هل تستطيع الآلة محاكاة شجن واسيني الأعرج ومحمود درويش؟

حتمًا، لم يعد السؤال المطروح فقط عن إمكانات هذه التكنولوجيا في إنتاج النصوص، بل صار السؤال مطروحًا اليوم، وبصورة واضحة، عن كيفية استقبال هذه النصوص وعن أثرها الجمالي في وعي المتلقي، إذ إن الإبداع يكتمل بفعل التلقي، وبقدرة القارئ على استيعاب النص وتأويله والتفاعل معه.

وعليه، يصبح الحديث عن الذكاء الاصطناعي الإبداعي غير مكتمل من دون دراسة «أثر النص الآلي» على القارئ المعاصر. فكيف يتلقى القارئ نصًا أنتجته آلة؟ هل يُبهره؟ أم يُربكه؟ وهل يكون التلقي الجمالي كما هو في النص البشري؟

هل تنجح الخوارزميات في اختبار التذوق؟

بدايةً، لا بد من التمييز بين نوعين من التلقي:

  1. تلقٍّ مباشرٌ يُقرأ فيه النص دون معرفة مصدره.
  2. وتلقٍّ واعٍ يُدرك فيه القارئ أن النص من إنتاج الذكاء الاصطناعي.

أنواع التلقي

في التجربة الأولى، قد تنجح النماذج اللغوية في تمرير نصوص ذات تماسك لغوي وسلامة تركيبية، وقد تتضمن صورًا بلاغية ومعانيَ رمزية، وقد أظهرت اختبارات أُجريت على قراء في دراسات عدة أن عددًا كبيرًا منهم لم يتمكن من التمييز بين مقاطع شعرية أو نثرية تُولِّدها الخوارزميات، وتلك التي كتبها بشر.

الإرباك الجمالي.. لماذا نشعر بالفراغ أمام كمال الآلة؟

لكن عند تعمق المتلقي في النص، تبدأ الأسئلة: لماذا أشعر بالفراغ؟ لماذا تبدو الجملة جميلة، لكنها لا تلامس شيئًا داخليًا؟ لماذا تُشبه كل الجمل بعضها؟

هذه الأسئلة نابعة مما يمكن تسميته بـ«الإرباك الجمالي»، وهو حالة شعورية تنتج عن انعدام الانفعال أمام نص يبدو صحيحًا من ناحية الشكل، لكنه يفتقر إلى الشحنة الشعورية التي تميز النص الإنساني. فالنص الآلي غالبًا ما ينجز المهمة التقنية، لكنه لا يخلق الأثر، لأنه يفتقد إلى ما يسميه هانز روبرت ياوس «أفق التوقعات الوجدانية»، الذي يتشكل لدى القارئ حين يشعر بأن الكاتب يُخاطبه من موضع ذاتي، أو من تجربة حقيقية.

شجن «واسيني» ووجع الكلمة عند «محمود درويش»

إن جمالية النص، في الفهم الفينومينولوجي، قائمة على التفاعل بين النص والقارئ، في المنطقة التي يُحدث فيها النص رجَّة داخلية، أو قلقًا دلاليًا، أو صدمة رمزية. هذه التفاصيل لا تُخلق فقط من التناسق البلاغي الذي نلمسه داخل بنية النص، بل تُخلق من العطب الذي يصيب الذات الكاتبة، من المسافة، من الخوف، من الاستدعاء العاطفي للتجربة.

وفي هذا السياق يظهر الفرق بين ما تفعله الجملة حين تولد من تجربة، وما تفعله حين تولد من خوارزمية. فحين نقرأ مثلًا عبارة واسيني الأعرج: «يجب أن تعرفوا أني منهك ومنتهك وحزين ومتوحد مثل الكآبة»، نشعر بحسرة مضغوطة، وبوجع متراكم بين الكلمات، لأن الجملة صادقة جدًا. في المقابل، الجملة التي تُولِّدها آلة قد تقول شيئًا قريبًا من المعنى، لكن من دون الصدى الداخلي ذاته.

وفي السياق ذاته، حين نقرأ لمحمود درويش قوله: «أنا من هناك. لي ذكرياتٌ، ولدتُ كما يولد الناسُ. لي أمٌّ وبيتٌ كثيرُ النوافذ.. لي إخوةٌ.. أصدقاء.. وسجنٌ بنافذةٍ باردةٍ»، نجد أنفسنا أمام نصٍّ لا يمكن اختزاله في ترتيب كلمات، فالقوة هنا لا تكمن في بلاغة وصف البيت أو السجن، بل في تلك النبرة التي تشي بالفقد والانتماء المكسور.. إنها جملةٌ تنزف تاريخًا شخصيًّا.

محمود درويش

في المقابل، لو طلبتَ من الذكاء الاصطناعي كتابة نصٍّ عن الحنين إلى الوطن، فقد يمنحك عباراتٍ أنيقةً مثل: «أشتاق إلى تراب الأرض ورائحة الياسمين في دارنا القديمة». هي -في الظاهر- جملةٌ صحيحةٌ لغويًّا، لكنها تفتقر إلى حرارة التجربة؛ فهي لم تخرج من سجنٍ حقيقيٍّ، ولم ترَ تلك النافذة الباردة، بل هي مجردُ توقعٍ إحصائيٍّ لما يجب أن يكون عليه الحنين. هذا هو الفرق بين الكلمة كشهادةِ حياةٍ، والكلمة كعمليةٍ رياضيةٍ لتوليد المعنى.

الانبهار اللحظي.. لماذا تمر الجمل الآلية ولا تترسب؟

وقد أُجريت تجارب مقارنة بين نصوص بشرية وأخرى آلية، طُلب فيها من قراء تقييم النصوص دون علمهم بمصدرها. وأظهرت النتائج أن معظم القراء أعجبوا بالجمل الآلية على المستوى الشكلي، لكنهم وجدوا صعوبة في تذكرها أو الاستشهاد بها لاحقًا. وهذا ما يُعبِّر عمَّا يُسمى بـ «الانبهار اللحظي»، الذي لا يتحول إلى أثر دائم. فبينما تترك الجمل الأدبية بصمة وجدانية، كهذه الجملة مثلًا: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة»، فإن الجمل الاصطناعية، رغم أناقتها، تمرُّ ولا تترسَّب.

ويزداد الإرباك حين يتعلَّق الأمر بأنواع أدبية تستند إلى التجربة الشعورية، مثل الرسائل، والمذكرات، أو الشعر. فالقارئ في هذا المقام يقرأ بحثًا عن اعتراف، أو عن لحظة هشاشة، أو عن كلمة يُحس بها وكأنها كُتبت له. في النصوص الاصطناعية، حتى حين يُستعمل الضمير الشخصي، يُحسُّ القارئ بالمسافة: «أنا» لا تعني أحدًا، و«أحبك» لا تأتي من قلب. وهذا ما يجعل النص يبدو شبيهًا بالبشر، لكن بلا روح.

هل تتغير معايير الجمال الأدبي؟

كما يظهر نمطٌ جديدٌ من القراء بات أكثر تقبُّلًا لهذا النوع من الكتابة، خصوصًا في فئات عمرية رقمية تميل إلى السرعة، وتبحث عن المحتوى السريع، ولا يهمها الأثر. هؤلاء القراء لا يُمانعون في قراءة نصوص مكتوبة آليًا، ما دامت تُقدِّم لهم فائدة، أو حكاية، أو تجربة لغوية. ومن ثم يُطرح السؤال: هل يتغير التلقي مع تغير الأجيال؟ وهل سنصل إلى لحظة يُصبح فيها الأصل البشري للنص غير ذي معنى؟ أم أن حاجة الإنسان إلى ذات تحكي له، إلى روح تشاركه التجربة، ستظل قائمة؟

ماذا تقول الدراسات عن بلاغة الذكاء الاصطناعي؟

وقد شهدت السنوات الأخيرة تزايدًا في التجارب التربوية التي تستهدف فحص تلقي الطلاب للنصوص المنتجة بالذكاء الاصطناعي، ومدى قدرتهم على التمييز بينها وبين النصوص البشرية. ومن أبرز هذه التجارب دراسة Zellers et al. (2019) المعنونة «Defending Against Neural Fake News»، حيث قُدمت مقالات من إنتاج نموذج GPT-2 لمجموعة من الطلاب الجامعيين، وطُلب منهم التمييز بينها وبين مقالات حقيقية. وقد أظهرت النتائج أن عددًا كبيرًا من الطلاب عجز عن تحديد المصدر بدقة، وهو ما يدل على التأثير المتنامي لبلاغة النماذج اللغوية على المتلقي.

كما أُجريت تجربة مشابهة بواسطة Clifford et al. (2021) في جامعة جورج واشنطن، حيث استُخدمت نماذج GPT-3 لكتابة مقاطع أدبية، ثم قورنت استجابات الطلاب لهذه النصوص باستجابتهم لنصوص بشرية، فكانت الفروقات من ناحية الانجذاب الأسلوبي والتأثر الشعوري ضئيلة، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل التمييز بين الإبداع البشري والآلي في السياقات التعليمية.

وفي السياق ذاته، أشار Kasneci et al. (2023) إلى أهمية إدماج هذه التجارب ضمن مناهج التفكير النقدي في الجامعات، معتبرين أن التفاعل مع النصوص الاصطناعية، من وجهة نظرهم، يُمثل تحديًا معرفيًا وتربويًا في الوقت نفسه.

خمود الأثر: لماذا لا تشيخ نصوص الآلة ولا تحيا؟

إن ميزة النص البشري لا تكمن في كماله، بل في قدرته على النمو داخل ذاكرة المتلقي؛ فالكلمة التي تخرج من تجربة إنسانية حية تحمل في طياتها زمنًا خاصًا، وتاريخًا من المشاعر يجعلها تتجدد مع كل قراءة. نحن نعود لقصيدة كتبها شاعر منذ قرون لنجد فيها تعزية لجرحٍ أصابنا اليوم، لأن ذاك الجرح كان موجودًا في أصل الكلمة لحظة ولادتها.

إن ميزة النص البشري لا تكمن في كماله، بل في قدرته على النمو داخل ذاكرة المتلقي

أما النص الذي يُنتجه الذكاء الاصطناعي، فهو نصٌ آنِيٌّ بامتياز، نصٌ لا ماضي له ولا ذاكرة؛ هو يمنحك إجابة أو صورة بلاغية تنتهي بانتهاء فعل القراءة، ولا يترك خلفه ذلك الصدى المتأخر الذي يجعلنا نستعيد جملةً ما بعد سنوات لنفهم منها معنىً جديدًا لحياتنا.

الكلمة بين البناء الإنساني والإنتاج الآلي

إن الذكاء الاصطناعي يُعيد تشكيل مفهوم التلقي الجمالي. فهو يُنتج نصوصًا خالية من «الذات»، ومن ثم خالية من التوقيع ومن القصد. وهذه الخسارة قد لا تظهر سريعًا، لكنها تهدد علاقة القارئ بالنص: فإذا لم أجد أحدًا خلف الكلمات، فلِمَ أقرأها؟ وإذا كانت كل الجمل متشابهة، فلِمَ أختار هذا الكاتب دون غيره؟ وعند هذا الحد يكمن الخطر الجمالي الحقيقي: أن تتحول اللغة إلى لعبة رياضية.

أمام هذا، تظهر الحاجة إلى إعادة تربية الذائقة، وإلى التمييز بين ما يُكتب ليُقال، وما يُنتَج ليُملأ الفراغ النصي بالكلمات. فليس كل ما يُنشر يستحق أن يُقرأ، وليس كل ما يُكتب يُلامس الروح ويقنع العقل. والتلقي الجمالي، كما علَّمتنا نظريات التلقي من ياوس إلى فوافغانغ إيزر، هو ما نحسُّ به لحظة تلقينا للنص. وفي هذا المعنى، فإن القارئ نفسه يصبح جزءًا من مقاومة ابتذال النص، ومن حفظ الكتابة من أن تتحول إلى صناعة بلا شعور.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.