ابن رشيق القيرواني: صاحب العمدة وعبقري النقد في عصر الدويلات

يبرز أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني الأزدي في تاريخ الثقافة العربية بوصفه ناقدًا فذًّا استطاع أن ينقل دقة صياغة الذهب التي ورثها عن والده إلى عوالم الكلمة وبناء القصيدة.

فمن قلب مدينة «مسيلة» الجزائرية، انطلق هذا العبقري نحو القيروان ليصقل موهبته ويتحول إلى مرجع لا يغيب في علوم الأدب والبلاغة، متخذًا من كتابه «العمدة» منارةً أضاءت دروب النقد للأجيال المتلاحقة.

كيف يزدهر الأدب وسط الانقسام السياسي؟

من الظواهر التي تسترعي الكثير من الانتباه، وقد تبدو طبيعية، وإن كانت لا تستغني عن التأمل والدرس، أن المرحلة التي تقطعت فيها الإمبراطورية العباسية إلى عدد من الإمارات، وكل واحدة منها تتمتع بشبه استقلال ذاتي لا ينقص منه إلا الارتباط الأسمى بالخليفة في بغداد.

ومثلها تلك المرحلة التي تمزقت فيها الخلافة الأموية في الأندلس، وتعددت فيها الإمارات، وكل إمارة تتمتع هي أيضًا بما يشبه هذا الاستقلال، أن الأدب ازدهر ونما النمو الذي لا نزال نعيش ثراءه وعطاءه عندما نعود إلى أنفسنا في محاولة للبحث عن اللغة العربية ومقوماتها ومادة تكوينها الروحي، فكرًا، وفنًا، وسلطانًا واسعًا في العلوم من فلك ورياضيات وطب وهندسة، ورواقًا ممتدًا يقل نظيره في تراث الأمم، في الأدب والشعر منه على الأخص.

ظاهرة قلنا إنها تبدو طبيعية، ولها ما يشبهها في حياة بعض الأمم، كألمانيا التي ازدهر فيها الأدب وظهر فيها الأعلام في الشعر والمسرحية، مثل «جوته» و«شيلر»، والأعلام في الموسيقى، بل وفي الفلسفة ومختلف قضايا الفكر، قبل أن تتحد إماراتها.

والسبب هو أن كل إمارة كانت تحرص على أن تستكمل أو تستزيد من سلطانها وعنفوانها وأبهة مظاهرها، وكان يزدهيها أن يتلألأ إلى جانب ما يتلألأ من الصولة والصولجان، والعرش والديوان، أولئك الأعلام من الشعراء والكتاب، والفحول من العلماء، والعباقرة من الفنانين.

والشاعر الملقب بابن رشيق القيرواني، أحد هؤلاء الأعلام الذين احتضنهم بلاط «المعز بن باديس الصنهاجي» حاكم المغرب في المئة الرابعة بعد الهجرة، وفي المرحلة التي كان الفاطميون يحكمون فيها مصر، ولا يزال للعباسيين سلطانهم على دويلاتهم في بغداد وسوريا أو حلب بالذات.

فكان من الطبيعي، أن يزدهي بلاط بن باديس بمثل من يزدهي بهم بلاط غيره من الملوك في تلك المرحلة من تاريخ الإمبراطورية العربية، التي تمتد من السند إلى إسبانيا، على ما تعانيه في الداخل من انقسام وتنازع وتناحر، ليس مما يستغرب، أن نرى أثره لا يزال باقيًا في القرن العشرين.

من هو ابن رشيق القيرواني؟ النشأة والتكوين

ولد ابن رشيق القيرواني صاحب كتاب العمدة في مدينة المسيلة شرق الجزائر، وكان والده يعمل في صياغة الذهب على عكس الابن الذي اتجه إلى الأدب، غادر مدينته إلى القيروان عام 406هـ، لكونها تعج بالأدباء والعلماء، فعكف على دراسة النحو والشعر والأدب والبلاغة من نوابغ الأدب في ذلك العصر مثل ابي إسحاق الحصري القيرواني، وأبي سهل الخشني الضرير.

من هو ابن رشيق القيرواني؟

عمل ابن رشيق على مدح حاكم القيروان وهو المعز بن باديس في ذلك الوقت، فتقرب منها، فقام بمدح رئيس الديوان، وألف له كتاب العمدة في نقد الشعر، وقد تولى شؤون الكتابة المتصلية بالجيش، واستقر ابن شريق في القيروان ثم غادرها إلى مدينة المهدية، وتوفي بجزيرة صقلية.

نسب ابن رشيق وصراعه مع المتربصين

وابن رشيق، ينسب نفسه إلى القيروان لأنه وُلِد في إحدى مدنها أو قراها الكبيرة التي تُسمى «مسيلة».. على بعد أميال من تونس.. ثم يضيف إلى ذلك أنه «الأزدي» ويقول المؤرخون، إن أباه رومي من موالي «الأزد»، والأزد كما هو معلوم قبيلة عربية لها البطون الأربعة المعروفة بأزد عمان، وأزد السراة في اليمن، وأزد شنوءة من نواحي اليمن، وأزد غسان. وقد وجد من عاب عليه نسبه إلى الأزد، وذكره بأن أباه رشيق مولى من الموالي، فقال ابن رشيق:

أما أبي فرشيق ليست أنكره *** قل لي: أباك وصيِّرْه من الخشب

ثم يقول: ما أبغى به أبًا، ولا أرضى بمذهبه مذهبًا.. رضيت به روميًا، لا دعيًا ولا بدعيًا.

ويذكرنا ابن رشيق بأمير الشعراء أحمد شوقي، الذي قيل إنه -وقد نشأ- في قصر إسماعيل، وكان مصابًا بالحول، فعولج، بالقطع من الذهب توضع بين يديه يلهو بها، ويديم النظر إليها إلى أن استقامت نظرته وذهب حوله.. فقد كان رشيق الذي يفخر به ابنه يشتغل بصياغة الذهب.

ولم يكن مصابًا بالحول كأحمد شوقي، ولكن صياغة الذهب عمل يحتاج إلى كثير من الإتقان والتفنن والدقة، وسمو الذوق، حتى ليمكن أن يُعد بعض الصاغة الكبار فنانين عباقرة إذا رأينا روائع ما أبدعوه من التحف للنحور والصدور، وللآذان والمعاصم والرسغ.. فلا عجب أن نرى الابن، وقد اتجه إلى الأدب، دارسًا وناقدًا ومبدعًا وفنانًا، يبلغ من الدقة في النظر، والرهف في الحس، والعمق في التتبع ما يُشبه به صائغ الذهب المبدع الفنان.

تعريف ابن رشيق القيرواني للشعر: الأركان الأربعة للجمال

 

«الشعر يقوم بعد النية من أربعة أشياء، وهي: اللفظ، والوزن، والمعنى، والقافية؛ فهذا هو حد الشعر؛ لأن مَن أخل بواحد من هذه الأركان لم يُسمَّ كلامه شعرًا».

كتاب «العمدة»: دستور النقد ومنهج التبويب الفريد

إن ابن رشيق تفرد فيما عالج في كتاب «العمدة»، عن محاسن الشعر وآدابه ونقده، إذ لا يخلو كتاب من هذه التي نسميها الأمهات في الأدب من هذه الالتفاتات البارعة إلى محاسن الشعر، كما لا تخلو من النقد الذي يؤكد طول باع الناقد ودقة بصره وبصيرته.

ولكن ليس ما يمنع من القول إن العمدة -أبرز كتب ابن رشيق القيرواني- يمتاز بأسلوبه فيما ينقل عن غيره، باختصار الإسناد المعتاد في الكثير مما نجده عند غيره، وبمنهجه في حسن التبويب، وحصر المواضيع في كل باب أو فصل من فصوله، دون ذلك الاستطراد الذي يدخلك أحيانًا فيما يشبه الدوامة أو المتاهة من الأقوال والآراء.

كتاب «العمدة»

وهو يرفع كتاب «العمدة» هذا، إلى أبي الحسن علي بن أبي الرجال، وكان هذا رئيسًا لديوان المعز بن باديس الصنهاجي حاكم المغرب، أو ملكها كما يُلقب في بعض ما يُكتب عنه. ولسنا ندري ما الذي منع أن يرفع ابن رشيق كتابه إلى ابن باديس نفسه؟ إلا أن يكون مقامه أو مكانته في بلاط ابن باديس، ليس ذلك المقام أو تلك المكانة التي تبيح له أو تمده بالجرأة على أن يرفع الكتاب إليه، وإن كان مَن أرخوا سيرة حياته، وترجموا له، يقولون إن الصلة توثقت بينه وبين الحاكم، فضمه إلى كتَّاب ديوانه. وهذا هو الأرجح فيما نرى.

فكأننا بابن رشيق يعرف قدر نفسه بالنسبة للحاكم، ويرى الفضل فيما نعم به من رعاية هذا الحاكم له، يعود إلى رئيس الديوان ابن أبي الرجال، لا يجد ما يعبر به عن الاعتراف بهذا الفضل سوى أن يرفع إليه هذا الكتاب الثمين.

والكتاب حافل بإطراء ابن أبي الرجال، وما نجده من بعض المقطوعات والأبيات هنا وهناك ينسبه ابن رشيق إلى ابن أبي الرجال هذا؛ ما يدل على أنه كانت له مشاركة واسعة في الشعر، وعلم بفنون الأدب، الأمر الذي يجعل العلاقة بينه وبين ابن رشيق علاقة زمالة أكثر منها علاقة مرؤوس برئيس.

وفي إهدائه للكتاب، أو رفعه إلى ابن أبي الرجال، يتلامح لنا سبب آخر غير مجرد الزمالة أو الإعجاب بشخصية ابن أبي الرجال، وهو على الأرجح نوع من الجفوة بين ابن رشيق وبين رئيسه، وأن رفع الكتاب إليه، والإسراف في إطرائه.

ورواية ما ذكرناه من المقطوعات الشعرية من شعر ابن رشيق، كان محاولة للاسترضاء والاستعطاف، إذ نراه يقول: «ولما عدلت بي الحال عن حضور مجلسه الباهر، ومنعني الإجلال عن مناسمة خلقه الزاهر، وطال اشتياقي إلى تلك الطلعة الكريمة، نفضت جراب صدري، وانتقدت كنز معرفتي...» إلى آخر ما يقول.

وينتهي بجملة ويختمها ببيت من الشعر، هي: فإن وقع منه بموقع، وحل من قبوله في موضع، بلغت الإرادات، ورجوت الزيادات. وأما البيت من الشعر، فشطره الأول فيه التفاتة إلى الألوان، تلمح إلى دقة حسه وبراعة تصويره، إذ يقول:

وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه *** وأول الغيث قطر ثم ينسكب

وقد لا يكون هو الذي قال هذا البيت، وإنما استشهد به، ولكن ليس في الكتاب ما يشير إلى شيء من ذلك، مع أن الذين حققوه، لم يغفلوا عن الإشارة إلى قائلي الأبيات التي كان يستشهد بها، ويسهو عن إسنادها إلى قائلها، أو لا يرى ضرورة إلى الإسناد، إذ يظن أن ما يستشهد به أشهر من أن يحتاج إلى إسناد.

كما ألف ابن رشيق كتاب «قراضة الذهب في نقد أشعار العرب»، وكتبًا أخرى غالبها لم يصل إلينا.

 

متى توفي ابن رشيق القيرواني؟

وعلى جاري العادة في الاختلاف عند ذكر تاريخ مولد المُترجم له أو تاريخ وفاته بين أعلام الأدب العربي، يوجد اختلاف بين المؤرخين على تاريخ ميلاده وعلى تاريخ وفاته.

ولكن الأرجح، أنه وُلِد في عام 390 من الهجرة، أي أن بيننا وبين يوم مولده 10 قرون، فما أعجب وما أعظم أن يزدهر الأدب العربي هذا الازدهار! قبل ألف عام، وأن يعيش هذا العمر الطويل.

ولا تزال تتدفق فيه عناصر الحيوية المُبدعة التي لا نشك في أن من يجد الوقت لتتبعها واستلهام شواردها، يستطيع أن يُعيد إلى الأدب العربي من عناصر الحياة أكثر كثيرًا مما نتوهم أن آداب اللغات الأخرى، التي لا يزال الاهتمام بها والمحاولة الفاشلة للتأثر بها، تستغرقنا في مستنقعات يجدر بقادة الفكر والأدب أن يتصدوا لانتشال الجيل الصاعد منها، إذا كنا نريد للذات العربية أن تجد نفسها، وأن تشعر باستقلالها الفكري وبالأدب الذي يُردد صداه العالم، كما لا يزال يُردد صدى الأمهات من تراثنا العريق.

أما متى توفي القيروان؟ فإنه يوجد من يُرجح أن ابن رشيق قد تُوفي في عام 456 للهجرة، فكأنه قد عاش 66 عامًا. وهو عمر طويل نسبيًّا كما نرى، لا بد أن يكون قد امتلأ بالكثير من المؤلفات في فنون من الأدب والبلاغة، أو في غيرهما.

مؤلفات ضائعة وعمر مديد في خدمة التراث

ويقول الأستاذ عبد الرؤوف مخلوف، الأستاذ المساعد بالمعهد العالي الفني بالقاهرة، الذي نال درجة الماجستير على بحثه عن ابن رشيق، إنه قد أحصى له ما يزيد على ثلاثين مؤلفًا، ولكن لم يصل إلينا، ولم يبقَ له مما يضعه في صفوف الأعلام من مؤلفي الأمهات من التراث، إلا كتابه -الذي سماه- «العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده».

إن ابن رشيق، وهو يصف فن الحفاث الذين صاروا ثعابين، والبغاث الذين صاروا شواهين، في عصره، لا يبتعد كثيرًا عن وصف بعض الواقع في عصرنا هذا، الذي أتاحت فيه الصحافة الرخيصة في أكثر من بلد، اختلاط الحابل بالنابل، واستكثرت من البغاث، والحفاث، الذين يختلفون عمن وصفهم ابن رشيق، بأنهم ظلوا بغاثًا وحفاثًا، ومع ذلك تُفسح لهم صدور الصحف، وتُفتح لهم أبواب الفن.

ويُحسبون على الحياة الفكرية في عصر ازدهرت فيه الدنيا كلها علمًا وأدبًا وفنًا، وظل العالم العربي وحده يعاني -وعلى الأخص بعد الحرب العالمية الثانية- حياة فكرية هي بالزحف أشبه منها بالمشي، وبالتدرج والحبو أشبه منها بالتوثب والانطلاق.

وبيننا وبين ابن رشيق ألف عام.. ولكنك حين تقسر نفسك على أن تفرغ له ساعة من نهار لشهر واحد، تخرج برصيد من العلم بفنون الشعر وروائعه، وشوارد معانيه، وروعة صوره، وأصول النقد الفني فيه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة