جاءني اليوم أثناء مروري من أمام أحد المقاهي، وبينما كنتُ أنتظرُ صديقتي التي تعلم كم أكرهُ الانتظار شعور غريب، رغبة ملحة للدخول إلى هذا المكان، لم تكن من العدم هذه الرغبة، وكأني قد قضيتُ أجمل أيام حياتي في هذا المكان، كنت أعلم بأن قلمي يقودني إلى قصة جديدة لأكتب عن هذين العاشقين المتعبين..
كنتُ أعلم بأني على موعد مع شيء غير عادي، على موعد مع القدر من جديد.
كانت هذه المرة الأولى لي بدخول هذا المقهى القديم في مدينة اللاذقية، المدينة الوحيدة التي يداها باردتان، وقلبها دافئ.
كان المكان هادئاً، ولكن في نفس الوقت مشتعلاً بالحب المتناثر على جميع طاولاته، أمامي قهوتي وقلمي ودفتري الجديد، يطالعني شعور الرغبة بالكتابة عن الطاقة التي حولي، لكن الحديث عن الحب أصبح معقداً جداً بالنسبة لي، أصبح غير مفهوم، فكلما أتماسك لأجمع كلماتي للكتابة عنهُ، تصرخ بي صورتكِ برأسي، يعود شريط رأسي لتشغيل كل لقاء بيننا، القاسي والذي كنا بصدده والقاسي المحكوم بالقدر، أشعرُ بيدكِ تمسكُ يدي، تمنعني من أن أفرغ نفسي منكِ، فأنا مليء بكِ، وكيف يملأ الإنسان نفسه بإنسان آخر.
أنا الذي كنتُ أشعرُ بالخواء قبلكِ، شعرتُ معكِ بالحياة المليئة وغير المتكررة، أشعر بكِ برأسي، بحواسي التي تجيد أن تدُرك الواقعي والموجود بين يديها، ولكن كيف يمكن أن أدرككِ ببعدك هذا؟
كيف أستشعركِ بجواري على المقعد الفارغ، نعم أنتِ حاضرة بالبعد الخاص بكِ، بمشاعرك المسافرة، لم أستطع تذكر سبب حضورك برأسي الآن، هل سببهُ تلك الفتاة التي لديها نفس طول شعركِ؟
فعندما دخلتُ ورأيتها انتفض قلبي للحياة من جديد، إنها الذكريات تطاردني، فقررتُ المغادرة، ولكن كان يجب أن أنتظر صديقتي، وأثناء انتظاري المغمور بالصداع وبصور وذكريات وشوق لقصائد غرفتي، كان هنالك طاولة يجلس عليها زوجان في متوسط العمر، يبدو أنهما متزوجان عن حب كما يقال في شارعنا العربي، خواتمهما غريبة، لم أستطع تحديد ماهيتها، ولم تكن في يديهما، بل كانا يضعانهما حول أعناقهما.
في البداية كانا يتهامسان بشيء من الضحك والعتب، قبل أن تُخرجُ المرأة الجميلة ورقة وبدأت مباشرةً بقراءتها:
"اشتقت إليك
فعلمني.. ألا أشتاق
علمني
كيف أقص جذور هواك من الأعماق
كيف تموت الدمعة في الأحداق
علمني
كيف أثور عليك
وأنجو من سيف الأشواق
فأنا من بعدك باقية
ككتاب مقطوع الأوراق
يا كل الماضي والحاضر
يا عمر العمر
حبي لك حب شعري
فلماذا تقتل في الشعر؟
حبي لك حب مائي
فلماذا تدفعني للصخر؟
يا من أهديتك ضوء الشمس
لماذا تهديني الظلماء؟
يا من قدمت لك الغابات
لماذا تعطيني الصحراء؟
إن كنت قوياً
أخرجني من هذا اليم
فأنا لا أعرف فن العوم
الموج الأزرق.. في عينيك
يجرجرني نحو الأعماق
أزرق.. أزرق
لا شيء سوى اللون الأزرق
وأنا ما عندي تجربة
في الحب، ولا عندي زورق
إن كنت أعز عليك
فخذ بيدي
فأنا عاشقة.. من رأسي
حتى قدمي
إني أتنفس تحت الماء
إني أغرق"
كانت القصيدة لنزار قباني، كان قد كتبها الشاب الأسمر لها منذ ثماني سنوات في أول رسالة متبادلة بينهما، حسب ما فهمتُ من نظراتهما والكلمات القليلة التي نطقا بها بصعوبة.
قد يبدو لي أمر غريب أنها ما زالت محتفظة بها..
بعدما انتهت المرأة من قراءتها، أخرج الشاب الأسمر لها أول صورة لهما مطبوعة، وقد أخبرها بأنه قام بوضعها على جدار غرفته، بدا عليها من أنهّا كانت قد نسيت هذه الصورة تماماً، الصورة التي كانت بها النظرات الأولى، أمام الجامع الأموي بدمشق، الحضن الأول، والوجع الأول..
ما قصة لقائهما يا ترى؟
بكت بكت بشدة، وبشدة وبصوت مكتوم انهالت دموع الأسمر هو أيضاً، وبدأ بسرقة أنفاسه من بين نظرات الناس بصعوبة، لم يقشعر جسدي هكذا في حياتي مثلما حدث معي اليوم، لقد تجمدت الدماء بعروقي، فقد كنتُ أعتقدُ أنهما هنا ليجددا العهد الذي بينهما، اعتقدت من أنهُ عيد زواجهما، وهما الآن يستعيدان الماضي الجميل لبداياتهما..
لم أعلم أنهما هنا ليدفناه.
قام الأسمر بفك الطوق حول عنقه، وهي قامت بنفس الشيء، تبادلاهما، وهما ممسكين بأيدي بعضهما، بعد أن أدركتُ ما يحدث بدأت عيناي بالنزيف الذي لا أعلم كيف بدأ يتطاير، لم أشعر إلا بدموعي تتساقط، ولكني أخفيتُ وجهي بسرعة لكيلا يلاحظا وجودي العبثي هذا.
لم يكن الأمر سهلاً عليهما، كان لقائهما الأخير فهما ينفصلان، بعد أن بدا لي أنهما متزوجان، بعد أن بدا لي أنهما يعيشان الحب، ولكنهما في الحقيقة كانا يعيشان سكرات موته الأخيرة.
وهل هكذا ينفصل الحبيبان؟
بدأتُ أشّك بأنهما ليسا مغرمين ببعضها، كيف ينسحبان هكذا؟ كيف يأتي التخلي هذا بعد ما عاشاه من ليالٍ طويلة على صوت أحدهما للآخر.
لا، لا ينفصل العاشقان بهذه السهولة...
ففي عرفنا الشرقي دائماً ما يرتبط الانفصال بمأساة، نحنُ لا نجيد الانفصال برقي، نحن ننغمس بالحب لدرجة يصعب انتشالنا، وإن انتشلونا، سينتشلوننا أجزاء مفككة، سينتشلوننا بقايا، وأشلاء.
خرجت الفتاة مسرعة، ثم نهض الشاب ببطء وخرج هو أيضاً.
وقبل أن تصل صديقتي كانَ القلم ما زال بيدي، والورقة مفتوحة أمامي، شعرتُ بنظرات الورقة لي تقول: والآن هل ستكتب؟
- نعم، سأكتب
فكتبتُ لكِ:
وهل ينتهي رجل مثلي من امرأة مثلكِ؟
لا أبداً، ولكن عندما نغادر دون أسباب واضحة، يكون لدينا الكثير من الأسباب الخاصة بنا، التي لن يستطيع أحد أن يفهمها مهما حاولنا الشرح، فلا يوجد أحد يستحق أن يصبر على أشياء تؤذيه، وأنا لستُ آسفاً لأني غادرتكِ ولم أعد لكِ لأحضنكِ، لأني كنت متعباً، كنت محتاجاً لرحلة من نفسي إلى نفسي....
من الشروق إلى الغروب
وفي نهاية الطريق لا أعلم إذا كنت سألقاك..
فأنا ولقياك، أبعد من أن أبعد لقاء.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.