إذا كانت فلسفة العبور قد بدأت من مراجعة التصور الذي يجعل الوجود ثابتًا، مكتملًا، محكومًا بحدود نهائية، فإن هذه المراجعة لا يمكن أن تتوقف عند الأنطولوجيا؛ إذ إن افتراض وجود ثابت ومكتمل يقود، بصورة شبه تلقائية، إلى افتراض معرفة قادرة على القبض عليه في صورة نهائية. فحين يُتصور الموجود بوصفه شيئًا مكتملًا في ذاته، يصبح من الممكن تصور المعرفة بوصفها عملية اكتشاف لهذه الحقيقة المكتملة، وكأن العالم يقف أمام العقل في صورة مستقرة، وكل ما يحتاج إليه الإنسان هو أن يزيل طبقات الجهل عنه حتى يصل إلى الحقيقة كما هي، ثم يضع يده عليها بوصفها نهاية السؤال. ومن هنا نشأت، في تاريخ الفكر، نزعة عميقة إلى النظر في المعرفة باعتبارها امتلاكًا للحقيقة، لا باعتبارها علاقة متحولة معها.
غير أن فلسفة العبور تقلب السؤال من أساسه.
فإذا كان الوجود لا يبقى على صورة واحدة، وإذا كان الموجود يتشكل داخل علاقاته وتحولاته، وإذا كانت الحدود نفسها ليست جدرانًا نهائية بل مناطق تتغير عندها الأشياء، فإن المعرفة لا تستطيع أن تكون صورة ثابتة لواقع متحرك إلا إذا افترضنا أن المعرفة تقف خارج الزمن والعلاقات والتاريخ، وهو افتراض يصعب الدفاع عنه. فالإنسان لا يعرف من خارج العالم، وإنما يعرف من داخله؛ ولا يقف فوق التحول لكي يراقبه، وإنما يتشكل وعيه نفسه داخل التحولات التي يحاول فهمها.
ولهذا فإن المبدأ الأول لإبستمولوجيا العبور هو:
إذا كان الوجود تحولًا، فإن المعرفة لا يمكن أن تكون امتلاكًا نهائيًا له، بل مشاركة متحولة في فهمه.
ولا يعني هذا أن الحقيقة غير موجودة، أو أن كل معرفة متساوية، أو أن الواقع مجرد بناء لغوي يمكن للإنسان أن يصنعه كما يشاء؛ فهذه النتائج النسبوية لا تترتب بالضرورة على نقد المعرفة النهائية.
إن ما ترفضه فلسفة العبور هو شيء أكثر تحديدًا: تحويل معرفة معينة إلى معرفة مكتملة، وتحويل تفسير تاريخي إلى حقيقة فوق التاريخ، وتحويل نجاح معرفي مؤقت إلى امتلاك نهائي للواقع.
إن الفرق جوهري بين القول إن الحقيقة غير موجودة، والقول إن علاقتنا بالحقيقة ليست قابلة للإغلاق. الأول ينتهي إلى العدمية المعرفية، أما الثاني فيفتح مجالًا لإبستمولوجيا أكثر تواضعًا وأكثر قدرة على التطور.
من المعرفة بوصفها مرآة إلى المعرفة بوصفها بناءً
تقوم إحدى الصور الكلاسيكية للمعرفة على استعارة المرآة: هناك عالم موجود في الخارج، وهناك عقل يستطيع أن يعكسه في الداخل، وكلما كانت المرآة أكثر صفاءً كانت المعرفة أكثر مطابقة للواقع. وقد كان لهذه الصورة أثر بالغ في تشكيل جزء كبير من التفكير الفلسفي والعلمي؛ إذ أصبح معيار المعرفة هو مقدار مطابقتها لموضوعها، وكأن المعرفة الناجحة هي التي تستطيع أن تنتج نسخة ذهنية صحيحة عن عالم مكتمل سابق على فعل المعرفة.
لكن هذه الصورة تغفل أن الإنسان لا يدخل إلى العالم بعين محايدة، ولا يستقبل الوقائع دون وسائط، ولا يستطيع أن يفصل المعرفة عن اللغة والمفاهيم والأدوات والتاريخ والأسئلة التي يطرحها. فالواقع لا يصل إلينا عاريًا من التأويل، ثم إن المعرفة لا تنشأ في فراغ.
إننا لا نرى العالم فقط؛ نحن ننتقي ونصنف ونقارن ونربط ونؤول.
وهذه العمليات ليست تشويشًا طارئًا على المعرفة، بل هي جزء من بنيتها نفسها.
فالعالِم حين يختار موضوعًا للبحث يكون قد اتخذ قرارًا معرفيًا سابقًا، وحين يحدد مفهومًا ويضع فرضية ويختار أداة للقياس يكون قد دخل فعلًا في بناء علاقة مخصوصة بالظاهرة. حتى الملاحظة العلمية، التي تبدو في ظاهرها أكثر الأفعال حيادًا، تعتمد على أجهزة ومفاهيم ونماذج سابقة تحدد إلى حد بعيد ما الذي يمكن ملاحظته وكيف يمكن وصفه.
وهذا لا يقلل من موضوعية العلم، بل يعيد تعريفها. فموضوعية المعرفة لا تعني أن الإنسان يستطيع أن يتخلص من كل موقع تاريخي ولغوي، وإنما تعني قدرته على اختبار ما ينتجه، ومراجعته، وتعريضه للنقد، ومقارنته بغيره، والكشف عن شروطه وحدوده.
ومن هنا تصبح المعرفة، في فلسفة العبور، ليست مرآة للعالم، وإنما عملية إعادة بناء مستمرة للعلاقة معه.
وهذا البناء ليس اختراعًا اعتباطيًا للواقع، لأن الواقع يقاومنا؛ إنه لا يسمح لنا بأن نقول أي شيء عنه بلا نتائج. لكن هذه المقاومة نفسها هي التي تجعل المعرفة ممكنة ومفتوحة في آن واحد: نحن نعيد بناء فهمنا للعالم، والعالم يجبرنا باستمرار على تعديل هذا البناء.
نقد وهم الوصول النهائي
تقوم المعرفة النهائية على افتراض ضمني مفاده أن هناك نقطة يمكن عندها أن يتوقف السؤال: نعرف كل شيء مهم، ونمتلك التفسير الصحيح، ونكون قد بلغنا الصورة الأخيرة للموضوع. لكن تاريخ المعرفة يكشف أن هذه اللحظة النهائية نادرة إلى حد يكاد يجعلها وهمًا منهجيًا.
لقد ظن الإنسان في مراحل كثيرة أنه وصل إلى حدود لا يمكن تجاوزها، ثم ظهر سؤال جديد من داخل ما ظنه نهاية. وما كان حقيقة راسخة في مرحلة معينة تحول إلى فرضية محدودة في مرحلة لاحقة، وما كان تفسيرًا كافيًا أصبح جزءًا من تاريخ العلم نفسه.
وهذا لا يعني أن المعرفة السابقة كانت باطلة بالكامل، بل يعني أن المعرفة قد تكون صحيحة ضمن أفق معين دون أن تكون نهائية.
وهنا تظهر أهمية مفهوم «العبور» في إبستمولوجيا المعرفة. فالمعرفة لا تنتقل بالضرورة من خطأ مطلق إلى صواب مطلق، وإنما قد تعبر من تفسير أقل اتساعًا إلى تفسير أكثر قدرة على استيعاب الظواهر، ومن نموذج محدود إلى نموذج أكثر تركيبًا، ومن سؤال بسيط إلى سؤال أكثر عمقًا.
إن تاريخ العلم نفسه يمكن أن يُقرأ بهذه الطريقة: ليس بوصفه موكبًا مستقيمًا من الجهل إلى الحقيقة النهائية، وإنما بوصفه سلسلة من عمليات إعادة بناء.
وهذا قريب، من زاوية منهجية، من التصورات التي جعلت قابلية النظرية للاختبار والنقد جزءًا من عقلانيتها، كما عند كارل بوبر، ومن التصورات التي أبرزت الطابع التاريخي لتحولات النماذج العلمية، كما عند توماس كون. لكن فلسفة العبور لا تختزل المعرفة في مجرد التكذيب أو تبدل النماذج، وإنما تركز على البنية الأعمق التي تجعل المعرفة نفسها عملية انتقال بين أطر للفهم.
الحقيقة لا تُمتلك بل يُقترب منها
إذا رفضنا المعرفة النهائية، فكيف يمكن أن نتحدث عن الحقيقة دون الوقوع في النسبوية؟
هنا تحتاج فلسفة العبور إلى تمييز دقيق بين الحقيقة وامتلاك الحقيقة.
قد تكون هناك حقيقة تتجاوزنا، لكن هذا لا يعني أننا نمتلكها في صورة كاملة. وقد يكون الحكم أكثر صدقًا من حكم سابق، لكن صدقه لا يجعله مغلقًا أمام المراجعة. ويمكن للمعرفة أن تقترب من الواقع دون أن تتحول إلى صورة نهائية تستنفده.
وهذا يجعل الحقيقة أشبه بأفق لا بملكية.
الأفق يوجه الحركة دون أن يتحول إلى نقطة يمكن وضعها في الجيب. وكلما تحرك الإنسان نحوه اتسعت أمامه مساحة جديدة من الأسئلة. ولذلك فإن قيمة المعرفة لا تكمن في قدرتها على إعلان النهاية، وإنما في قدرتها على فتح أفق أكثر دقة للفهم.
إن المعرفة التي تقول «لقد انتهى السؤال» قد تكون أكثر خطرًا من المعرفة التي تقول «هذا ما نعرفه الآن، وهذه حدود معرفتنا».
ومن هنا يمكن صياغة مبدأ إبستمولوجي أساسي:
تواضع المعرفة ليس اعترافًا بضعفها، بل شرطًا لاستمرار قوتها.
فالمعرفة التي تعرف حدودها تستطيع أن تتطور، أما المعرفة التي تنكر حدودها فتحول نفسها إلى عقيدة.
المعرفة تاريخية لأنها إنسانية
لا توجد معرفة إنسانية خارج الزمن. فكل سؤال يظهر في سياق تاريخي، وكل مفهوم يحمل آثار المرحلة التي نشأ فيها، وكل نظرية تستجيب لمشكلات معينة، وكل نظام معرفي يحدد ما يمكن قوله وما يصعب قوله في زمن معين. وقد أظهر فوكو، بطريقته الأركيولوجية، أن المعرفة لا تتشكل فقط من خلال تراكم الحقائق، وإنما داخل أنظمة تاريخية تحدد شروط إمكان الخطاب وما يمكن أن يصبح موضوعًا للمعرفة.
ومن منظور فلسفة العبور، لا ينبغي أن تُفهم تاريخية المعرفة بوصفها عيبًا فيها، وإنما بوصفها شرطًا لكونها معرفة بشرية.
فالإنسان نفسه كائن تاريخي، ولذلك لا يستطيع أن ينتج معرفة غير تاريخية بصورة مطلقة. لكن الاعتراف بتاريخية المعرفة لا يعني السقوط في القول إن كل شيء نسبي ولا يمكن الحكم عليه؛ بل يعني أن علينا أن نعرف من أين جاءت المعرفة، وما الشروط التي جعلتها ممكنة، وما الحدود التي تحملها معها.
وهنا تتحول إبستمولوجيا العبور إلى ممارسة نقدية: إنها لا تسأل فقط «هل هذا القول صحيح؟»، وإنما تضيف: كيف أصبح هذا القول ممكنًا؟ ما الذي سمح له بأن يظهر؟ ما الذي يستبعده؟ ما الحدود التي يفترضها؟ وما الذي يمكن أن يتغير إذا تغيرت شروط إنتاجه؟ وهذا السؤال الأخير بالغ الأهمية، لأنه ينقل المعرفة من كونها نتيجة إلى كونها مسارًا.
المعرفة والتأويل
إذا كانت المعرفة متحولة، فإن التأويل يصبح جزءًا أساسيًا منها، لا مجرد نشاط خاص بالنصوص الأدبية والدينية. فكل معرفة تنطوي على قدر من التأويل، لأن الإنسان لا يتعامل مع الأشياء باعتبارها معطيات خامًا، وإنما يضعها داخل سياقات ومفاهيم وعلاقات.
وقد جعلت الهرمنيوطيقا الحديثة من هذه الحقيقة نقطة انطلاق مركزية؛ فغادامير، مثلًا، لم ينظر إلى الفهم بوصفه عملية يمكن فيها للذات أن تتخلص من تاريخها لتصل إلى موضوع محايد، وإنما رأى الفهم حدثًا تاريخيًا ولغويًا يتشكل داخل أفق سابق ويتغير بواسطة اللقاء مع ما نحاول فهمه. وفي هذا السياق يصبح التأويل أحد أشكال العبور الأساسية: عبور المعنى بين النص والقارئ، وبين الماضي والحاضر، وبين التجربة واللغة.
ولا يعني ذلك أن التأويل حرية مطلقة. فالنص يقاوم القارئ، والواقع يقاوم التفسير، والسياق يضع حدودًا، واللغة لا تسمح بكل شيء. لكن هذه الحدود لا تغلق المعنى؛ إنها تجعله مجالًا للحوار.
ومن هنا فإن القراءة ليست استخراجًا لمعنى مخبأ بصورة نهائية، وإنما إعادة بناء لعلاقة الإنسان بما يقرأه.
الخطأ بوصفه إمكانًا للعبور
في المعرفة النهائية، الخطأ هو عدو ينبغي التخلص منه، وكأن تاريخ الفكر يمكن أن ينقسم ببساطة إلى معرفة صحيحة وأخرى خاطئة. أما في إبستمولوجيا العبور، فإن الخطأ يكتسب وظيفة أخرى.
ليس الخطأ مطلوبًا لذاته، بالطبع، لكنه يمكن أن يصبح مرحلة كاشفة عن حدود النموذج المعرفي. فحين تفشل نظرية في تفسير ظاهرة، لا يكون الفشل مجرد نهاية، وإنما قد يكشف عن الحاجة إلى تغيير السؤال نفسه. وحين يصطدم المفهوم بواقع لا يستطيع استيعابه، فإن هذا الاصطدام يفتح إمكانية إعادة صياغته. وبذلك يصبح النقد ليس عملية هدم فقط، بل آلية عبور.
إن المعرفة تتقدم حين تستطيع أن تجعل فشلها مرئيًا. ولهذا فإن النظام المعرفي الأكثر نضجًا ليس الذي لا يخطئ، فهذا مستحيل، وإنما الذي يستطيع أن يكتشف أخطاءه قبل أن تتحول إلى عقائد.
من اليقين المغلق إلى الثقة القابلة للمراجعة
لا تريد فلسفة العبور أن تستبدل اليقين بالشك الدائم؛ فالشك المطلق لا ينتج معرفة، بل قد يعطل إمكان الفعل نفسه. الإنسان يحتاج إلى درجات من الثقة لكي يعيش ويقرر ويخطط ويؤسس المؤسسات. لكن الفرق بين الثقة المعرفية واليقين المغلق أن الأولى قابلة للمراجعة، في حين الثاني يمنع المراجعة.
يمكن للإنسان أن يقول: «هذا ما أراه صحيحًا بناءً على الأدلة المتاحة»، دون أن يقول: «هذا ما لا يمكن أن يكون غيره». الأولى صيغة معرفية ناضجة، والثانية صيغة سلطوية.
ومن هنا فإن إبستمولوجيا العبور لا تريد إنسانًا يشك في كل شيء، وإنما إنسانًا يعرف كيف يراجع ما يعتقد أنه يعرفه. وهذا هو العقل النقدي الذي تحتاجه فلسفة العبور: عقل لا يعيش بلا قناعات، لكنه لا يحول قناعاته إلى حدود نهائية؛ لا يرفض الحقيقة، لكنه يرفض ادعاء امتلاكها الكامل؛ لا يخاف من التغيير، لأنه يرى في مراجعة المعرفة شرطًا لاستمرارها.
المعرفة بوصفها عبورًا
عند هذه النقطة يمكن إعادة صياغة مفهوم المعرفة بصورة أكثر تحديدًا. المعرفة ليست انتقالًا من «عدم المعرفة» إلى «المعرفة» ثم توقفًا، وإنما سلسلة من الانتقالات: من السؤال إلى الفرضية، ومن الفرضية إلى الاختبار، ومن الاختبار إلى النتيجة، ومن النتيجة إلى النقد، ومن النقد إلى إعادة البناء، ومن إعادة البناء إلى سؤال جديد. ولهذا فإن المعرفة لا تنتهي عندما نجد جوابًا؛ ففي كثير من الأحيان يصبح الجواب الجيد سببًا في ظهور سؤال أفضل.
وهذه هي القيمة الفلسفية لفكرة العبور: إنها تجعل الحركة جزءًا من تعريف المعرفة، لا حادثًا خارجيًا يقع عليها. فالمعرفة الحية لا تسكن في النتيجة فقط، وإنما في المسار الذي أنتجها، وفي قدرتها على تجاوز نفسها عندما تظهر أسباب ذلك.
ومن هنا يمكن القول: المعرفة ليست ما نعرفه فقط، بل ما نستطيع أن نعيد النظر فيه. فالقدرة على المراجعة ليست علامة على نقص المعرفة، بل على حيويتها.
والمعرفة التي لا تستطيع مراجعة نفسها تتحول تدريجيًا إلى سلطة، والسلطة المعرفية حين تنسى تاريخها تبدأ في تقديم نفسها باعتبارها طبيعة. وهنا تتكرر الآلية نفسها التي كشفتها فلسفة العبور في نقد الهوية والحدود والتراتبية: ما كان نتيجة لعملية تاريخية يُعاد تقديمه بوصفه حقيقة نهائية.
ومن هنا فإن نقد المعرفة النهائية ليس مجرد فصل في نظرية المعرفة، وإنما جزء من النقد العام لفلسفة الثبات. فالماهية المغلقة تنتج هوية مغلقة، والهوية المغلقة تنتج حدودًا مغلقة، والحدود المغلقة تنتج نظامًا مغلقًا للمعرفة، ونظام المعرفة المغلق ينتج سلطة تدعي امتلاك التفسير النهائي.
وهنا لا تصبح المعرفة أقل صرامة لأنها قابلة للمراجعة، بل تصبح أكثر صرامة؛ لأن الصرامة الحقيقية ليست في رفض التغيير، وإنما في القدرة على تبرير ما نعتقده، واختبار ما نعرفه، والاعتراف بما لا نعرفه، والاستعداد لتغيير النتيجة عندما تتغير الأدلة أو تتسع زاوية الفهم.
إن المعرفة النهائية تريد أن تنهي العبور. أما إبستمولوجيا العبور فتريد أن تحمي المعرفة من وهم النهاية. فكل معرفة، مهما بلغت من القوة، تحمل داخلها تاريخها، وشروطها، وحدودها، وإمكان تجاوزها. ولذلك لا يكون السؤال الأهم: «هل وصلنا إلى الحقيقة؟» فقط، وإنما: ما الذي جعل هذه المعرفة ممكنة؟ وما الذي لا تزال عاجزة عن رؤيته؟ وإلى أي معرفة أخرى يمكن أن نعبر منها؟
عندها تصبح المعرفة فعلًا إنسانيًا مفتوحًا، لا مخزنًا للحقائق؛ ويصبح العقل ليس جهازًا لامتلاك العالم، وإنما قدرة على الدخول في علاقة متجددة معه. وهنا يمكن تثبيت المبدأ المركزي لهذا المبحث:
لا معرفة نهائية مغلقة، وإنما معرفة قابلة للمراجعة والتأويل وإعادة البناء؛ لأن الحقيقة لا تُختزل في صورة واحدة، والوجود لا يستنفد نفسه في تفسير واحد، والإنسان الذي يعرف لا يتوقف عن التحول وهو يعرف.
إن إبستمولوجيا العبور، في النهاية، لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن الحقيقة، بل أن يتخلى عن امتلاكها بوصفه نهاية. فالحقيقة التي تتحول إلى ملكية تصبح سلطة. أما الحقيقة التي تبقى أفقًا للفهم، فإنها تظل قادرة على أن تقود الإنسان إلى معرفة جديدة. وهذا هو الفرق بين المعرفة التي تسكن الحقيقة والمعرفة التي تعبر نحوها.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.