في هذه المقالة نُناقش بشيء من الإسهاب بعضًا من أفكار العالم ابن خلدون ووجهات نظره بوصفه رائدًا من رواد علم الاجتماع، أسهم في صياغة مبررات وجود هذا العلم ضمن دائرة العلوم والمعارف الإنسانية.
اقرأ أيضًا: أفضل 10 نتائج خاطئة في العلم
خلفية تاريخية
عرف ابن خلدون بنفسه في مستهل كتابه بقوله: "العبد الفقير إلى رحمة ربه الغني بلطفه عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون الحضرمي وفقه الله تعالى (المقدمة، ص8) و"خلدون" هو الداخل إلى الأندلس، والحضرمي نسبة إلى حضرموت من عرب اليمن.
وُلِد ابن خلدون في تونس في غرة رمضان سنة (732هـ - 1332م)، وتوفي في القاهرة سنة (808 هـ - 1406م). عاش ما يقارب ثلاثة أرباع القرن حياة حافلة بالنشاط والحركة والحيوية، واشتهر بعدد من الألقاب الدالة على المناصب التي شغلها في ميادين الإدارة والسياسة، والخطابة والقضاء، والدرس والبحث.
ولكي يبرز أثر المناخ الاجتماعي والسياسي والتاريخي الذي نشأ فيه ابن خلدون على آرائه وفلسفته ونظريته الاجتماعية، تولى بنفسه كتابة هذا المناخ بعنوان (التعريف بابن خلدون ورحلته غربًا وشرقًا).
نشأ ابن خلدون في أسرة شاركت في الحياة الفكرية والسياسية، فنسبه يرجع إلى وائل بن حجر الذي كان من كبار الصحابة رضوان الله عليهم.
رحل أحد حفدته إلى الأندلس، وهو خالد بن عثمان الذي تحول اسمه وفقًا لعادات المغاربة إلى خلدون، وعُرف حفدته بهذا الاسم: "بنو خلدون". وحظي بنو خلدون بمكانة علمية في إشبيلية، وتولوا في تونس مرات عدة أعلى مراتب الدولة.
جمعت أسرة ابن خلدون بين اهتمامين رئيسين هما: السياسة والعلم. ولقد انعكس هذان الاهتمامان على نفسية ابن خلدون بصورة واضحة، فكادت حياته تنقسم قسمة عادلة بين الاشتغال بالسياسة والعلم.
يقول ابن خلدون: "لم أزل منذ نشأت، وناهزت، منكبًا على تحصيل العلم، حريصًا على اقتناء الفضائل، متنقلًا بين دروس العلم وحلقاته".
والعصر الذي عاش وعمل وفكر خلاله ابن خلدون -النصف الثاني من القرن الثامن للهجرة والرابع عشر للميلاد- كان عصرًا ذا طابع خاص؛ إذ شهد العالم العربي تدهورًا وتحولًا نحو التفكك، على حين بدا النهوض والتقدم في العالم الغربي.
وجدير بالذكر أن ابن خلدون قد دخل الحياة السياسية إبان هذه المدة، خاصة بلاد المغرب الأوسط، التي كانت بمنزلة البؤرة الأساسية لهذه التقلبات.
وكانت القبائل البدوية هي الأداة القوية لإحداث مثل هذه القلاقل السياسية.
اتصل ابن خلدون بهذه القبائل، واستطاع بصفاته وسماته الشخصية أن يؤثر في سياسة الدول المغربية تأثيرًا ملحوظًا.
ففي تونس وجد نفسه منتميًا إلى أسرة ذات أصول في ميدان العلم والمعرفة، وجمع في تعليمه بين العلوم الدينية والعلوم العقلية. ولقد اتصل ابن خلدون عن طريق شيخه عبد المهيمن ومحمد بن إبراهيم الإيلي بذوي النفوذ والسلطان، حتى إن ابن خلدون كان يعمل مع الوزير تافراكين وهو لم يزد بعد عن العشرين عامًا.
اقرأ أيضًا: بحث عن مفهوم علم النفس اللغوي
الاجتماع الإنساني: موضوعه وأهميته ومنهجه
أكد ابن خلدون ضرورة وجود علم مستقل لتناول قضايا الاجتماع الإنساني والعمران البشري، ووضع لهذا العلم موضوعًا ومنهجًا، وأقام بناؤه على أساس تأمل ونظر وخبرة فعلية واسعة.
يقول ابن خلدون: "اعلم أنه لما كانت حقيقة التاريخ أنه خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم، وما يعرض لطبقة ذلك العمران من الأحوال مثل التوحش والتأنس والعصبيات".
هكذا، يبدأ ابن خلدون بتحديد جوهر التاريخ بأنه هو للتاريخ الاجتماعي الذي يختص بأنماط المجتمعات الإنسانية، من وحشية (بدائية، أو مدنية، أو قبلية تلعب فيها العصبية دورًا بارزًا).
وإذا كان التاريخ في جوهره هو تاريخ المجتمعات البشرية، فإن الكتابة عن هذه المجتمعات لا تكون "بالتأمل" وإنما بالمعايشة و"المطابقة" بين الفكر والواقع. ويقول ابن خلدون: "وأما الأخبار عن الواقعات فلا بد في صدقها وصحتها من اعتبار المطابقة، فلذلك وجب أن ينظر في إمكان وقوعها، وصار ذلك أهم من التعديل ومقدمًا عليه".
وحينما يقرر ابن خلدون الحقيقة الاجتماعية للتاريخ نجده يؤكد أن ذلك يستدعي وجود علم مستقل قائم بذاته لدراسة الواقعات الاجتماعية، وفي ذلك يقول: "... وهذا هو غرض هذا الكتاب الأول من تأليفنا، وكأن هذا علم مستقل بنفسه".
فعلم العمران البشري علم مستقل يتناول بالدراسة كل ما يلحق بالحياة الاجتماعية من عوارض أو تغيرات.
وهذا العلم، في رأي ابن خلدون، "مستحدث"، ولم يسبق أن تحدث منه بهذه الكيفية من قبل. هو علم جديد، عظيم الفائدة.
ويقسم ابن خلدون مجالات الدراسة في العمران البشري إلى عدة أقسام:
1- "العمران البشري على الجملة"، ويوضح فيه حدود العلم وأهميته.
2- "العمران البدوي"، ويتناول القبائل والأمم الوحشية.
3- "الدول والخلافة والملك وذكر المراتب السلطانية"، وهو بحث في الاجتماع السياسي.
4- "العمران الحضري"، بحث في المدن والأمصار.
5- "في الصنائع والكسب والمعاش وجوهه"، بحث في الاجتماع الصناعي والاقتصادي.
6- "في العلوم واكتسابها وتعلمها"، بحث في الاجتماع التربوي.
اقرأ أيضًا: تعرف إلى أشهر علماء الكيمياء وإنجازاتهم
المحاكاة والقهر الاجتماعي
حظيت فكرة المحاكاة أو التقليد باهتمام كبير من مفكري علم الاجتماع خلال القرن التاسع عشر الميلادي.
وينطوي مقدمة ابن خلدون على الكثير من الأفكار الخاصة بتأثير التقليد أو المحاكاة في الحياة الاجتماعية. وهو يطلق على هذه العملية مصطلحات مثل: المحاكاة، والتشبه، والاقتداء، والتقليد.
يقول ابن خلدون: "إن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره، وزيه، ونحلته، وسائر أحواله وعوائده".
ونجد في كتابات ابن خلدون تأكيدًا واضحًا لفكرة القسر الاجتماعي، أي الضغط الذي تمارسه العادات والتقاليد الاجتماعية على الأفراد والجماعات.
نظرية التطور التدريجي
لم تكن النظرية التطورية في علم الحياة بمنزلة نظرية عن تطور الأنواع فحسب، وإنما كانت نقبًا أو اعتقادًا أثَّر تأثيرًا كبيرًا في مجالات الاجتماع، والاقتصاد، والسياسة، والقانون.
يقرر ابن خلدون، في تناوله لعلم التاريخ، حقيقة هامة مؤداها: "أن أحوال العالم والأمم وعوائدهم ونحلهم لا تدوم على وتيرة واحدة".
الإنسان والبيئة
عقد ابن خلدون فصلًا تناول فيه الأقاليم وخصائصها البيئية، وأوضح مدى تميز بعضها عن بعض بدرجة الحرارة والبرودة. وهو في تقسيمه لهذه الأقاليم يسير على ما وصفه الجغرافيون القدماء من تقسيم للأرض إلى سبعة أقاليم، ثم تقسيم كل إقليم إلى عشرة أجزاء.
إن المناخ يؤدي دورًا في ألوان البشر وأخلاقهم وطبائعهم، وهو مرتبط بحالة العمران البشري.
ولقد كتب ابن خلدون يصف حالة العمران في هذه الأقاليم، يقول: "فالإقليم الرابع أعدل العمران الذي ما فاته من الثالث والخامس أقرب إلى الاعتدال الذي يليهما، والثاني والسادس، بعيدان عن الاعتدال".
الحياة البدوية والحضرية
يؤسس ابن خلدون تفرقته بين البدو والحضر على وجهة نظر اقتصادية أساسًا، ويقول: "إن اختلاف الأجيال في أحوالهم، إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاش".
ومن ثم، فإن "النحلة المعايشة" تؤثر في تكوين الطبائع والصفات الاجتماعية والثقافية.
ثم يحدد ابن خلدون في مقر لاحق وجوه المَعِيش أو أنواع تحصيل الرزق من اصطياد، وفلاحة، وصناعة، وتجارة.
الاجتماع الاقتصادي
يبحث الاجتماع الاقتصادي في التداخل القائم بين الأنشطة الاقتصادية ومقومات الحياة الاجتماعية الأخرى. وقد تناول ابن خلدون معالجة الصلة بين الاقتصاد ووجوه الحياة الاجتماعية في فصول متعددة من المقدمة. يبدأ من مفهوم "العمل الإنساني" باعتباره المفهوم الأهم في النشاط الاقتصادي.
ويوضح ابن خلدون ارتباط الظواهر الاقتصادية الاجتماعية بالحياة الحضرية. فيذهب إلى أن ظروف الإقامة الحضرية قد تتيح لطبقة من الناس فرصة الثراء.
ويرتبط البحث في الاجتماع الاقتصادي ومسائله بالبحث في فرع مهم آخر هو الاجتماع الصناعي، حيث يتحدث ابن خلدون في فصل خاص عن: "أن الصنائع لا بد لها من العلم".
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.