أتيلا الهوني.. القائد الوحشي الذي أرعب الإمبراطورية الرومانية

استطاع أتيلا الهوني خلال القرن الخامس الميلادي تحويل قبائل الهون البدوية إلى قوة عسكرية هددت الإمبراطورية الرومانية، وفرض عليها جزية سنوية وصلت إلى 952 كيلوجرامًا من الذهب، قبل أن تتفكك إمبراطوريته سريعًا بعد وفاته بسبب اعتمادها على القوة العسكرية دون بناء مؤسسات مستقرة.

في صفحات التاريخ المظلمة، تركت بعض الشخصيات ندوبًا لا تمحى، متجاوزة في قسوتها ووحشيتها حدود الأساطير وحكايات الجن والغيلان. على رأس هذه الشخصيات يتربع القائد البدوي الشرس أتيلا الهوني، الرجل الذي حفر اسمه بالدم والنار في القرن الخامس الميلادي، واستحق بجداره لقب لعنة الرب والرجل الشبح.

فكيف استطاع زعيم لشرذمة من القبائل البدوية المنسية أن يركع أعظم إمبراطورية في العالم القديم ويهدد عرش روما؟ سنغوص في هذا المقال الشيق في أعماق سيرته الغامضة، مستعرضين أسرار صعوده وحروبه، وصولًا إلى نهايته المثيرة للجدل.

من هو أتيلا الهوني؟

أتيلا الهوني هو حاكم وزعيم شهير لشعب الهون، الذي يتكون من مجموعة من القبائل البدوية التي انتشرت في القرن الخامس في أوروبا، والتي يعود أصلها إلى آسيا الوسطى. وبالتالي، فهي شعوب أوروآسيوية، ويقال إنها تعود إلى العِرق التركي الذي جاء أساسًا من آسيا الوسطى واستقر في أوروبا. ولا علاقة لهم أبدًا بتركيا التي نعرفها حاليًا، حيث إن العرق التركي منتشر في أوروبا وآسيا منذ القرن الرابع.

استطاع أتيلا الهوني تكوين إمبراطورية قوية ومتسعة في أجزاء من روسيا وأوروبا الشرقية والشمالية، ووصل إلى مرحلة من القوة تهدد الإمبراطورية الرومانية العريقة، رغم أن إمبراطورية الهون كانت تتكون من مجموعة من القبائل العسكرية ولا تقوم على أساس تنظيمي متماسك، وربما كان هذا السبب في تفكك الإمبراطورية سريعًا.

يُعَدُّ أتيلا الهوني هو الإمبراطور الأشهر في تاريخ الهون؛ نظرًا لأنه كان قائدًا سياسيًا وعسكريًا ذا قدرات عالية في القيادة والتعامل مع زعماء القبائل، بالإضافة إلى كونه أحد ملوك الجريمة الكبار، فقد كان بارعًا في الابتزاز والحصول على الأموال من خصومه بطرق تتسم بالشراسة والذكاء والوحشية؛ وهو ما جعله مصدرًا للرعب في القرن الخامس.

كيف وصل أتيلا الهوني إلى الحكم؟

عندما وُلِدَ أتيلا الهوني وأخوه الأكبر بليدا، كان عمهما الملك روجيلا هو حاكم شعوب الهون، واستطاع أتيلا تعلم كثير من المهارات في طفولته، مثل ركوب الخيل والرماية، فقد كانت شعوب الهون مشهورة بالرماية من على ظهور الخيل، وأتقن أتيلا الهوني أيضًا كثيرًا من مهارات القتال في مراحل شبابه الأولى.

وعندما توفي روجيلا ملك الهون عام 434 تولى أتيلا وأخوه الحكم بنجاح لمدة 10 سنوات، حتى مات الأخ الأكبر بليدا عام 445، وهي الوفاة التي تحدث عنها المؤرخون كثيرًا، فقد أشار بعضهم إلى تورط أتيلا الهوني في قتل أخيه من أجل الاستيلاء على السلطة، وأشار آخرون إلى موت أخيه بطريقة طبيعية، إلا إن أتيلا في النهاية أصبح يحكم شعوب الهون منفردًا بعد موت أخيه.

أتيلا الهوني.. الرجل الشبح ولعنة الرب

يُعد لقب الرجل الشبح من الألقاب التي حصل عليها أتيلا الهوني، الذي عُرف بكونه من أسوأ الشخصيات المتوحشة في التاريخ. وأُطلق عليه أيضًا لعنة الرب، وتحدث عنه الرومان في ثقافتهم باعتباره الوحشية التي تجسدت في صورة إنسان، ووصفوه بأنه بربري متوحش عمل على تدمير بنيان الإمبراطورية الرومانية في القرن الخامس.

وعند النظر إلى الأسباب التي دفعت الرومان إلى وصف أتيلا الهوني بالوحشية والخسَّة، فربما تكمن الإجابة في الصعود القوي لشعوب الهون على يد أتيلا الهوني بعد أن كانوا مجموعة قبائل منسية في القرن الرابع، بالإضافة إلى مهاجمة قبائل الهون لحدود الإمبراطورية الرومانية التي كانت قد بدأت مراحل ضعفها بالفعل بعد انقسامها غربًا وشرقًا.

وفي منتصف القرن الخامس، استطاع أتيلا الهوني أن يمد إمبراطوريته من دول البلطيق وحتى منطقة البلقان، ومن النمسا إلى البحر الأسود في أوكرانيا. وأصبحت المجر هي عاصمته ومقره الذي ينطلق منه لشن الهجمات على المناطق الشرقية والغربية من روما في حملات واسعة تسببت في كثير من الخطورة.

ولعل وحشية أتيلا الهوني وضحت بشكل كبير في قدرته على سلب المبالغ النقدية الكبيرة من الإمبراطورية الرومانية من خلال التهديدات المباشرة، والتي دفعت الإمبراطور الروماني (ثيودوسيوس الثاني) إلى دفع ضريبة قدرها 158 كيلو جرامًا من الذهب لقبائل الهون من أجل وقف الهجمات والتهديدات.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد قام أتيلا الهوني بزيادة الضريبة عامًا بعد عام حتى وصلت إلى 453 كيلو جرامًا من الذهب عام 442، وهو الأمر الذي رفضه الإمبراطور الروماني، فقام أتيلا بمهاجمة بلاد البلقان وحرق المدن وقتل الآلاف؛ ما جعل ثيودوسيوس يعلن استسلامه وموافقته على دفع الجزية السنوية التي رفعها أتيلا إلى 952 كيلو جرامًا من الذهب.

أتيلا الهوني الزعيم المحبوب

رغم هذه السمعة السيئة التي أحاطت بسيرة أتيلا الهوني في الإمبراطورية الرومانية وكتابات المؤرخين الرومان، فقد كان أتيلا الهوني قائدًا وزعيمًا محبوبًا بين قبائل الهون. ووصفه مبعوث إمبراطور القسطنطينية بأنه رحيم مع أهله وأصدقائه ومخلص لهم، بالإضافة إلى كونه سخيًا مع ضيوفه، لدرجة جعلت كثيرًا من القبائل تنضم إليه وتفضله على الإمبراطورية الرومانية التي ملأها الفساد والظلم وشغلها فرض الضرائب عن الاهتمام بالرعية وتطبيق القانون.

ومن الأمور التي توضح ذكاء أتيلا الهوني في تعامله مع شعبه، أنه فرض رقابة صارمة على تحركات قبائل الهون عبر الحدود بينه وبين الإمبراطورية الرومانية، بالإضافة إلى إصداره تعليمات إلى إمبراطور الرومان بتخصيص أرض خلاء في منطقة الحدود بين قبائل الهون والإمبراطورية الرومانية، من أجل أن يبعد شعبه عن الإمبراطورية الرومانية حتى لا يتأثر جنوده بالترف الذي يعيشه جنود الإمبراطورية.

وحكى عنه مبعوث الإمبراطور الروماني الذي أقام لديه عدة أيام، أن أتيلا الهوني كان يدعوهم إلى مائدة الطعام الفاخرة، ويقدم لهم الوجبات في أطباق من فضة، إلا إنه كان يتناول وجبته في طبق خشبي بسيط، وكانت وجبة من اللحم المقدد، فقد كان يحافظ دائمًا على نمط معيشته بالطريقة نفسها التي يعيش بها جنوده وباقي أفراد قبائل الهون.

الحملة الأخيرة لأتيلا الهوني

قرر أتيلا الهوني غزو روما عام 450 بعد رسائل وصلته من (هونوريا) شقيقة إمبراطور روما (فالنتينيان الثالث) التي كانت في صراع على الحكم مع أخيها. فقد أرسلت رسالة تطلب من أتيلا الهوني غزو البلاد، وأرسلت إليه خاتمها كنوع من إظهار حسن النية، وكعرض ضمني للزواج في حال نجاحه في غزو البلاد.

وربما كانت هذه المغامرة التي أقدم عليها أتيلا الهوني هي أخطر مغامرة في حياته، ولم تكن محسوبة بالقدر الكافي؛ فقد زحف إلى روما، وأرسل كثيرًا من الرسائل إلى الإمبراطور الروماني يطالبه فيها بالزواج من أخته هونوريا، بالإضافة إلى الحصول على نصف الإمبراطورية، وهي المطالب التي رفضها الإمبراطور فالنتينيان.

وفي عام 451 تحرك جيش أتيلا الهوني إلى الإمبراطورية الرومانية وبدأ في عملية قتل وحرق ونهب في أثناء زحف الجيش في المدن الرومانية، وقطع ثلثي المسافة إلى روما من خلال عبور فرنسا، حتى واجه قوات رومانية وبدأ الصدام العسكري في شمال شرق فرنسا.

دارت المعركة الطاحنة في شمال شرق فرنسا في شهر يونيو عام 451، وكان القتال محتدمًا، ما أدى إلى مقتل نحو 160 ألف شخص من الجانبين، لدرجة أن الميادين والشوارع كانت مكدسة بأجساد القتلى، في حين كانت الأنهار تفيض بالدماء. ورغم تقدم الرومان في المعركة، فإن القائد الروماني سمح لقوات أتيلا الهوني بالانسحاب.

وبالفعل، عاد أتيلا الهوني إلى المجر لينظم قواته ويعد جيشه مرة أخرى، ويعود في العام التالي لمهاجمة شمال إيطاليا من أجل دخول روما، واستولى في الطريق على كثير من المدن، إلا إن جيش أتيلا الهوني تعرَّض للمجاعة والمرض؛ ما أدى إلى توقف الحملة، ليعود أتيلا الهوني مرة أخرى إلى المجر.

نهاية أتيلا الهوني

في عام 453، قرر أتيلا الهوني أن يتخذ زوجة جديدة، رغم العدد الكبير من الزوجات، إلا إنه كان يحاول تخطي الأحداث التي واجهها مؤخرًا في إيطاليا. وكانت زوجته هذه المرة هي أيديلكو، التي يقال إنها أميرة جرمانية. وفي ليلة الزفاف، أُصيب أتيلا الهوني بنوبة قلبية أدت إلى وفاته.

كيف مات أتيلا الهوني؟ تحدثت كثير من المصادر، وظهرت كثير من الآراء تقول إن حاشية أتيلا الهوني وجدته ميتًا في الصباح، وكانت عروسته تنتحب بجانبه. وهو الأمر الذي فُسِّر بعدة طرق، فبعضهم قال إنه توفي بسبب الثمالة، وبعضهم قال إنها نوبة قلبية، في حين أشارت بعض الروايات إلى احتمال أن تكون العروس أيديلكو هي من قتلته عن طريق السم.

وفي النهاية توفي أتيلا الهوني، أشهر زعماء إمبراطورية الهون. وبعد موته ببضع سنوات قليلة، تفككت الإمبراطورية ذات العمر القصير، والتي كانت مكونة في الأساس من القبائل البدوية المهتمة بالحرب والسلب والنهب، ولم تهتم أبدًا بتأسيس الدولة. ورغم ذلك، فقد بقيت سيرة أتيلا الهوني رمزًا للوحشية والابتزاز والرعب.

في النهاية، تظل قصة أتيلا الهوني شاهدًا حيًا على مرحلة تاريخية، تظهر كيف يمكن لزعيم متفرد أن يصنع مجدًا وقوة من اللاشيء، ليجعل من قبائل بدوية مبعثرة قوة عظمى زلزلت أركان روما العتيقة. وعلى الرغم من زوال إمبراطوريته العابرة سريعًا لغياب التنظيم والمؤسسات، فإن الرعب الذي زرعه في قلوب معاصريه كفل له الخلود في ذاكرة التاريخ كأحد أكثر القادة بربرية وذكاءً على حد سواء.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة