يبرز اسم إتيان كابيه في تاريخ الفكر الإنساني بوصفه فيلسوفًا جسورًا ومصلحًا اجتماعيًا سعى لنقل الأحلام المثالية من رفوف المكتبات إلى أرض الواقع.
انطلق كابيه من قلب الحراك السياسي الفرنسي في القرن التاسع عشر، متسلحًا بخلفية قانونية صلبة وتوجهات جمهورية راديكالية، ليصبح واحدًا من أعظم رواد الاشتراكية الطوباوية الذين أثروا في وجدان الطبقة العاملة.
من هو إتيان كابيه؟
يُعد إتيان كابيه (1788–1856) واحدًا من أبرز الفلاسفة والمصلحين الاجتماعيين الفرنسيين، اشتهر بكونه مؤسس الحركة «الإيكارية» التي سعت لتطبيق المبادئ الشيوعية على أرض الواقع.

وينتمي إتيان كابيه إلى أسرة كابيه، أو الكابيتيين، وهي السلالة الحاكمة لفرنسا في القرن التاسع عشر بدءًا من أوغو كابيه، حتى وصلت السلالة إلى نهايتها عام 1328م، بعد فشل جميع أبناء فيليب الرابع في ترك ورثة ذكور من بعدهم.
من المحاماة والسياسة إلى الطوباوية
كابيه مفكر اشتراكي طوباوي فرنسي، ولد في ديجون، ودرس الحقوق في باريس، حيث انتمى إلى حركة الكربوناري الفرنسية، وأصبح عضوًا في مجلسها القيادي عام 1827م، كانت آراؤه المؤيدة للنظام الجمهوري سببًا في إقالته من منصب المدعي العام في كورسيكا عام 1830م، وكانت انتقاداته الشديدة لحكومتي (تيير) و(غيزو) على صفحات جريدة (لو بوبولير) التي أسسها بنفسه سببًا لنفيه من فرنسا في 1834م، وقد قصد إنجلترا حيث أقام مدة 5 أعوام، وعاد منها متشبعًا بأفكار الشيوعي الطوباوي الإنجليزي روبرت أوين.
ويعد كابيه أحد أبرز رواد الاشتراكية الطوباوية في القرن التاسع عشر، وطوباوية معناها المثالية، وقد عمل محاميًا في فرنسا إبان ثورة يوليو، لكن معارضته الشديدة للنظام الملكي أدت به إلى النفي، ليقضي سنوات في لندن كانت حجر الزاوية في تحول فكره نحو الاشتراكية الطوباوية.
مؤلفات إتيان كابيه
أصدر كابيه كتاب (تاريخ الفلسفة)، ثم كتابه الشهير (رحلة إلى إيكاريا) عام 1840م، وقد عرض في هذا الكتاب بالتفصيل نظرياته الشيوعية المعتمدة على الشعار القائل: «من كل حسب قدرته، إلى كل حسب حاجته».

ويعد كتاب (رحلة إيكاريا) من أشهر مؤلفات الاشتراكية الطوباوي، ويروي فيه كابيه رحلته الوهمية إلى بلاد إيكاريا حيث يعيش الناس في ظل نظام مشاعي شامل.
فالأطفال في هذا البلد يولدون بحقوق متساوية على الصعيدين القانوني والفعلي، ويحافظون على هذه المساواة مع تقدمهم في السن، لا ملكية خاصة في إيكاريا، ولا احتكار للخيرات المادية، فكل مواطن يحصل على حاجته منها، أما الحكم الذي تقتصر مهمته على إدارة مادية بحتة، فهو يقوم على أساس التمثيل الشعبي.
رحلة إلى إيكاريا.. الدستور الخيالي لمجتمع المساواة المطلقة
استلهم كابيه أفكاره من توماس مور وروبرت أوين، وصاغها في روايته الشهيرة (سفر إلى إيكاريا) التي نُشرت عام 1840، حيث رسم فيها صورة لمجتمع مثالي يقوم على المساواة المطلقة، والملكية المشتركة وإلغاء الملكية الفردية، وحلم المدينة الفاضلة الذي تبناه كابيه في روايته.
ولم يكتفِ كابيه بالتنظير، بل آمن بأن المسيحية في جوهرها تدعو إلى الشيوعية، وهو ما جعله يحظى بقاعدة جماهيرية واسعة من العمال والحرفيين في فرنسا، الذين رأوا في مشروعه مخلصًا من أزمات العصر الصناعي.
أسس كابيه حركة «الإيكاريين» من العمال في فرنسا ودعاهم لأفكاره الاستراكية، وانتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية عام 1848م لتطبيق أفكاره، لكن واجهته عدة صعوبات من ضمنها الصعوبات المالية ما أدى لانقسام الحركة.
مبادئ كابيه: عندما يمتزج الإيمان بالفكر الاشتراكي
المساواة بين الجنسين تامة ومطلقة، والحياة الخاصة خالية من المشكلات والهموم، فالزنا ظاهرة مجهولة في إيكاريا، ولو وقع افتراضًا لعدَّ ضربًا من السرقة، وقد جعل كابيه في كتابه أهمية خاصة لتطوير الصناعة، إذ إن تحرير الإنسان من سيطرة الطبيعة هو الطريق إلى تحرير الإنسان من سيطرة أخيه الإنسان، وكذلك على التربية والإعلام لتثقيف الجماهير والارتقاء بها إلى المرتبة المنشودة من الوعي السياسي، فكان بذلك من رواد الاشتراكية الحديثة.
وبفضل الدروس والمحاضرات التي كان ينظمها لتعميم أفكاره ونشرها، وبفضل المقالات الشديدة اللهجة التي كان ينشرها في صحيفته (لو بوبولير) مهاجمًا فيها أهل الحكم في فرنسا، وبفضل صدور مؤلفه الجديد «المسيحية الجديدة»، استطاع كابيه أن يستقطب عددًا كبيرًا من المناصرين والتلامذة، بيد أن التبشير بآرائه ما عاد يكفيه، فقد أراد أن يضعها موضع التنفيذ.
الهجرة الكبرى.. اليوتوبيا فوق الأراضي الأمريكية
وهكذا بادر مع جماعة من أتباعه الذين سموا بالإيكاريين إلى شراء أرض في الولايات المتحدة الأمريكية بغية إقامة مشاعة فوقها، وبعد رحلة شاقة وعذابات جمة في عدة مستعمرات في تكساس، حط كابيه مع بضع مئات من تلامذته في ولاية إيلينوي (1849م) حيث أقاموا مستعمرتهم، غير أن الصراعات الداخلية سرعان ما برزت داخل هذه (اليوتوبيا).

صراعات الداخل وانقسام الحلم
ورغم النجاحات الأولية في بناء مجتمع تعاوني، فإن التجربة واجهت تحديات جسيمة تمثلت في النزاعات الداخلية حول القيادة وصعوبات التأقلم مع البيئة الجديدة، مما أدى إلى انقسام الحركة، ما اضطر كابيه إلى الانسحاب مع مئتين من أنصاره.
توفي كابيه في مدينة سانت لويس عام 1856، بعد فترة وجيزة من تركه مستعمرة «ناوو» إثر خلافات مع رفاقه. ورغم فشل مستعمراته في الاستمرار للأبد، فإن إرثه ظل حيًا كواحد من أوائل الذين حاولوا بناء مجتمع يقوم على التخطيط الجماعي والعدالة الاجتماعية، تاركًا خلفه بصمة واضحة في تاريخ الفكر الاشتراكي وتجارب المجتمعات المثالية في القرن التاسع عشر.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.