إلى روح الشاعر الكبير مظفر النواب

أجمل ما يمكن أن يرثى به شخص بحجم الشاعر الكبير مظفر النواب التي ملأت أشعاره الدُّنيا بجمالياتها ورشاقة العبارة فيها، بالصوت والصورة البصرية والسمعية أن تنقش مثل هذه القراءة التي أسمعتنا قيثاراته الفنية، وموسيقاه، ووجدانياته، وقوالبه الفنية المليئة بالإنسانيات، والصخب، والمثابرة، والإصرار، وإرادة التحدي، التي لا تزال تتردد بمجرّد أن يأتي ذكر مظفر، هناك تمازج غريب بين صناعة القصيدة بشقيها العاميّ والفصيح، وبمعجميها، يمكن أن تُطبق لاكتشاف كونية القصيدة العربية على ضوء تجربة الشاعر المعاصرة، كما أنها تتكامل مع نسق تجربته في القصيدة العامية تجربته التي شغلت النّقاد في قراءة أنساقه الأدبية وتنوّع إيقاع هذه التجربة المغموسة على امتداد نظرته للحياة، التي ساقتها لنا أعماله على اختلافها وتنوعها والردود التي أثارتها في شخصه تارّة وفي تراثه المليء بالجدل والصخب، والجمال، والأناقة، والكثير من التفاصيل في عمق أعماله الفنية والثقافية والاجتماعية، إشاراته ومفرداته محفورة في كل بيت من قصائده الشعرية.

نحن من جيل تفتح على قصائده المتفردة، وبرحيله خسرنا جزءًا من مساحة النور والحلم بوطن على مقاس المحبة والعطاء، وجزء من ذاكرتنا الجميلة وممّا تبقى من روح القصيدة فينا.

لقد أكرمنا بإرث الكلمة وزهو القصيدة طويلاً ويكفينا فخراً أن نقول إننا عاصرنا شاعر العرب الأكبر مظفر النواب.

تؤرقني جداً شطرته الشهيرة (سنصبح نحن يهود التاريخ ونعوي في الصحراء بلا مأوى أنظر إلى المنطقة وتأمل ما يجري فيها وما يحدث للنزوح منها للبحث عن مأوى).

ظُلِم في وطنه، وعاش التشريد رغم إنه المظفر!  إلّا أنه لم يظفر باحترام وطنه، مع كل الأنظمة.

سيبقى مكانه في الأعالي للأبد مع الخالدين وصُنّاع الحياة وفي قلوب كل عناصر الخير والتقدُّم على هذا الكوكب، وعزاءنا هو الإرث الكثير والغنيّ الذي تركه، والذي أعتبره منارة مُلهمة لكل الكادحين والمسحوقين عبر الزمن ولكلّ الأجيال.

المصاب جلل، والخسارة جسيمة برحيل فارس الكلمة، والقضية وسلطان الشعر، صوت الشعوب المسحوقة، صوت القدس الحر، وجلاد الأنظمة المستبدة.

صاحب أصدق مقولة:

(من باع القدس وبغداد لن يشتري دمشق)

مات الجسد وبقيت الكلمة! ستبقى خالداً بيننا بقصائدك التي هزت ضمائرنا. وستبقى مقولتك:

"ﻭﻃﻨﻲ ﻋﻠّﻤﻨﻲ... ﻋﻠّﻤﻨﻲ ﺃﻥ ﺣﺮﻭﻑَ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦِ ﻣﺰﻭﺭﺓٌ ﺣﻴﻦَ ﺗﻜُﻮﻥَ بدون دماء". درباً نسلكه لتعافي الوطن مهما سألت الدماء.

العزاء لنا في غيابك جسداً فقط، أمّا روحك المرهفة فقد انطلقت مُحلقة للأبد.

وداعاً يا أب الفقراء والثوار، وداعاً مظفر الحزن المعتق بعطر البنفسج.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.