إنك تموت لتحيا

يعتبر الموت أكثر ما يواجه الإنسان في حياته غموضاً،فمابعد الموت هو المجهول.
والإنسان بفطرته يخاف من كل ما هو غامض ومجهول، لذلك بحث الإنسان كثيرا طوال حياته عن ماهية هذا اللقاء غير المرغوب فيه بالموت وإتّبع العقائد المختلفة ليكتشف أعظم سر واجهه حتى اليوم؛ الموت وما بعد الموت.

فكيف ناقشت الديانات فى العالم القديم تلك المعضلة و كيف انعكس هذا على حضاراته؟!

الموت حتمية للوجود البشري، النهاية المطلقة للحياة. إنفصال الجسد والروح وتحلل الأول وإنتقال الأخيرة من نمط للحياة أو للوجود إلى نمط آخر ,و هو هبوط الروح إلى العالم السفلي لتقيم هناك .

علميا، الموت هو حالة توقف الكائنات الحية نهائيا عن النمو والنشاطات الوظيفية الحيوية ولا يمكن للأجساد الميتة أن ترجع لمزاولة هذه النشاطات والوظائف ثانية .
أما مفهوم الموت فى الأديان السماوية ، فهو خروج الروح من جسم الإنسان والإنتقال إلى مرحلة الحياة الأخرى.

أغلب الأديان لا تحدد ماهية هذه الروح والكل يقول بأن هذا سرّ من أسرار الكون، يؤمن أتباع الديانات السماوية بأن هناك حياة أخرى بعد الموت تعتمد على إيمان البشر أو أفعالهم فينالون العقاب في النار أو الثواب في الجنّة، فهذه الديانات جميعها جاءت لترسخ مبدأ الثواب والعقاب في حين تؤمن ديانات أخرى بتناسخ الأرواح .
مثل الموت محورا هاما فى الحضارات القديمه و أرقت فكرة الموت فلاسفة العالم القديم ،و من أكثر الحضارات تأثرا بفكرة الموت و اهتماما به الحضارتين المصرية القديمة ( الفرعونية ) و اليونانية القديمة (الاغريقية )، فبالرغم من إختلاف فلسفة و ماهية الموت فى الحضارتين إلا إنه ترك آثاره على جميع نواحى حياتهم الأدبية و الفنية و الإجتماعية و الإبداعية .

"الموت" و "ما بعد الحياة" فى الحضارة المصرية القديمة:

" إنك تموت لتحيا "                      

إن المصري القديم هو أول من اهتم بمسألة البعث والخلود والحساب بعد الموت، وترك لنا أول وثائق دينية، عرفها الإنسان بهذا الصدد، وهو ما يُعرف بـ"كتاب الموتى"،

الذي وضع فيه تصوراً كاملاً ومفصلاً للحياة الآخرة.

وقد اعتبر المصري القديم أن هذا الكتاب دليله ومرشده الوحيد لبلوغ المحاكمة الأخيرة.

والكتاب عبارة عن لفائف بلغ عددها العشرين ألف نسخة، أقدم تلك النصوص يعود لعام 1500 قبل الميلاد، وأكبرها لفافة "آني"، التي تحتوي على 65 صلاة وتعويذة سحرية و150 رسماً ملوناً، ويبلغ طولها نحو 78 قدماً.

يساعد الكتاب الميت بعد تحنيطه على عبور العالم السفلي الموحش ببواباته الـ12، والتي تحرسها الثعابين والوحوش.

 وثقافة الموت التي أوجدتها الحضارة المصرية والتي تمثل أسلوب حياة وتخيلات وبنية رمزية وجدت تطبيقاتها في المدينة ، التي نقلت تلك الأمنيات الثقافية للموت من الأمنيات والرغبات والتصاميم إلى التشكيل المعماري القائم في الأهرامات والجبانات والنصب والأعمال الأدبية والطقوس الشعائرية .

اعتقد المصريون القدماء بالخلود أي وجود حياةأخرى ينعم بها المتوفي بعد الموت والبعث حيث إنه سوف يعود بعثة ثانية للحياة بعد موته ليحيا حياة خالدة فدفعهم هذا الإعتقاد إلى حفظ جثث موتاهم عن طريق التحنيط وكانوا يعتقدون أن الميت لا بد من تحنيطه ومده بالمؤونة اللازمة لرحلته المرعبة، فالتحنيط يساعد على الحفاظ على الجثة التي سوف تلتحم بالروح هناك، بعد أن يجتاز البوابات بالتعاويذ السحرية، التي تتضمن أسماء حراس كل بوابة. بعدها، وإن تمكن من العبور، يجد المحاكمة في إنتظاره.

و قد ذكر "كتاب الموتى" أن كل مصري قديم ذو شأن معين حريصا على تكليف الكهنة خلال تحنيطه و دفنه بتجهيز كتاب الموتى الخاص به، بحيث يذكر فيه إسمه و إسم أبيه وإسم أمه ووظيفته في الدنيا، وذلك إستعدادا ليوم وفاته وتجهيز طقوس نقله إلى مقبرته، و لم يكن هذا الأمر متوفراً لكل المصريين ﻷنه مكلف جدا، لذلك إختصت به طبقة معينة من النبلاء و الموظفين و خدام الآلهة في المعبد.

تلك التعاويذ و التمائم التي يحملها الكتاب هي تعليمات إرشادية تمكن الميت من تخطي العقبات والمخاطر التي ستصادف روحه في أثناء رحلته إلى الحياة الأخرى، وتدله أيضا على الوسائل التي يتعين عليه أن يستخدمها ليتمم هذه الرحلة بنجاح من دون أن يتعرض لأي سوء.

توجد في كتاب الموتى عادة صورة لأوزيريس جالسا على عرشه في الآخرة وإلى الخلف تستند إليه أختاه إيزيس ونفتيس، وأمامه أبناء إبنه حورس الأربعة الصغار ليساعدوه في حساب الميت.

و قد كان تصور المصري القديم أن الإله حورس سوف يأتي بالميت بعد نجاحه في اختبار الميزان ويقدمه إلى أوزيريس، ويُعطى لباسا جميلا ويدخله إلى الحديقة الغناء “الجنة”، و قبل ذلك لا بد من أن تتم عملية وزن أعمال الميت في الدنيا عن طريق وضع قلبه في إحدى كفتي الميزان وتوضع في كفة الميزان الأخرى ريشة “ماعت” وهي رمز “العدالة والأخلاق السوية”، فإذا كانت الريشة أثقل من قلب الميت، فمعنى ذلك أنه كان شخصاً طيبا في حياته و على خلق كريم فيأخذ ملبسا جميلا ويدخل حديقة “الجنة” حيث حقول الفردوس تتخللها الأنهار من تحتها ليعيش فيها راضيا سعيدا أبد الآبدين.

أما إذا ثقل قلب الميت عن وزن الريشة فمعناه أنه قد كان في حياته شخصاً شريرا، و عندئذ يُلقى بالقلب وبالميت إلى حيوان خرافي يكون واقفا بجوار الميزان – اسمه “عمعموت” – رأسه رأس أسد وجسمه جسم فرس النهر وذيله ذيل تمساح – فيلتهمه هذا الحيوان على التو وتكون نهايته.

يظهر الميت و هو يمثل أمام ما يسمى بمحكمة الموتى و هي مكونة من 42 قاضيا للإعتراف بما كان يفعله في حياته، في مقدمتهم رع-حوراختي. ونرى إلى اليمين أسفل منهم أوزيريس جالسا على العرش وخلفه تقف أختاه إيزيس و نفتيس وأمامه الأبناء الأربعة لحورس واقفون على زهرة البردي وقد قاموا بالمحافظة على جثة الميت في القبر، ثم يأتي حورس بالميت لابسا ثوبا جميلا ليمثل أمام أوزيريس ويدخل بعد ذلك الجنة. إلى اليسار نرى أنوبيس يصاحب الميت لإجراء عملية وزن قلبه، و في الوسط منظر عملية وزن القلب حيث يقوم الإله أنوبيس بوزن قلب الميت ويقارنه بريشة الحق “ماعت” ،و من الأجزاء الأساسية في كتاب الموتى دعاء خاص يدافع به الميت عن نفسه (ويسمى الإعتراف بالنفي)،فالميت حينها يلقي التحية المناسبة ثم يقول: 

 "السلام عليك أيها الإله الأعظم إله الحق، لقد جئتك يا إلهي خاضعاً لأشهد جلالك، جئتك يا إلهي متحلياً بالحق، متخلياً عن الباطل، فلم أظلم أحداً ولم أسلك سبيل الضالين، لم أحنث في يمين ولم تضلني الشهوة فتمتد عيني إلى زوجة أحد من رحمي، ولم تمتد يدي لمال غيري، لم أكن كاذباً ولم أكن لك عصياً، ولم أسعَ إلى الإيقاع بعبد عند سيده. إني يا إلهي لم أوجع ولم أبك أحداً، وما قتلت وما غدرت، بل وما كنت محرضاً على قتل، إنني لم أسرق من المعابد خبزها ولم أرتكب الفحشاء ولم أدنس شيئاً مقدساً، ولم أغتصب مالاً حراماً ولم أنتهك حرمة الأموات، إنني لم أبع قمحاً بثمن فاحش ولم أغش الكيل. أنا طاهر، أنا طاهر، أنا طاهر. وما دمت بريئاً من الآثام، فاجعلني يا إلهي من الفائزين".

بعد ذلك يتم وضع قلب الميت في الميزان، وفي الكفة الأخرى ريشة "ماعت"، التي ترمز إلى العدل والأخلاق الطيبة. وماعت هي إلهة الحق والعدل والنظام في الكون، وهي سيدة تضع على رأسها ريشة، ومنها اشتق المصريون قولهم في وصف السيدة المتحكمة بأن "على رأسها ريشة".

هكذا، إذا كان الميت شريراً وفارغاً من كل خير، تميل كفة الريشة، فيلقى بقلبه إلى الوحش "عمعموت"، الذي يلتهمه لتكون نهاية أبدية للميت. أما إذا مالت كفة القلب فإن هذا دليل على أنه ممتلئ بالخير، وأن الميت صالح، فيُلبّس ملابس جميلة ويدخله حورس حديقة الفردوس لينعم بحياة أبدية سعيدة وفي نفس الوقت يقوم “تحوت” (إله الحكمة الذي علم المصريين القدماء الكتابة و الحساب) بتسجيل نتيجة الميزان بالقلم في سجله الأبدي.

وقد تأثر المصريون بتلك الفكرة وقتها، لدرجة أنهم إهتموا بالموت أكثر من اهتمامهم بالحياة نفسها.

فبنوا الأهرامات وشيدوا المعابد، وعانى الفقراء من أسعار التحنيط. أ

ما الجانب الإيجابي، فهو يرجع للأخلاق الحميدة التي اتسم بها المصري القديم.

و يوضح لنا كتاب الموتى لدي قدماء المصريين العقائد الدينية التي كانت تشغلهم طوال حياتهم.

فلم يكن الموت لديهم جزءا لا ينفصل عن الحياة فقط وإنما كان لدى الناس آنذاك مفهوم آخر عن الموت والحياة الأخرى لا يختلف كثيرا عما نعتقده اليوم، و إن كنا نرى الموت كحتمية مرعبة نتحاور التفكير فيها و الحديث عنها، فقد كان المصريين ينظرون إليه كجزء لا يتجزأ من مفهوم الحياة، و يستعدون له كما يجب للعبور نحو الحياة الأخرى، و هنا يأتي دور كتاب الموتى بما يحتويه من تعاويذ وتوجيهات للميت تساعده على البعث والإنتقال إلى الآخرة حيث يعيش فيها مثلما كان يعيش على الأرض ولكن بدون أمراض ولا تعب و لا كبر في السن، بل يكون في الآخرة رفيقا للآلهة يأكل ويشرب معهم في بعض المناسبات.

وهدف الميت كان الوصول إلى الحياة الأبدية في العالم الآخر، و رغم أن التصور لم يكن منطقيا لدى بعض الشعوب في تلك العصور، لكن تصور المعيشة في الآخرة لدى قدماء المصريين هو أن الميت الذي فعل صالحا في حياته وكان أمينا وصادقا يساعد الفقير والجوعان والعطشان، ويساعد الأرامل واليتامى، كان مثل هذا الإنسان يعيش طبقا لما أرادته له الآلهة من ” قواعد حياة سوية، ونظام عادل”، و من هنا يكون وزن قلبه و أعماله طبقا لما رمز له النظام المصري القديم ب “ماعت” آلهة الحق والعدل و النظام الكوني.

كتاب الموتي يحتوي على عدة فصول، تصف وتشير إلى الآتي :

- وقاية الميت من الشياطين والأرواح الشريرة والثعابين وغيرها.

- تعرف الميت عند البعث الطريق إلى الآخرة.

- تساعده على عبور بحر النار، والصعاب التي تهدده.

- تسمح له بالتردد بين العالم الأرضي والعالم الآخر.

- تساعده على الحياة في الآخرة.

-تساعده على الحصول على الماء والغذاء وتلقي الهبات والأضحية، وعطائها في العالم الآخر.

- تساعده على معرفة الأماكن في الآخرة، وتذكر أسماء الآلهة والأسماء الهامة (مثل إسم باب الآخرة).

- تساعده على معرفة الأبواب وأسمائها وتعاويذ فتحها والمرور منها والوصول إلى الآلهة وتعريف نفسه إليهم.

إن من يقرأ ويتابع حضارة المصريين القدماء بكافة أدبياتها .. الأهرامات ، المومياوات ، العدد الكبير من الآلهة ، و المقابر المنتشرة فى كل جزء فى مصر تقريباً من أعلاها إلى أدناها .. يظن أن هذه الحضارة قامت كلها على اساس تقديس الموت والإستعداد ليوم البعث ..

هل كان المصريون يمارسون كل هذه الطقوس للدفن والمقابر والمومياوات تقديساً للموت أم حباً للحياة؟ ؟!

تدخل مقبرة فرعونية فتجد رسومات وجداريات على الحوائط تمثل الإحتفال بالزراعة و بالصيد و أيضا ً  أغلى القطع الأثرية وأثمنها كانت تدفن مع مومياتهم ، حتى يعودوا لإقتنائها وارتدائها بعد أن يفيقوا من رقدتهم هذه ..

إن التحنيط فى حد ذاته ليس تقديساً للموت .. بل تمسكاً أكبر بالحياة ، ورفضهم لذوبان الجسد وإنتهاؤه تماماً من الوجود .

فى الواقع ،تتباين النظريات حول فكرة الموت و ممارساته عند المصريين القدماء هل كانوا مهووسين بالحياة ..أم بالموت ؟ أم أن هناك حقيقه أبعد و أكثر غموضا توصلوا لها عن ماهية الحياة بعد الموت ؟

الموت فى الحضارة اليونانية القديمة "الإغريقية"

"الموت نسيان" 

(هاديس) هو إله الموت عند اليونان ، إله العالم السفلي الذي تذهب إليه أرواح البشر، و هو حاكم مملكة الأموات .

هاديس، هو ابن لكرونوس و ريا وله خمسة من الأشقاء الأكبر سنا شقيقان (زيوس)، (بوسيدون) وثلاث أخوات (هيستيا)، و(ديميتر) و(هيرا) .

وزوجته ( بيرسيفوني) الذي كان اختطفها من (ديميتر) وأخذها معه الى الجحيم .

أطلق علية إنه مانح الثروة وذلك لما يوجد فى باطن الأرض من خيرات وكنوز و التى هي جزء من مملكته واشتهر (هاديس) بخوذته التي تخفيه عن الأنظار ولحيته وشعره الداكن .

(مملكة هاديس) أى (مملكة الأموات) منطقة محايدة مخصصة لأرواح الأشخاص الذين لا تنتظرهم عقوبة أو ثواب عند موتهم وكان الإغريق يعتقدون أنه رغم غياب العذاب عن هذه المملكة إلا إنها مكان ممل وتذهب أرواح الأشخاص الذين عاشوا حياة فاضلة لتعيش حياة سعيدة في (الجنة الأسطورية) أما الأرواح ذوي الأخطاء الفاحشة فتذهب إلى (تارتاروس) وهو مكان بعيد تحت الأرض وهناك تعذب هذه الأرواح عذاباً أبديا ً .

كان الإغريق يعتقدون أن (مملكة هاديس) تقع تحت الأرض ، وأن فيها خمسة أنهار : ( أكيرون )، و(كوكيتوس) ، و(ليثي) ، و(فليجيثون) ، و(ستيكس ).

وكان (ستيكس) أشهر أنهار مملكة هاديس فلعبور هذا النهر كان على الروح أن تَعبُر على مركب (شارون) الذي كان يطلب أجراً على عمله ولهذا كان الإغريق يضعون قطعاً نقدية في أفواه أمواتهم قبل دفنهم .

ويقع منزل (هاديس) على شاطئ (ستيكس) ويحرس هذا البيت كلب بشع ذو ثلاثة رؤوس . اسمه (سيربيروس) ( وهو الحيوان المقدس لهاديس ) وبعد عبور النهر يخبر كل روح عن مكانها الأبدي ثلاثة حكام : (أيكوس)، و(مينوس)، و(رادامنث) ، وتعذب أرواح مرتكبي الجرائم الفادحة آلهة تسمى ( فيوريز) أو (الأيرينيات ) .

ومن أشهر أساطير(هاديس) هي أسطورة خطفة ل(برسيفوني) ، أبنة (ديمتر) 

عندما رأى (هاديس) ملك العالم السفلي (برسيفوني) أعجب بها ، وأستدرجها بوردة عجيبة وأختطفها إلى العالم السفلي و ساعده في ذلك (هرمس) .

وهنا طار صواب (ديمتر) ، فقد طافت أرجاء المعمورة وهي تسأل عن ابنتها فلم يجبها أحد كانوا جميعاً يعرفون قصة خطف (برسيفوني) ، ولكن من يجرؤ على البوح بهذا السر ، فمن يهرب من ملك الموت ؟! 

حتى سكان (الأولمب) لم يجرؤوا على الجهر بما يعرفون .

تركت (ديمتر) عملها وراحت تبحث عن أبنتها ، وما عادت الحقول تنبت زرعاً ، فعمت المجاعة كل بني البشر وتضرعوا إلى سكان (الأولمب) الذين لم يعرفوا بادئ الأمر ماذا يفعلون ، فالبشرية مهددة بالمجاعة فالأنقراض 

هنا يأتي دور مربيتها "بابو" التي كانت مشهورة بالرزانة والحكمة والأحتشام .

فالناس جياع ، وإن أستمرت (ديمتر) في الإضراب عن العمل فإن البشرية سوف تنقرض ، لابد أن تبتسم ديمتر وترضى حتى تعود الأرض إلى الإخصاب وتقديم الخيرات للبشرية ، فلابد من إدخال المسرة على قلبها 

روت "بابو" لها الأخبار وقصص الأبطال وتاريخ الأقوام ، فما تزحزحت عن موقفها ، غنت لها كل الأغاني المفرحة والسعيدة ، فما أزدادت إلا حزنا .

الناس تتضور جوعاً والأرض تشكو من الملح ، و(ديمتر) لا تغير موقفها ، لقد أضربت عن العمل ، أخيراً راحت بابو ترقص وتغني لها ، وتروى لها النكات تلو النكات ، فإذا (ديمتر) تبتسم ثم تضحك ، وعندئذ أخبرتها الشمس بقصة أبنتها ، فأشتكت إلى سكان (الأولمب) فحكموا على ملك الموت بإعادة (برسيفوني) ، و لكن (هاديس) كان تزوجها و جعلها ملكة على عالم الموتى وأعلن (هاديس) أنه يمتثل لطلب كبير الآلهة بإعادة (برسيفوني) إلى أمّها ، ولكنـّه قبل أن يتركها أطعمها حبّة من رمّان تجعلها تعود إليه حتماً. 

أخذ (هرميس) (برسيفوني) وذهب بها إلى (ديميتر) التي فرحت بها كثيراً ، ولكن كان لا بد أن تعود (برسيفوني) إلى مملكتها لأنها أكلت من طعام (هاديس)

واتـّفق الجميع على أن تقضى (برسيفوني) نصف عام عند (هاديس) ، ثم تعود مع الربيع لتقضيه عند (ديمتر) ، وبعودة (برسيفوني) عادت (ديمتر) إلى عملها وأخرجت الأرض زرعها ، وعم الفرح بين البشر فأقاموا لها المعابد وقدسوا أسرارها . 

و يبدو ان الموت كان مقيتاً لدي الاغريق لأن العالم كان جميلاً بالنسبة لهم وكانت الحياة فيه شيئاً بهيجاً ؛لهذا السبب على وجه الدقة بدا الموت رهيباً للغاية،  فهوميروس يجعل ظل (أخيل) يعبر عن وجهة النظر السائدة : اناشدك يا اوديسيوس الشهير ألا تتحدث برفق عن الموت فلأن تعيش على الارض عبداً لآخر خير من ان تحكم كملك لا ينازعه السلطان احد في (مملكة الاشباح) اللاجسدية ...وإلى جانب هذه الديانة الهوميروسية الرسمية وجدت رؤية غير رسمية تبدو وكأنها جذور عبادة (ديونيزوس) وتلك هي (تناسخ الأرواح) على يد فيثاغورس ومضمونها ان الروح تسجن في الجسم وتغادره عند الموت وبعد فترة من التطهير تدخل الجسم مرة اخرى , وهذه العملية تكرر نفسها عدة مرات .

ثم يأتي (هيراقليدس) فيتحدث عن الموتى والأحياء وهي الأضداد التي تظهر جنباً الى جنب مع أضداد النوم واليقظة وقد يعني ذلك ان هيراقليدس إنما افترض أن الموت والحياة هما الطرفان القصيان المتبادلان مع اليقظة والنوم وقد يدل مثل هذا التبادل على حقيقة مختلفة تماماً مع وحدة الاضداد بصفة عامة وهو ينفي الوعد المغري بالخلود ولكنه يعترف بأن سلسلة الحياة لايمكن ان ينفرط عقدها.

فالحياة لم تنشأ من المادة غير العضوية بالصدفة وانما عن ضرورة ,وقد يجد لديه محاولة لتسهيل تقبل الموت باعتباره حدثاً ضرورياً وطبيعياً وذلك من خلال إدراك أن الصراع أي تأثر الأضداد ومن بينها توتر الموت والحياة هو على وجه الدقة مايصنع العالم ويجعله يتماسك ,وأما عند (سقراط) فالموت إما أن يكون نوماً بلا أحلام أو هجرة إلى عالم آخر، غير أن أفلاطون قدم الحجج ليؤكد خلود النفس ، فيقول "النفس تتحكم في الجسد وتسيطر عليه لأنها بسيطة وليست مركبةفي جوهرها ك"الحياة" وهي بالتالي نقيض الموت ذاته ولا يمكن النظر إليها باعتبارها متحضرة أكثر من النظر إلى النار باعتبارها تتحول إلى البرودة.

أما الموت عند (ابيقور) فهو لا يعني شيئاً، فالخير كله يكمن في الحس لكن الموت حرمان من الحس ...من هنا فأننا نفهم ان الموت لايعني شيئاً بالنسبة له بل سوف نرقد ولن نستيقظ ثانية ابداً ، هو سبات عميق وليل طويل، موجود يفنى وموجود آخر يظهر ومن فناء أحدهما يولد الآخر.

و فى النهاية و رغم وجود بعض الإختلافات بين تصورنا في الحاضر عن الحياة الآخرة و رؤية الحضارات القديمة لمسألة الموت و الحياة بعد الموت، فلا نستطيع أن ننكر أنه توجد بين معتقداتنا ومعتقدات المصري القديم و اليونانى القديم أيضا تماثلات كبيرة، ففي حين كان قدماء المصريين يعتقدون في البعث والمثول أمام هيئة قضائية مشكلة من 42 قاضيا يعترف الميت أمامهم بأنه لم يسرق، ولم يقتل أحد، ولم يكذب، ولم، ولم، وكل ما لم يكن يفعله من سيئات في حياته في الدنيا، نجد أن الديانات التي ظهرت بعد الحضارتين المصرية القديمة و اليونانية، تتفق بكل مذاهبها و توجهاتها على فكرة رئيسية يقوم عليها مبدأ الإيمان، و هي مسألة البعث بعد الموت و الحساب بين يدي الإله الخالق لكل شيء، و إذا ما أزيلت هذه الفكرة الأساسية، ينهار بناء الأديان كليا، و تنتفي الحاجة إلى الإيمان بالإله، ما دامت لن تعيد تصحيح الموازين المختلة في الحياة الدنيا و تقيم العدل المطلق و الأبدي في الآخرة و تكافئ الطيبين و تعاقب الأشرار.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.