إمبراطوريّة كرة القدم

أصبحت رياضة كرة القدم ملجأ للناس لتبديد غيظهم وإخفاقاتهم الحياتيّة وإطلاق كبتهم وما يشعرون به من مشاعر دفينة، وتكون هذه المشاعر في أوجها عندما يتحقّق الهدف وتعانق الكرة الشباك، أو يحدث العكس تضيع فرصة من لاعب أو خسارة مباراة، فهي إذن للتنفيس أكثر من مجرد لعبة.

أصبحت كرة القدم أكثر من مجرّد لعبة فصارت تجارة، وصناعة، وعلم، ولها لغة واحدة حول العالم والنّاس تثور وتغضب لهزيمة فريقها أو ترك لاعبٍ لفريقها، ويحدث هذا على مستوى العالم أجمع، فنرى روابط للأنديّة الأوروبيّة في الوطن العربيّ وسائر دول العالم، ومن أهمّها دول شرق آسيا الَّتي تمثل سوقًا كبيرًا لكرة القدم.

وفي السنوات الأخيرة أصبح الوضع معقدًا، حيث اهتمام الدول على مستوى الحكومات والرؤساء بكرة القدم ولاعبي كرة القدم فاق الخيال، وقد يكون في ذلك الأمر بُعدًا سياسيًا في استغلال عناصر اللّعبة لصالح السياسة.

أصل كرة القدم:

لعبة كرة القدم هي لعبة بريطانيّة الأصل في العصر الحالي، حيث وضعت قوانين كرة القدم من قبل الإتحاد الإنجليزيّ لكرة القدم سنة 1863م، وهم يعتزون بذلك كثيرًا وانطبع طبيعتهم المحافظة على تلك اللّعبة وهم تجار ماهرون فقدّموا أفضل منتج للعالم في كرة القدم من خلال الدوري الإنجليزيّ شديد الانضباط؛ فالجماهير تستمع بفريقها وتشجّعه ونادر خروجها على الروح الرياضيّة، وخصوصًا بعد ما عانوا من فترات طويلة من التعصب الكرويّ وتمّ القضاء على ظاهرة التعصب الكرويّ بوضع قوانين شديدة تجاه المتعصبين بمنعهم من دخول المباريات إلى آخر هذه العقوبات المغلظة.

اللاّعبون أغنياء والمتفرّجون فقراء:

من يشاهد لعبة كرة القدم يعلم أن معظم لاعبي المستوى العالي أثرياء، فكرة القدم مكاسبها خياليّة للأنديّة الَّتي تستقدّم أفضل المدربين واللاّعبين وأصبح المشاهدون على مستوى العالم بالمليارات، ومن هنا تتسابق الدول على تنظيم البطولات الدوليّة نظرًا للعائد العالي من تلك البطولات، مثل كأس العالم الَّذي يقام كل أربع سنوات في إحدى الدول أو في دولتين متجاورتين، وكأس العالم للقارات للأنديّة والمنتخبات.

أرقام كروية:

لن نجد أيُّها القارئ أصدق من الأرقام لتتخيل تغلغل تلك اللّعبة في كل أنحاء العالم.

1. عدد ممارسي اللّعبة حول العالم 250 مليون لاعبٍ موزعين على 202 دولةٍ.

2. لكرة القدم 17 قانونًا أساسيًا.

3. طول الملعب يتراوح بين 90 متر إلى 120 مترٍ، وعرضه بين 45 إلى 90 مترًا. 

4. أكثر دولة حصولًا على كأس العالم هي البرازيل، وحصلت عليه 5 مرّات، والموهبة فطريّة عند لاعبي البرازيل حدّث ولا حرج، ويُعدّ اللاّعبين البرازيليين المحترفين في كثيرٍ من بلاد العالم ولا سيما في أوروبا مصدرًا من مصادر الدّخل القومي للبرازيل.

5. أكثر الأندية حصولًا على بطولات على المستوى القاريّ هو نادي ريال مدريد الإسباني، حيث حصل على بطولة دوري أبطال أوروبا 13 مرّة متفوقًا على معظم الأندية الأوروبيّة.

6. المباراة الأكثر أهمية خلال العشرين سنة الماضية هي مباراة "كلاسيكيو الأرض" بين برشلونة وريال مدريد في الدوري الإسباني الَّتي يشاهدها عشرات الملايين على مستوى العالم.

7. أول لاعب كرة قدم يدخل نادي المليارات هو اللاّعب كريستيانو رونالدو البرتغالي.

8. اقتصاد كرة القدم أصبح من أكبر خمسة اقتصاديات على مستوى العالم، حيث يُدير اللّعبة على مستوى العالم الإتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا" وتبلغ ميزانيته عشرات المليارات من الدولارات وتعادل ميزانيته عدّة دول وتتهافت الدول على شرف استضافة بطولات "الفيفا" حتَّى يحدث لها انتعاشًا اقتصاديًا، مثلما حدث في روسيا الَّتي نظمت كأس العالم 2018م.

9. نادي برشلونة الإسباني الَّذي لديه أكاديمية لتربية اللاّعبين من جميع أنحاء العالم، ويستقطب اللاّعبين الماهرين، ولديه فلسفة خاصّة في اللعب أساسها النجم الهولندي الرّاحل يوهان كرويف، ويمثل لإقليم كتالونيا أكثر من نادٍ يعبّر عن قومية الإقليم.

كرة القدم في عيون الأدباء:

كرة القدم أشبه بمسرحيّة فيها صراع بين اللاّعبين مدتها 90 دقيقة يمتزج بها الحماس بالمهارة بالمشاعر، ويتميّز الغرب بالاحترافيّة الشديدة فما يحدث في الملعب يبقى في الملعب، ويتبادل اللاّعبون القمصان بعد كل مباراة في تقليد جميل ليكون ذكرى لكل لاعب شارك في تلك المباراة، وهو ما يعبر عنه بالروح الرياضيّة وينتهى الأمر، لكن نحن في وطننا العربيّ لا نتقبل الهزيمة حتَّى في مجال الرياضة بسهولة ليست من ثقافتنا المتوارثة ونتهكم على تعبير التمثيل المشرف وظهرت كلمات جديدة مثل التحفيل على من يتلقى الهزيمة، والرياضة أساسًا ممارسة وليست مكايدة لبعضنا البعض بسبب هزيمة فريق وفوز آخر.

وأفضل من تكلّم عن كرة القدم الأدباء، وأشهر من مارس كرة القدم من الأدباء، الأديب نوبل نجيب محفوظ، ولتوفيق الحكيم رأي قاسٍ أن ثقافة الأقدام هي من تعبّر عن هذا العصر لا ثقافة الأقلام، وأن السيقان العاريّة الأكثر كسبًا للأموال، وهذا نقد صريح لبعد العامّة عن ثقافة العقول، ولمحمود درويش قصيدة عن اللاّعب الأرجنتيني الفذ مارادونا، وألّف أيضًا معروف الرصافي قصيدة عن كرة القدم.

والبير كامو الكاتب الوجودي الحائز على نوبل له رأي ثاقب ربط به بين كرة القدم والحياة فقال: "تعلّمت من حراسة المرمى كيف أن الكرة تحتاج تركيز وسرعة بديهية فهي لا تأتي من المكان الَّذي نتوقعه وعلينا بذلك نتوقع الغدر ولا نطمئن كثيرًا لحسن النوايا".

التكنولوجيا وكرة القدم:

كرة القدم مثلها مثل أي شيء في العالم تتغطى عليه التكنولوجيا لتطويره فأصبحنا نرى مباراة عالية الدقة من حيث التصوير، وحجز تذاكر المباريات يتمّ إلكترونيًا، وتمّ إدخال خاصية عين الصقر في الكرة لو تخطت خط المرمى بكامل محيطها، وأيضًا إدخال حكّام يتابعون اللّعب من أمام الشاشات من خلال غرفة مجهزة خصيصًا لتنبيه حكم الساحة بالأخطاء على لاعبي الفريقين تحت اسم var، والجديد سيتمّ احتساب حالات التسلّل تلقائيًا من خلال الـvar.

أخيرًا... ستظلّ تلك اللّعبة في ازدياد في شعبيتها طالما الإعلام يسلط عليها الأضواء واعتبار اللاّعبين والمدربين نجومًا فوق العادة حتَّى اتجه بعض الآباء إلى تشجيع أولادهم على هذه اللّعبة طمعًا في عائدها الضخم الَّذي يتجاوز عوائد أي مهنةٍ أخرى.

Mostafa Mahfouz Rashwan بكالوريوس علوم قسم كيمياء جامعة أسيوط أهوى الكتابة

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

Mostafa Mahfouz Rashwan بكالوريوس علوم قسم كيمياء جامعة أسيوط أهوى الكتابة