في تاريخ الأدب العربي، قلما نجد شخصيةً اجتمع فيها مجد السيف ورقة القلم كما اجتمعا في الحارث بن سعيد بن حمدان، المعروف بلقب أبي فراس الحمداني.
ولد هذا الأمير الشاعر في كنف أسرةٍ عريقةٍ سادت شمال العراق وبلاد الشام، ونشأ نشأةً عربيةً صميمةً بين طعن الرماح وطلعات البلاغة، فكان فارسًا مقدامًا ذاد عن حدود الدولة الحمدانية بدمه قبل شعره.
في هذا المقال، نبحر في أعماق سيرته، منذ ولادته في قبيلة تغلب العتية، مرورًا بنشأته في ظل اليتم المبكر تحت رعاية ابن عمه سيف الدولة، وصولًا إلى تحليل شخصيته الاستثنائية.
ولادة أبي فراس الحمداني
من أسرة عريقة لها طابعها المميز، وتحتل مكانة مرموقة في السعة والرفعة، وُلد الحارث بن سعيد بن حمدان المعروف بأبي فراس سنة (320هـ/ 932م).

وقد شهدت ولادته فرحة تعج بتوافد المهنئين على والده سعيد، يقدمون له واجب التكريم بالقادم الكريم.
وتعود جذور الأب إلى الجزء الشمالي من بلاد العراق، حيث كانت تعيش قبيلة عربية عتية، عُرفت في جميع أدوار تاريخها بالقوة والبسالة والأنفة، هي قبيلة تغلب، التي قيل فيها «لو أبطأ الإسلام قليلًا لأكلت بنو تغلب الناس».
ويطالعنا الباحثون بدراسات غنية بمآثر هذه القبيلة، الحافلة ببطولات متعددة، وحروب عظيمة، خاضتها وخرجت منها مرفوعة الرأس بنصرٍ مؤيد. ومن تلك الحروب التي انتصرت فيها، حرب البسوس في الجاهلية. كما كانت لها مشاركات في حروب إسلامية، وأخرى جرت في زمن الدولة الأموية. وإلى هذه القبيلة يعود نسب والد أبي فراس الحمداني.
وكان والد أبي فراس الحمداني، يحرص على التمسك بمآثر قبيلته، في حفظ مكانته العالية بين الناس، وفي التمسك بالفضائل العربية الأصيلة، من كرم، إلى نجدة، إلى إباء، إلى شجاعة وأدب وسماحة في الأخلاق، ولين في العريكة؛ وصدقٍ في المعاملة، وحفاظٍ على الشرف. وفي ذلك يقول صاحب يتيمة الدهر: «وكان بنو حمدان ملوكًا وأمراء، أوجههم الصباحة، وألسنتهم الفصاحة، وأيديهم للسماحة، وعقولهم إلى الرجاحة».
هل أخوال الشاعر من الروم أم تميم؟
أما أمه فكانت من الذخائر النسائية الحافلة بالكرم والطيبة وطهارة النفس. ويبدو من شعر ولدها بأنها رومية الأصل، كما في البيت التالي:
إذا خفت من أخوالي الروم خطة
تخوفت من أعمامي العرب أربعًا
بيد أنه يقول في هذين البيتين:
لم تتفرق بنا خؤول
في جذم عز ولا عمومُ
سمت بنا وائل وفازت
بالعز أخوالنا تميمُ
ونجدنا أمام معضلةٍ يصعب التوفيق فيها بين قول ينبئ بأن الروم هم أخوال الشاعر؛ وآخر يجعل أخواله عربًا من بني تميم؟ ويرجح لدينا أن يكون أحد القولين منحولًا، أو أن يكون الشاعر قد ناقض نفسه لجهل أو تمويه، وهذا ليس بمعقول. ويصل بنا التعليل إلى القول إن تميمًا هم أخوال الشاعر -وهو الأرجح- أو أن تكون إحدى جداته لأمه أو لأبيه رومية. ومهما يكن من أمر، فإن ولادة شاعرنا أبي فراس، كانت عربية الشخصية، ولم يكن للدماء الرومية أي أثرٍ فيها.
نشأة الفارس: أصالة المحفد
نشأ أبو فراس نشأة عربية صميمة، غذَّتها أصالة المحفد التي يتمتع بها والده زعيم العشيرة وبطلها.
فقد تمكن والده من تثبيت صلة وثيقةٍ بالخليفة المقتدر؛ حيث يحارب في صفه، ويعينه على إخماد الثورات الكثيرة، التي نشبت ضده حينًا بعد حين.
وزيادة على ما تقدم فهو صاحب غزوات في بلاد الروم، كما يستدل من شعر أبي فراس، وخاصة في قصيدته الرائية المطولة، التي تحدث فيها عن أمجاد قبيلته الخالدة، ردًا على شاعر يُدعى أحمد بن ورفاء، مدح سيف الدولة بقصيدةٍ، ذكر فيها مآثر بكر وتغلب في الجاهلية والإسلام، مفاخرًا المضريين، ومباهلًا عليهم بما يعلي قدره.

وقصائده في هذا المضمار كثيرة، منها قوله بعد أن انتصر على قوم يُدعون بني عقيل، في مكان يسمى (سرحًا) وراء نجد، في أبيات ناضجةٍ بالقوة والجزالة:
يا ليتها تسأل عن موطئ
بأرض سرح والقنا شُرعٌ
وعن عقيل إذ صبحناهم
وقد تلاقى الحشد والدرعُ
وقد أتانا منهم فيلق
حماه حام ما له مدفع
حتى إذا ما كشرت نابها
وعيف كأس الموت لا يكرع
وفلقت هام أسود الوغى
وقطع الأسوق والأذرع
شددت فيهم شد ذي صولةٍ
قد جربته الحرب لا يخدع
لا تزجرني عن طلاب العلا
فلا ينال العز من يفزع
أنا سعيد وأبي أحمد
بالسيف ضري وبه أنفع
ومن هذا الشعر، تبدو لنا نشأة أبي فراس، في ظل شاعرية أبوية، ذات شهرة واسعة، أخذ منها الأصالة والإبداع.
ولم يكن أبو فراس الابن الوحيد لأبي العلاء، سعيد بن حمدان، بل كان له إخوة نذكر منهم الحسين، وأبا الهيجاء. وكان له أختان، تزوجت إحداهما سيف الدولة، وتزوجت الثانية أبا العشائر.
بيد أن أبا فراس، هو الابن الوحيد لأمه، لم تعقب غيره من البنين ومن البنات، ولم يكن لها من معيل سواه. وقد وقفت عمرها على تربيته، فلم تتزوج بعد مقتل أبيه، بل احتضنته، وصرفت حنانها وحبها إليه وحده، وأصبح أنيسها في الوحشة، وعزاءها في الأحزان، وأملها في الحياة.
اليتم المبكر وصراع السلطة في الموصل
وشاء الله أن تكون نشأة أبي فراس الأولى في ظل اليتم المبكر؛ ذلك أن الخليفة المقتدر، ولَّى أبا الهيجاء الحمداني على الموصل. وأبو الهيجاء، هو أخو سعيد بن حمدان، والد أبي فراس. فلما مات أبو الهيجاء في أثناء دفاعه عن الخليفة، أراد هذا أن يحفظ الجميل للأمير القتيل، فأقر ابنه ناصر الدولة على الموصل مكانه، فعمد هذا الأخير إلى ضرب سلطة الخليفة عرض الحائط، واستقل بولايته تمام الاستقلال، ولم يعد يحسب أي حساب لسلطة الخلافة.
وحين تسلم الراضي الخلافة بعد موت المقتدر، وحاول أن يخضع ناصر الدولة لحكمه، فلم يستقم له ذلك الأمر، فبحث عن ند يقف في وجه الأمير الحمداني، فوجده في شخص سعيد بن حمدان، عم ناصر الدولة، ووالد أبي فراس. وعمد إلى توليته إمارة الموصل، وأغراه بأن يطرد منها ابن أخيه، الذي كان قد أعد للأمر عدته، للوقوف في وجه عمه ومجابهته. وبعد أن أحكم المقاومة في وجه سعيد، دبر له مكيدة قضت عليه قتلًا.
بيد أنه أشفق على ولده أبي فراس، وأحاطه بعناية خاصة تعوض عليه فقد أبيه، فلا يعيش في كنف اليتم وما ينشره من عزلة وحرمان.
في بلاط سيف الدولة: تكوين القائد والشاعر
وقد نقله إلى بلاطه، وحاول أن يحسن علاقته بينه وبين قاتل أبيه، ناصر الدولة، وتوفير تربية صالحة، تحيطه بالتدريب في ميادين الرجولة، وتقربه منه، ليكون هو وأمثاله الركيزة المتينة لبناء الدولة. وقد توفر لسيف الدولة ما رمى إليه، فنشأ أبو فراس مقدامًا، غير هيَّاب للشدائد، عارفًا بأصول الحرب والطعان، قادرًا على قيادة الجيوش، وهو طري العود، حديث السن، في ميعة الحداثة.
وهكذا نشأ أبو فراس على ثقافة واسعة، تتناول اللغة والأدب، والتاريخ والشعر والفلسفة وما شابه. وإلى جانب التنشئة القوية الشكيمة، حظي أبو فارس، بتنشئة شاعرية ورثها من قبيلته الحمدانية، ونماها بمخالطة الشعراء الكثر، الذين كانوا يترددون على بلاط سيف الدولة.

إمارة منبج وحران: مواجهة الروم والقرامطة
وحين توسم أمير البلاط الحمداني بابن عمه سمات النجابة، وأراد أن يفتح أمامه طريق المجد، أسند إليه أمارة (منبج) و(حران) وهو لا يزال فتى في السادسة عشرة من عمره.
وكان سيف الدولة يمتلئ فخرًا واعتزازًا، وهو يرى ابن عمه يتفانى في الذود عن ملك بني حمدان، ويحمي ذمار ولايته، ويصد الحملات البيزنطية بمهارة وشجاعة لا حدود لها. ولم يكتف أبو فراس بصد هجمات الروم فقط؛ بل وقف في وجه قوم على الحدود الجنوبية الشرقية من دولة سيف الدولة، يضمرون لهذا الأخير البغض والكراهية، ويتحينون الفرص ليثوروا عليه، وينتزعوا سلطته.
وهؤلاء هم القرامطة، الذين بثوا دعوتهم في صفوف البدو الضاربين ببادية الشام، وخصوصًا في قبيلتي كلب ونمير. وقد وقف أبو فراس يصدهم، ويمنعهم من التقدم ناحية حدود الدولة الحمدانية، وسعى في دحرهم مهزومين، يلقون الفروسية الواقفة سدًا منيعًا في طريق تقدمهم.
ملامح شخصية أبي فراس: عزة النفس والإباء
لا نغالي في قولنا إن شخصية أبي فراس فريدة مميزة بمظاهر جلية الوضوح نابعة من ذاتية تملك زمام المبادرة في تسيير النوعية الإنسانية ناحية المجد والعظمة. وبنظرةٍ سريعة إلى ما امتاز به شاعرنا، نلمح أنه يوحي بالاحترام والتقدير. وإذا نطقنا بكلمة فارس، نجد مدلولها في شخصية هذا الرجل المقدام، وسط عصره المليء بمفهوم الشهامة والمروءة، وطابع الوفاء والعفة والشرف والذود عن العرض، والتحلي بالحلم والكرم والشجاعة.
ولم لا، وهو قائد من قواد سيف الدولة المملوء بالمروءة، المغرم بكريم الصفات البعيد عن كل ما يعيبه، والساعي إلى تحقيق شيء عظيم في حياته، حتى لو كان هذا التحقيق لا يُنال إلا بشجاعة تصل إلى الشهود كما في قوله:
وقال أصيحابي: الفرار أو الردى
فقلت: هما أمران، أحلاهما مر
ولكنني أمضي لما لا يعيبني
وحسبك من أمرين خيرهما الأسر
يقولون لي: بعت السلامة بالردى
فقلت: أما والله، ما نالني خسر
وهل يتجافى عني الموت ساعة
إذا ما تجافى عني الأسر والضر
هو الموت، فاختره ما علاك ذكره
فلم يمت الإنسان ما حيي الذكر
ديوان أبي فراس
تتجسد آثاره في ديوان شعر مطبوع بطابع الوجدانية الخالي من المدح التكسبي، فهو شاعر أمير قمة في الأنفة والكبرياء، ولم يخضع شعره لتكسب أو إزلال، اللهم إلا ذلك الذي قاله في ابن عمه، وهو مديح فخر لا مديح تكسب.
وقصائد أبي فراس في هذا الديوان، من جيد الشعر وأحسنه عزة وفخرًا. وقد نشرت دار صادر في بيروت هذا الديوان، نقلًا عن مخطوطة المكتبة العبدلية الصادقية التونسية عام (548هـ/ 1153م) بيد أن هذا الديوان جاء مبتورًا، بعيدًا عن التحقيق العلمي الواجب الوجود في مثل هذه الحال. بحيث غاب عنه التحقيق اللازم للكفاءة والشرح اللغوي الواجب للمعرفة.
توثيق وتحقيق التراث الشعري لأبي فراس
وتوجد طبعات للديوان ذكرها بطرس البستاني في دائرة المعارف فقال: لأبي فراس شعر سائر في متنوع الموضوعات جمعه بعد وفاته أستاذه وصديقه ابن خالويه، وشرحه، فجاء متوسط الحجم.
وقد طبع ثلاثة طبعات في بيروت خلال السنوات الميلادية: 1883م، و1900م، و1910م. وقد عُني بتحقيقه الأديب السوري والمحقق المعروف الأستاذ سامي الدهان، فأخرجه إخراجًا لائقًا في ثلاثة مجلدات، حوت وصفًا للمخطوطات التي استند إليها. ونشر الشعر المحقق مع التعاليق والحواشي والفهارس، في منشورات المعهد الفرنسي بدمشق سنة 1944م.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.