شهدت القارة الإفريقية منذ القرن الأول للميلاد تحولات جذرية؛ حيث قدمت قبائل البانتو من الشمال حاملة معها أسرار صناعة الحديد وفنون التنظيم الاجتماعي. وبين صراعات البقاء ضد القوى الاستعمارية «البوير» والنزاعات القبلية الداخلية، بزغ نجم القائد تشاكا من قلب المعاناة والظلم، ليحول شعبه إلى رجال السماء أو «الزولو». في هذا المقال، نسرد قصة بناء واحدة من أعظم الإمبراطوريات الإفريقية التي قامت على القوة، والعنف، والتنظيم العسكري الصارم.
نجح تشاكا في توحيد قبائل البانتو تحت راية الزولو عبر تنظيم عسكري صارم وفرض لغة واحدة، لكن سياساته الدموية أدت إلى اضطرابات سكانية وتمرد داخلي انتهى بتفكك إمبراطوريته وغزو البوير.
هجرات البانتو: فجر الحضارة الحديدية في إفريقيا
قدمت قبائل «البانتو» في هجرات متوالية من الشمال إلى الشرق والوسط في إفريقيا، بدءًا من القرن الأول للميلاد، وربما قبل ذلك بعدة قرون. وطردت أمامها قبائل الأقزام من «البوشمن» و«الهوتنتوت» الذين كانوا يسكنون هذه المناطق من قبل، حتى أجبرتهم على اللجوء إلى الجنوب من نهر «ليمبوبو» والانتشار في أصقاع إفريقيا الجنوبية.
وأتى هؤلاء «البانتو» ومعهم صناعة الحديد، فأضافوا بذلك مرحلة جديدة إلى حضارة إفريقيا الشرقية والوسطى، وأقاموا فيها مجتمعات مستقرة جديدة عرفت درجة متقدمة من التنظيم، وأقامت القرى والحكومات، وعقدت صلات تجارية عبر ساحل المحيط الهندي مع الشعوب المحيطة، فأثرت وتأثرت بها، وأقامت ممالك كان من جملتها مملكة «مونوموتابا» التي ازدهرت إلى الجنوب من نهر الزامبيزي.
وكان لهذه المملكة شأن في بناء الحضارة الزنجية، حتى قضى عليها التدخل الأوروبي في نهاية القرن التاسع عشر، بعد عهد طويل من البناء والعطاء.
التدافع الأوروبي: وصول البرتغاليين ونشأة البوير
بقيت شعوب البانتو قابعة في الشمال من نهر «ليمبوبو» لا تبرحه حتى مطلع القرن الخامس عشر، عندما بدأت في اجتيازه والانتشار نحو الجنوب. فطردت أمامها من جديد قبائل الأقزام من «البوشمن» و«الهوتنتوت»؛ ففر الأولون إلى صحراء «كالاهاري» في الغرب، في حين لجأ الأخيرون إلى أقاصي إفريقيا الجنوبية، حيث وجدهم البرتغاليون هناك عندما داروا حول رأس الرجاء الصالح في نهاية القرن.
كما كانوا ما يزالون هناك عندما وصل الهولنديون في منتصف القرن السابع عشر، بعد أن انتزعوا من البرتغاليين إمبراطوريتهم، ومن جملتها جزيرة «سيلان». وقد هاجر إلى جنوبي إفريقيا بعض الهولنديين فعملوا بالزراعة، وتلاهم فرنسيون من «البروتستانت» في أعقاب الاضطهادات الدينية التي جرت في بلادهم.
فتألف من هذا الخليط شعب من المزارعين الأوروبيين أُطلق عليهم اسم «البوير»؛ غلبت عليهم اللغة الهولندية، ويعتنقون المذهب البروتستانتي.
التنوع القبلي والحياة الاقتصادية لشعوب البانتو
لم تكن قبائل «البانتو» التي انتشرت جنوبي نهر «ليمبوبو» تحمل اسمًا واحدًا، كما أنها لم تكن تحت سلطة زعيم واحد؛ فإلى الجنوب من النهر مباشرة كان يسكن شعب «السوازي»، ويليه في الجنوب شعب «النقوني»، ثم «البوندو»، وأخيرًا «الكسوزا» الذين كانوا يواجهون «البوير» عبر نهر «فيش».
وكانت مواطن هذه الشعوب كلها محصورة بين ساحل المحيط الهندي وبين سلسلة جبال «دراكنزبرغ» الصعبة المسالك الغنية بالينابيع. أما إلى الغرب من هذه الجبال فكانت تمتد هضاب خصيبة وصلتها قبائل أخرى من «البانتو»، أشهرها «السوثو» و«البتشوانا».
وكانت الحياة الاقتصادية «للبانتو» تعتمد على الزراعة؛ فهم يزرعون الذرة والدخن منذ عهد طويل. وقد أدخلوا زراعات آسيوية من أنواع الأشجار المثمرة. وتقدمت لديهم صناعة الفخار المزخرف، إضافة إلى ما أتوا به من الصناعات المعدنية. وقد بنوا البيوت والقرى المحصنة، وأوجدوا نظمًا إدارية متقدمة، وعرفوا فنون القتال بأسلحتهم التقليدية، وعبدوا مظاهر الطبيعة التي كانوا يرون في كل منها إلهًا، كما عبدوا ملوكهم وعدُّوهم صورة للآلهة على الأرض، وقدسوا فيهم السلطة، وأعانوهم بطاعتهم على حفظ النظام.

ولم يكن الملك في أغلب الأحيان يحكم كل شعبه حكمًا مباشرًا، وإنما عن طريق أمراء يحكم كل منهم في أمور عشيرته. وكذلك كان شعب «النقوني»، أحد شعوب «البانتو»؛ إذ كان ملكه الأعلى يحكم عن طريق الأمراء، وكان أحد هؤلاء الأمراء هو «سينزا نفاكونا».
تشاكا زولو: من رحلة الشقاء والظلم إلى منصة القيادة
لم يكن «لسينزا نفاكونا» ولدٌ ذكر يخلفه في الإمارة؛ فزوجاته الثلاث لم يلدن له إلا الإناث. وفي ليلة شاهد «ناندي» الجميلة وترصدها حتى أوقع بها فحملت منه، وعند ذلك لم يجد بدًّا من أن يعقد عليها، فولدت له ولدًا ذكرًا سماه تشاكا، وأصبح من المنتظر أن يكون خليفته في الحكم، لكن «ناندي» لم تكن من بيت عريق؛ حتى إنهم اتهموها بأنها كانت راقصة.
وكان من سوء حظها أن تلد نساء الأمير الأخريات أولادًا ذكورًا أغنوه عن ابنها. واضطر هو، تحت ضغط نسائه، أن يطردها مع ابنها؛ واضطر الذي كان مقدرًا له أن يكون وليًّا للعهد أن يعمل في أحط الأعمال وأصعبها حتى يكسب لقمة العيش.
لكن حياة الشقاء التي عاشها علمته كيف يكون صلب العود؛ فمارس كل أنواع القتال، وساعده شعوره بالظلم من إخوته وأبيه على أن يكون قوي الشكيمة، وساعدته قناعته بأنه أمير على أن يكون قائدًا لأقرانه يجمعهم ويوجههم كما يشاء.
وكان قوي البنية؛ حتى إن الأخبار روت عنه أنه قادر على التغلب على الأسود، وأنه أنقذ مرة فتاة من بين براثن ضبع، حتى عمت قصص بطولته الآفاق. واستدعاه ملك «النقوني» ليكون في خدمته، وما لبث أن أصبح مساعدًا له.
ولما توفي «سينزا نفاكونا» خلفه «تشاكا» في إمارة عشيرته بمساعدة من ولي نعمته ملك «النقوني»، وانتقم من إخوته لأبيه ومن نسائه اللواتي كن سببًا في شقاء أمه وإذلالها وموتها. وأنشأ قوة مقاتلة من أقرانه ليكونوا في مساعدته عند الحاجة، ثم عاد إلى قصر الملك ليضع نفسه في خدمته من جديد.

وفي غياب «تشاكا» كان عرش المملكة قد تعرض للضياع؛ إذ إن الملك في بعض حملاته التوسعية نسي أن يأخذ الحذر بعد عودته، ففاجأه الأعداء في عقر داره وقتلوه، وركزوا رأسه على رمح في الساحة العامة، حيث وجده «تشاكا» على هذه الحال عندما عاد من رحلته؛ فسارع إلى ملاحقة الأعداء حتى قضى عليهم، ثم عاد ليهتف له الشعب بالملك بعد أن تزوج أخت الملك المقتول، وبذلك بدأت سيرته في مملكة «الزولو».
ولادة رجال السماء: توحيد الأمة تحت راية الزولو
كان «تشاكا» واسع المطامع؛ فأراد أن يجمع كل شعوب «البانتو» في إفريقيا الجنوبية في مملكة واحدة يكون هو على رأسها؛ لتتمكن من الوقوف في وجه الأخطار التوسعية التي كان يمثلها «البوير» في الجنوب. وأراد ألا تكون هذه المملكة مؤسسة سياسية عابرة تزول بزواله، بل أن يجعل من «البانتو» أمة بالمعنى القومي للكلمة، سواء كان ذلك عن قصد منه أو عن غير قصد.
وكان يعتقد أن الطريق إلى ذلك يتم عن طريق إذابة اللغات المحلية لهذه الشعوب في لغة واحدة هي لغة النقوني؛ لتكون المؤشر الثقافي والقومي لهذه الأمة في المستقبل، وقد عمل طوال حياته لتحقيق ذلك. بدأ «تشاكا» بتغيير اسم شعبه؛ فقد كان لفظ «نقوني» يعني الصغير في لغة «البانتو»، فأطلق عليهم «زولو»، أي رجال السماء. ثم نظمهم تنظيمًا عسكريًّا واجتماعيًّا لم يكن له مثيل بين الشعوب الإفريقية.
إمبراطورية القوة: التنظيم العسكري والاجتماعي الصارم
أقام «تشاكا» عاصمة له سماها «أومغونغوند لوفو»، أي القوية كالفيل، وجعلها في مكان حصين عند التقاء عدة أنهار. وكان يحيط بها سور ضخم، ويجتازها شارعان رئيسان متعامدان عريضان يلتقيان في ساحة واسعة كانت تجري فيها التدريبات العسكرية.
وبالقرب منها تقع المساكن الملكية، ودار القضاء، ومساكن الوجهاء. أما المجتمع فأصبح كله في خدمة الحرب، وأصبح الرجال من سن البلوغ حتى سن الشيخوخة مجندين في الجيش يقضون وقتهم في القتال أو التدريب. وحتى الختان الذي كان شائعًا في مجتمع «البانتو» لم يعد له متسع من الوقت لما كان يقتضيه من طقوس.
ولم يعد الذكور وحدهم يُطلبون للخدمة العسكرية، بل صار يُطلب لها الإناث أيضًا؛ فشُكِّلت منهن فرق عسكرية لم تكن تقتصر مهماتها على الخدمات اللازمة للجيش، بل كان يُطلب منها أن تشترك في القتال عند الضرورة وتتدرب عليه. ولم يعد الزواج خاضعًا لرغبة الرجال، بل أصبح ضرورة اجتماعية تمليها ضرورات الحرب.
والأسرة لم تبق كما كانت في الماضي خلية صغيرة من خلايا المجتمع يُسأل عن إعالتها رب البيت، بل أصبحت مسؤولية المجتمع بأسره. وقد قضى «تشاكا» ألا يُتِمَّ زواج الرجال إلا في سن متأخرة، وبعد أن يكونوا قد خاضوا عددًا كبيرًا من المعارك وأبلوا فيها البلاء الحسن؛ فيكون الزواج عند ذلك مكافأة لهم على شجاعتهم.
ولا يكون الزواج فرديًا، بل جماعيًا؛ فتُزَوَّجُ فرقةٌ من الذكور فرقةً من الإناث يحددها لها القائد الأعلى «تشاكا». ويكون الأولاد في رعاية المجتمع؛ ذلك لأن الأسرة تُلهي عن الحرب، والحنين إلى الزوجة والأولاد ظاهرة من ظواهر الضعف التي يجب أن يتخلى عنها، في رأيه، المجتمع المحارب.
التوسع الإقليمي: جيش الزولو يكسر حواجز الطبيعة
وخلال إعداد هذه القوى الكبيرة لم يكن «تشاكا» يكف عن التوسع، وكان توسعه الرئيسي باتجاهين: أولهما نحو الجنوب من أراضي «الزولو»، حيث كانت تعيش شعوب «البوندو» و«الكسوزا»، فأحرز عليهم الانتصارات المتوالية حتى ضم بلادهم إليه، ووصلت فتوحاته حتى نهر «فيش».
والثاني كان نحو الغرب؛ وكانت جبال «دراكنزبرغ» تشكل حاجزًا طبيعيًا صعب المسالك أمام طموحاته، وهي التي حصرت شعب «الزولو» أمدًا طويلًا بينها وبين المحيط الهندي. ولكن جيش «تشاكا» الذي اعتاد أن يتغلب على الصعاب تمكن من التغلب عليها، وانطلق في الهضاب الغربية المعتدلة المناخ التي تسكنها شعوب «السوثو» و«البتشوانا» المقاتلة، فتغلب عليها بعد معارك طويلة دامية، وأصبحت إمبراطوريته تمتد إلى أطراف صحراء «كالاهاري»، وتشمل ما يسمى اليوم بلاد «الترانسفال» و«البتشوانالاند» إلى الغرب من جبال «دراكنزبرغ».
وكان «تشاكا» قبل ذلك قد ضم إليه بلاد «السوازي» في الشمال، فأوصل حدوده بذلك إلى وادي «ليمبوبو»، وأتم توحيد قسم كبير من شعوب «البانتو» في تنظيم سياسي كبير كان يمكن أن يكون له أثره في الوقوف أمام الأطماع الأوروبية لو قدر له أن يستمر.

السياسات الدموية وبداية النهاية
كان «تشاكا» منشئ هذه الوحدة السياسية الكبيرة دمويًا وقاسيًا على أعدائه المنهزمين؛ ومن ثم جاءت كبرى خطاياه؛ فقد كان يقتل من يدخل بلادهم إلا الشباب والصبايا الذين يشترون حياتهم بالانخراط في جيش «تشاكا»، ويتخلون عن لغتهم، ويتكلمون لغة «الزولو»، ويقدمون «لتشاكا» التقديس الإلهي الذي يقدمه له شعبه.
وكان لهذه السياسة وجهان: أولهما إيجابي؛ لأنه وحد شعوب «البانتو» في ظل لغة واحدة هي لغة «الزولو»؛ لتكون أساسًا لوحدة قومية مقبلة. والثاني سلبي؛ لأن القوة التي عامل بها الشعوب المغلوبة جعلتها تفر أمامه طالبة النجاة، حتى أصبحت مملكة «الزولو» مركز نبذ شديد للشعوب تنطلق منها نحو الجنوب والشمال؛ وهو ما أدى إلى اضطراب ديمغرافي كبير شهدته إفريقيا الجنوبية والشرقية خلال القرن التاسع عشر.
التفكك الداخلي وغزو البوير
أما الخطيئة الكبرى الثانية التي ارتكبها «تشاكا» فكانت قسوته على جنوده ومغالاته في خوض الحروب التوسعية. هذه الإمبراطورية الإسبرطية البالغة التنظيم لم تهزمها قوات خارجية، ولكنها تفككت من الداخل؛ وقد بدأ الأمر عندما فرت فرقة من الشباب مع فرقة من الإناث للزواج بعيدًا عن متناول يد الطاغية، ثم بدأ التمرد العلني.
وهكذا انهارت هذه الإمبراطورية الواسعة التي لعب فيها شعب «الزولو» دور القائد الموحد المنظم، وتعرضت أراضيها لغزو «البوير» الآتين من الجنوب، وما لبثت شيئًا فشيئًا أن ابتلعتها إفريقيا الجنوبية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.