إنسان بأحدث إصدار

جميعا نتكون داخل هذا الرحم، رحم الأم الذي يحتضننا طيلة تسعة أشهر حيث نتكون داخله لنخرج في صورة رضيع حي تكونت جميع أعضائه وعلى رأسهم العقل؛ ولكن ذلك العقل لا يعي شيئا مما يقال أو يفعل فذلك يداعبه وآخر يقبله وآخر يتحدث إليه مداعبة كأن ذلك الرضيع يعي شيئا مما يقال إليه فيحدثونه بأن يسمع كلام أحد أبويه أكثر من الآخر وغير ذلك من الأوامر والنصائح التي لا يفقه منها شيئا.
ثم يكبر فيصبح طفلا لا يعرف من الدنيا شيئا غير الفراغ الذي يملأه لعبا ولهوا ولكنه لا يشعر بقيمته بعد بل لا يشعر بحياته أصلاً.
ذلك الطفل الذي لا يعتد برأيه بالتأكيد في كبار الأمور أو حتى في صغارها فلم نسمع عن موضوع لم يتم البت فيه لحين سماع رأي طفل وأخذ مشورته، فهو في فراغ دائم لم يعرف معنى الحياة بعد ولا حتى الحياة تعرفه فهو مجرد كائن يتنفس وأعضاء شغلت في لهو ولعب دائم.
ولكن الطامة الكبرى والمصيبة أن يستمر المرء في ال حياة معتقدا أنها حياة، مستمرا في الطيش والعبث والعقل الطفولي الذي يحمله معه ولا يريد التخلي عنه وامتلاك عقل ناضج يليق بسنه وبالمسؤوليات التي تكبر وتزيد عندما يكبر.
تلك المسؤوليات التي تبدأ بالواجب المنزلي وتطبيق تعاليم الدين من صلاة وصيام وتفطن إلي ما يجب فعله ومن لا يجب أو معرفة الصح من الخطأ كما يقال
ثم يكبر هذا الطفل ليصبح شابا يافعا ثم يتقدم به العمر ليصبح كهلا وبمرور هذا العمر تكثر المسؤوليات شيئاً فشيئا وفي كل مرة يعتقد فيها المرء أن على كاهله مسؤوليات جمة يفاجئ بما هو أكبر منها بمرور الزمن فيضحك من نفسه على مسؤوليات صغار كان يعتقد أنها كبيرة ولكن مع وجود المسؤوليات يتواجد الفراغ بالطبع والذي ينظر إليه كل منا بنظرته الخاصة فمن الناس من يتوافر لديه قدر قليل وربما قدر كبير من الفراغ الذي يستغله كله في الراحة والنوم وتضييع الوقت فهو يرى أن مهمته في الحياة هي إنجاز مهامه فحسب فتراه دائما يحدث بعبارات مثل (شغلتني الدنيا) أو (أضاعت الدنيا زهرة شبابي) أو العبارة الشهيرة التي تشعرك أنه مسؤول عن قارة بأكملها ألا وهي عبارة( أنا مشغول) فتراه يرردها في كل مرة تسأله فيها عن أحواله ولكنه غالبا لا يكون مشغولا كليا بل لديه من الفراغ الضائع الذي لا يعرف كيفية استغلاله والاستفادة منه بقدر الإمكان، فقط هي مسألة سوء تنظيم للوقت.
ولكن دعونا نرى الفئة الأخرى وهذه الفئة للأسف تمثل الأقلية إذا ما قورنت بالفئة الأولى، فتراهم على الرغم من مشاغلهم الكثيرة إلا أنك تتعجب من قدرتهم على تنظيم الوقت، تلك الفئة التي قررت أن تنظم وقتها فحظيت بهذا الوقت من الفراغ ولكنها لم تضيعه عبثا ولكن قررت أن تقضيه بين محاولة التطوير من نفسها عمليا وعلميا وثقافيا ودينيا، تلك هي الفئة التي تقابل عينة منهم وأنت قد ذهلت مما كانوا عليه ومما يكونوا عليه الآن فتقول في نفسك أهذا الذي كان عاصيا واليوم يكرم في حفل لتكريم من أتموا حفظ القرآن الكريم وتتعجب متى حفظه؟ وكيف أصبح كذلك فجأة؟ وأي إرادة امتلكها ليتحول إلى تلك الشخصية الجديدة؟
وتتعجب من ذلك الذي صار بهذا القدر العجيب من الثقافة وذلك الذي طور من نفسه عمليا ومهنيا وذاك الذي صار يتحدث بلغة أو أكثر غير لغته الأصلية، وتتعدد النماذج وتكثر الأمثلة عن أولئك الذي خرجوا من أوقات فراغهم بإنسان جديد وبنسخة حديثة أكثر تطورا وَرَقِيًّا.
إذن فنحن نبدأ حياتنا بلا مسؤوليات وننهيها بلا مسؤوليات تقريبا وما بين ذلك منهم من ينجز مسؤولياته فحسب ويمر مرور الكرام، ومنهم من يخرج من الفراغ الذي يظهر بين كومة المسؤوليات بأعظم الانتصارات والمكاسب فيخرج ذلك الإنسان بنسخته الحديثة، فلم تشغله المسؤوليات عن دنياه ولم تنسيه دينه فخرج من معركة الحياة ظافرا منتصرا.
تلك فئة وتلك فئة أخرى وأنت حر أن تختار إلى اي فئة تريد أن تنتمي، فقط هي مسألة تنظيم وقت وفكر حينها ستعرف معنى الحياة وستعرفك هي أيضا، حياة ليست بالفارغة كما كنت طفلا وإنما حياة مليئة بوقت مشغول بمسؤوليات تنجز ووقت فارغ يتم استغلاله ببناء إنسان بالنسخة الحديثة.

بقلم الكاتب


طالب بكلية طب الفم والأسنان


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

طالب بكلية طب الفم والأسنان