أبو الطيب المتنبي: الخصومة النقدية وصراع الشخصية والمذهب

ظهر أبو الطيب المتنبي في القرن الرابع الهجري، فكان شخصية طاغية جبارة، فملأ الدنيا وشغل الناس، وما لبث أن أصبح موضع حركة نقدية، وخصومة أدبية تشبه تلك الحركة النقدية التي ثارت قبل ذلك حول أبي تمام الطائي.

من هو المتنبي؟

وُلد أحمد بن الحسين الجعفي الكندي، المعروف بـ «المتنبي»، في حي كِندة بمدينة الكوفة عام 303 هـ (915 م). نشأ في بيئة عربية خالصة، وتلقى علوم اللغة والأدب في مقتبل عمره، كما رحل إلى البادية ليتعلم فصاحة اللسان العربي من أصوله.

ظهرت موهبته الشعرية في سن مبكرة جدًا، حيث بدأ ينظم الشعر وهو في العاشرة من عمره، ما لفت الأنظار إلى ذكاء حاد وثقة بالنفس تجاوزت سنوات عمره.

الطموح السياسي واللقب

لم يكن المتنبي مجرد شاعر، بل كان صاحب طموح سياسي جارف. يقال إنه ادعى النبوة في بادية السماوة في شباب باكر، ليس رغبة في الدين بل كوسيلة للزعامة، ومن هنا التصق به لقب «المتنبي».

سُجن لفترة في حمص بسبب نشاطه هذا، وبعد خروجه، أدرك أن الطريق إلى المجد والرياسة يمر عبر قصور الأمراء والملوك، فبدأ رحلته الطويلة في البحث عن «الممدوح» الذي يستحق شعره ويحقق طموحه.

في بلاط سيف الدولة الحمداني

تعد الفترة التي قضاها المتنبي في حلب مع الأمير سيف الدولة الحمداني (948 م - 957 م) أزهى فترات حياته الأدبية. فقد وجد في سيف الدولة القائد العربي الذي يجسد الفروسية والبطولة ضد الروم.

نظم المتنبي في هذه الآونة «سيفيات» خالدة، كانت مزيجًا من مدح الأمير ووصف المعارك وفخر المتنبي بنفسه. كانت العلاقة بينهما أبعد من علاقة شاعر بأمير، بل كانت صداقة ندّية، حتى أفسدها الحساد والوشاة، ما اضطر المتنبي لمغادرة حلب والدموع في عينيه.

رحلة مصر وكافور الإخشيدي

انتقل المتنبي إلى مصر آملًا أن ينال من حاكمها كافور الإخشيدي ولاية أو منصبًا سياسيًا. مدح كافور بقصائد قوية، لكن كافور الذي كان يعرف طموح المتنبي وخطورته، ماطله ولم يعطه ما أراد. تحول مدح المتنبي لكافور إلى هجاء لاذع ومرّ بعد أن يئس منه، وهرب من مصر في ليلة عيد، مخلفًا وراءه قصيدته الشهيرة "عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ".

الخصائص الفنية لشعر المتنبي

يتميز شعر المتنبي بقوة العبارة، وجزالة الألفاظ، وعمق المعاني. اشتهر بمبالغته في الفخر بنفسه حتى قال بيته الشهير: «أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي.. وأسمعت كلماتي من به صمم». وقد استطاع المتنبي أن يطوع اللغة لتكون مرآة لطموحه وكبريائه، ما جعل شعره مادة دسمة للدراسة والنقد عبر العصور.

الخصومة الأدبية: المتنبي مقابل أبي تمام

لا شك أن الحركة النقدية حول أبي تمام اختلفت كثيرًا عن الحركة النقدية حول المتنبي، فقد كانت هذه الأولى أكثر غنى فنيًا، وأعظم فائدة، وأعود محصولًا على النقد الأدبي، وذلك أنها كانت في غالب الأحيان حركة فنية محضة، عرضت لمذهب الطائي من جميع جوانبه بدقة وعمق، واستقصت كثيرًا من عناصره ومقوماته، وبينت ما في هذا المذهب الذي عُرف به أبو تمام من محاسن وسيئات، ومن فضائل وسقطات، فأرجعت هذا المذهب إلى أصوله وجذوره الأولى، ثم كان في الموازنة بينه وبين الطائي الآخر (البحتري) غنى كثير للأدب العربي ونقده.

إن الحركة النقدية حول المتنبي لم تكن بصورة عامة على مثل هذا الغنى، وذلك أن الدافع إلى هذه الخصومة كان في غالب الأحيان العداء الشديد لشخص الشاعر بالذات، ومحاولة إسقاطه بكل الوسائل، أو كان التعصب له تعصبًا مفرطًا، ومحاولة إبعاده عن المزالق والشبهات، وكلتا هاتين الوجهتين يمكن أن تبعد عن النقد الدقة والموضوعية، وروح العمق والاستقصاء والتحليل، فتجعله أحيانًا كثيرة أشبه بعبارات الثناء والتقريظ، أو عبارات الذم والتثريب.

أضف إلى ذلك أن الخصومة حول أبي تمام كانت خصومة حول شاعر صاحب مذهب واضح محدد، وقد أدرك النقاد طبيعة هذا المذهب وأبعاده وعناصره، ورأى فيه كثير منهم إفسادًا للشعر، وخروجًا به عن طرائق الشعر العربي القديم. أما المتنبي فإنه لم يسر على مذهب معين، ولم يحاك أحدًا من الشعراء أو يقلده تقليدًا تامًا، وإنما اجتمعت في شعره كثير من خصائص الشعر العربي القديم، والشعر الحديث، وكان شعره في ذلك كله أصداء لحياته ونغمات نفسه.

ولم يستطع النقاد الذين تحدثوا عن المتنبي في غالب الأحيان أن يفهموا مذهبه، أو يدركوا أبعاده الحقيقية، فكان أنصاره يكتفون بتصوير إعجابهم الشديد بشاعرهم، أو بتفسير معانيه الجديدة، أو الدوران حول ما عرف به من حسن الابتداء أو حسن التخلص، وما أشبه ذلك من الأمور الشكلية، وكان هجوم الخصوم على المتنبي الإنسان بالشعر. وهكذا ظُلم شعر المتنبي لأنه لم ينل حقه من الدراسة الواعية العميقة، ولم يُوَفَّ ما هو جدير به من بحث ودراسة وتحليل.

ولكن الذي لا شك فيه أن صنعة الشعر قد أصابها على يديْ أبي الطيب تطور بعيد، أثار عليه الخصوم، ولقي عند النقاد موجة من المعارضة الشديدة.

الحركة النقدية حول أبي تمام اختلفت كثيرًا عن الحركة النقدية حول المتنبي

الثقافة الموسوعية والأثر الفلسفي

كان أبو الطيب شاعرًا مثقفًا، عميق الثقافة بكل ما عرفه عصره الزاخر من أنواع المعارف والعلوم، وقد دخلت ثمرات هذه المعارف كلها إلى شعره. كان مطلعًا على عقائد المتصوفة والشيعة، وملمًا بالفلسفة والمنطق، وقد أراد أن يجعل من الشعر معرضًا لذلك كله، فدخلته عبارات المتصوفة المعقدة، ومصطلحاتهم المغلقة في التعبير والأداء، وأسرف على نفسه في استخدام هذه الألوان حتى أوشك أن يتفوق على أهلها أنفسهم في بعض الأحيان. قال الصاحب بن عباد معلقًا على بيت أبي الطيب:

نحن من ضايق الزمانُ له فيـ........ كَ وخانته قربَكَ الأيامُ

لو وقع في عبارات الجُنيد والشبلي لتنازعته المتصوفة دهرًا طويلًا.

كما دخلت الفلسفة شعره على نطاق واسع، فاستخدم كثيرًا من مصطلحات الفلاسفة وعباراتهم ومعانيهم، كقوله:

تخالف الناسُ حتى لا اتفاقَ لهم    ***  إلا على شَجَبٍ والخُلْفُ في الشَجَبِ

فقيل: تخْلُصُ نفس المرء  سالمةً  *** وقيل: تَشْرَكُ جسمَ المرء في العطب

وقوله:

إلف هذا الهواءِ أوْقَعَ في الأْنـ...... فُسِ أن الحِمام مُرُّ المذاقِ

حتى كاد الشعر يخرج عنده إلى طريق الفلسفة، بل إن بعض النقاد لاحظ أن المتنبي ينقل أحياناً كثيرًا من أقوال أرسطو وحكمه، ويدخلها في شعره. وقد أخرج الحاتمي هذه الأقوال التي وافق فيها الشاعر كلام أرسطو في رسالة خاصة هي المعروفة بالرسالة الحاتمية، ولكنه أقرَّ بتفوق المتنبي وبراعته في هذا المجال، فقال: «وقد أتى في شعره بأغراض فلسفية، ومعانٍ منطقية، فإن كان ذلك منه عن محض ونظر وبحث فقد أغرق في درس العلوم ، وإن يكُ منه على سبيل الاتفاق فقد زاد على الفلاسفة بالإيجاز والبلاغة والألفاظ الغريبة، وهو في الحالين على غاية من الفضل ...».

وتركت هذه المعارف بصماتها على اللغة الشعرية التي كان أبو الطيب يستخدمها، فراحت تتعقد على يديه تعقدًا شديدًا، لأنها لما تألف بعدُ هذا اللون الجديد من المعاني والأفكار، فراح يتصرف فيها تصرف المالك المستبد، فاستكره كثيرًا من الألفاظ، وتصيَّد شواردها، واستعمل الحوشيَّ الغريب منها، كقوله مثلًا:

وما أرضى لمقلقةٍ بهمٍّ *** إذا انتبهتْ توهَّمَهُ ابتشاكا

الذي علق الثعالبي عليه قائلًا: «والابتشاك، الكذب. ولم أسمع فيه شعرًا قديمًا ولا محدثًا سوى هذا البيت ...». وقد عُرف المتنبي باطلاعه على اللغة اطلاعًا لا نظير له، كان من العارفين بأٍسرارها ودقائقها معرفة لا تكاد توجد عند أحد، وقد شهد له بذلك علماء اللغة أنفسهم.

قال العباسي في معاهد التنصيص: «كان المتنبي من المكثرين من نقل اللغة، والمطلعين على غريبها وحوشيها، ولا يُسأل عن شيء إلا ويستشهد فيه بكلام العرب من النظم والنثر. حتى إن الشيخ أبا علي الفارسي قال له يومًا: كم لنا من الجموع على وزن (فِعْلىَ)؟ فقال المتنبي في الحال: (حِجْلىَ وظِرْبىَ) قال الشيخ أبو علي: فطالعتُ كتب اللغة ثلاث ليالٍ على أن أجد لهذين الجمعين ثالثاً فلم أجد».

وكان مزهوًا بهذه المعرفة العميقة بشؤون اللغة ومسائلها، وهو يأبى إلا أن يُدِلَّ بها، ويدخلها في شعره متعمدًا، حتى يلفت النظر إلى مبلغ علمه وسعة اطلاعه.

قال ابن رشيق: «كان يأتي بالمستغرب ليدل على معرفته»، وأضاف إلى ذلك ما يمكن أن يسعفه على هذا التوسع اللغوي، ويفتح أمامه آفاقًا أوسع في التعامل مع اللغة، فبدا وكأنه يؤثر المذهب الكوفي، وينحو منحى أصحابه، ويأخذ بطرائقهم في النحو واللغة والصرف، فقد أقبل على شواذ اللغة التي يجيزها المذهب الكوفي الذي كان في الواقع أرحب صدرًا، وأكثر اتساعًا لقبول هذه الشواذ والتساهل في ما خالف القياس منها، فلاحظ العلماء أنه قد وقع في كلامه كثير مما يجيزه الكوفيون، ولا يأخذ به البصريون، ولا يدور إلا على ألسنة العلماء.

وهكذا كانت الظاهرة اللغوية في شعر المتنبي أمرًا ملفتًا للنظر حقًا، وكانت إحدى القضايا المهمة التي التفت إليها نقاد شعره وخصومه، وتوقفوا عندها طويلًا.

كما توقفوا عند أسلوبه في استخدام الاستعارة بشكل خاص، فلاحظوا أنه مثل أبي تمام يُبْعِد في التصوير، ويشط في الخيال، فتخرج الاستعارة عنده أحيانًا عن حدها الذي ألفه القدماء. كان مقياس الجودة في التصوير عند القدماء القصد والاعتدال، وعدم الإغراق والغلو، فإذا شبه الشاعر اختار من الأشياء ما وضحت فيه الصلة بين المشبه والمشبه به.

وظهرت العلاقة بينهما ظهورًا واضحًا جليًا، فتبدو الصورة عندئذٍ قريبة، سهلة المآخذ، ولكن المتنبي -ومن قبله أبو تمام- يُبْعِدُ في الاستعارة أحيانًا، ويُغْرِق في الصورة، فتنبهم العلاقة بين طرفيْ التشبيه، ويجافيها الوضوح. وقد عُدَّ ذلك من العيوب التي أُخذت على أبي الطيب كما أخذت من قبلُ على الطائي.

 قال الثعالبي: «من عيوب المتنبي إبعاد الاستعارة والخروج بها عن حدها، كقوله:

تجمَّعَتْ في فؤاده هِمَمٌ *** ملَّ فؤاد الزمانِ إحداها

وقوله:

لم يحكِ نائلُكَ السحابَ وإنما *** حُمَّتْ به فصبِيْبُها الرُّحَضَاءُ

وقوله:

إلا يَشِبْ فلقد شابتْ له كبِدٌ *** شيبًا إذا خضَّبَتْه سلوةٌ نصلا

وقوله:

وقد ذقتُ حلواء البنين على الصبا *** فلا تحسبيني قلتُ ما قلتُ عن جهل

فجعل للزمان فؤادًا، وللسحاب حُمَّى، وللكبد شيبًا ... وهذه استعارات لم تجرِ على شبه قريب ولا بعيد، وإنما تصح الاستعارة وتحسن على وجه من الوجوه المناسبة، وطرف من الشبه والمقاربة ...».

كان أبو الطيب شاعرًا مثقفًا، عميق الثقافة بكل ما عرفه عصره الزاخر من أنواع المعارف والعلوم

التفاوت الفني عند المتنبي

ولقد كانت هذه المآخذ بطبيعة الحال أمورًا يسيرة هينة لا تنتقص من مكانة شاعر كبير كأبي الطيب، ولكنها كانت ترد في شعره كالبقع السوداء في الثوب الأبيض، كانت نتوءاتٍ خشنة قلقة تتلامح على صفحة شعره البراقة الممتعة، فتفسد صفاء الصورة، وتسيء إلى تناسقها والتئامها، ويكون من ذلك ما ينغص على النفس ما تلقاه في هذا الشعر من روعة وجمال.

ومن هنا كان من جملة مآخذ النقاد على أبي الطيب أن شعره متفاوت متباين في بعض الأحيان، وأنه -على حد تعبير الثعالبي- يُتْبع الفقرة الغراء بالكلمة العوراء، فيفصح شعره بذلك عن كثرة التفاوت، وقلة التناسب، وتنافر الأضداد، وتخالف الأبيات، ويجمع بين البديع النادر، والضعيف الساقط.

يقول الثعالبي: إن أبا الطيب حين «يصوغ أفخر حلي، وينظم أحسن عقد، وينسج أنفس وشْيِ، ويختال في حديقة ورد، إذا به رمى بالبيت والبيتين في إبعاد الاستعارة، أو تغويص اللفظ، أو تعقيد المعنى، إلى المبالغة في التكلف، والزيادة في التعمق، والخروج إلى الإفراط والإحالة والسفسفة والركاكة، والتبُّرد والتوحُّش باستعمال الكلمات الشاذة، فمحا تلك المحاسن، وكدّر صفاءها ...».

ولقد كان باستطاعة أبي الطيب أن يصفي شعره من هذه الأدران التي تفسده حتى يعود مستويًا، صحيح النسج، ملتئم الأجزاء، ولكنه كان كالطائي من قبل ضنينًا بمعانيه، معتدً بكل ما يسوقه الخاطر، ومن ثم لم يكن يردُّ شيئًا مما يقع له ولو كان تافهًا لا قيمة له. قال أبو القاسم الأصفهاني عنه: "وما كان يرادّ طبعه في شيء مما يسمح به. يقبل الساقط الرِدّ، كما يقبل النادر البِدْع ...".

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة