نال أفلاطون(429-347 ق.م ) من التربية والتجربة الأثر الكبير حتى يكون متمرسا بالسياسة لاحقا ، فهو سليل أسرة عريقة في مجال السياسة ، كان لها دور بارز في تشكيل الوعي السياسي لديه في وقت مبكر من حياته ، بالإضافة إلى هذا العصر الذي عاش اثأر حروب البلوبونيز الشهيرة ، التي دارت رحاها بين أثينا واسبرطة ، والتي انتهت بهزيمة هذه الأخيرة أمام قوة اسبرطة العسكرية ،أثرت تلك الإخفاقات على نفسية أفلاطون . وهذا ما سوف يترك أثرا عميق في فكره الفلسفي ، والذي نال بسببه ، شهرةً بوصفه أنبغ نوابغ الفكر، وأشهر الحكماء؛ فكانت أكاديميته إحدى مدارسَ أربعة أثرت أعظم الأثر في الحضارة القديمة، ثم استمر ت الأفلاطونية مؤثرة في الفكر حتى الوقت الحاضر . حتى قيل أن " أفلاطون هو الفلسفة ...وأصبحت فلسفية بالمعنى الذي لم نكف منذ ذلك الوقت عن استعمال هذه العبارة وفقا له ، وبحسب المعنى الذي لعله ينبغي ، أن نحتاط لئلا نكف ، مهما كان ، عن استعمالها وفقا له. " ، وقد اُشتهر بجمهوريته المثالية التي مرَّ على تأليفها نحو 2300 سنة، وهي ما تزال تُدرَّس اليوم في أرقى جامعات الدنيا. والإجماع منعقد على أن الحضارة الغربية ثمرة أفلاطونية، فقد تسربت إلى المسيحية وصبغتها بالمثالية، وتسربت إلى الحضارة الإسلامية، فبدت في كتابات الكندي والفارابي الذي كتب في المدينة الفاضلة مقتفياً أثر أفلاطون.
النقد قبل أفلاطون:
الذي لاحظ أنه رغم تعود المؤرخين على تقسيم عصور الأدب الإغريقي إلى ثلاثةٍ هي العصر الملحمي الهوميري ثم العصر الغنائي وأخيرا العصر التراجيدي، وتقسيم الأنواع الأدبية إلى ثالوث تم تقنينه، ويشمل النوع الغنائي والنوع الملحمي والنوع التراجيدي، ورغم أن المصادر تشير إلى وجود شعر غنائي في اليونان القديمة بوصفه أغنية يلقيها فرد هو الشاعر نفسه وتصحبه في أدائه أنغام القيثارة ، اما على مستوى النقد الذي رافق هذه الأنماط من الشعر إذ كان اليونانيون سبّاقين إلى تقبل فكرة النقد الأدبي بسبب اهتمامهم بالفلسفة، ولكن الثابت تاريخياً أن هناك مرحلة نقدية تمهيدية بسيطة سبقت عصر النقد اليوناني القار، تميزت بالتجارب النقدية التي تعتمد على الخطأ والصواب وذائقة الجمهور، عند هوميروس في الإلياذة والأوديسة، ثم ظهر الشعر التمثيلي فكانت الملهاة عند أرسطو في مسرحية (الضفادع) التي وصف فيها الشاعر "اسخيلوس" بأنه رمز للقديم، وشاعر المأساة "يوربيدس" بأنه رمز للحديث؛ وقد كان ظهور السوفسطائيين عاملاً مهماً في شيوع فن المناظرة والنقد والبحث عن المسوّغات ؛ وأثارت سقراط وتلميذه أفلاطون إلى مهاجمة اطروحاتهم التي كرست فكرة الجدل والمكر الكلامي قبل فكرة البحث عن الحقيقة. فى الحقيقة كان للشعر والمسرح دور كبير فى الخطاب السياسي والثقافي والاجتماعي والتربوي إذ لقد كانت التراجيديا إذن، ومنذ بدايات تألقها في المشهد المسرحي الإغريقي، مكفولة وموجهة من طرف الدولة أي من طرف المشرع الحقيقي والفعلي بمعنى انها ايديولوجيا الدوله وخطابها الثقافي والسياسي الدولة التي سوف يختلف معها افلاطون .
إما النقد عند أفلاطون :
دائم ما يتم مناقشة كلام افلاطون على انه الحقيقة المطلقة من قبل مؤرخي تاريخ الفلسفة فى حين كان هو جزء من الخطاب السياسي والفلسفي المعادي لما هو قائم فى الحياة الفعلية اليونانية وجاء موقفه تعبير عن هذا الخروج على السلطات الرسمية فى ذلك الوقت ومعادي للديمقراطية ، وجاء مشروع فى كل محاوراته من حاكمية الفيلسوف الى دولة القانون من محاورة الجمهورية إلى محاورة "القوانين"، وكان الشاعر التراجيدي أداة فعلية في يد هذا المشرع، يخدم قيمه المدينية الديموقراطية ويتجانس طائعا أو مكرها مع بقية المؤسسات، وعلى هذا فلم تكن محاورة "القوانين " انزياحا عن الواقع الإغريقي حين ربطت بين المشرع والشاعر التراجيدي بقدر ما كانت امتدادا لتقليد مكرّس، ولكنه في الوقت نفسه امتداد مضاد للمجرى السابق حيث أن مشروع أفلاطون السياسي/الفلسفي كان جمهورية بديلة عن الجمهورية الديموقراطية التي تسعى للحرب لا للسلام كما أسلفنا الإشارة إليه، وفي سبيل هذه الغاية وظف الفن التراجيدي، تماما مثلما وظفته الدولة اليونانية في سبيل غاياتها السياسية والتشريعية، وقد وظفه من خلال محاوراته نفسها التي بنيت على النمط الحواري المسرحي، فما قدمه أفلاطون هو مسرح فلسفي بديل عن المسرح التراجيدي، وبذلك يتجلى لنا بوضوح أن معركته الفعلية لم تكن مع الشعر بما هو شعر بل مع التراجيديا السائدة في عصره، أي مع الشعر التمثيلي أو المسرحي الذي يؤدَّى أمام جمهور من المتابعين ويشتمل على سرد وحوار. ومعلم هذا الخطاب النقدي البديل لما هو قائم يمكن إن نستدل عليه من خلال نظرية المحاكاة ، التي صور الوجود على أساس وجود عالمين: العالم الأول، عالم الحس المشاهد، دائم التغير، عسير الإدراك، ليس جديرًا بـأن يسـمَّى موجودًا، ولا يسمَّى إدراكه علمًا، بل هو شبيه بالعلم؛ لأنه ظل وخيال للموجود الحقيقي ، إما العالم الثاني، عالم المجردات، فيه أصول العالم الحسي وهو مثاله الذي صـيغت عليـه موجوداته كلها؛ ففي عالم المثل يوجد لكل شيء مثال هو في الحقيقة الموجود الكامل لأنه مثال للنوع لا للجزء المتغير الناقص؛ ففي عالم المثل إنسانية الإنسان وحيوانية الحيوان، وخيرية الخير، وشكلية الشكل ؛ وأن الحقيقة في المثل أو الصور الخالصة لكل أنواع الوجود، وهذه المثل لها وجود مستقل عن المحسوسات وهو الوجود الحقيقي . وهذا التصنيف يقوم على أساس معرفي " لقد حرص الفيلسوف على عدم التناقض مع نسقه العقلي ، الذي ظل يبسط نفوذه على فكره السياسي ، ما جعله يطوع وجهة نظره السياسية بما يتفق وتصوراته المعرفية " . وهذا ما نجده إذ يقوم على ( أساس الأول حسي ؛ والثاني عقلي ) إما معرفتنا فنحن لا ندرك سوى أشكالها الحسية التي هي في الواقع خيالات لعالم المُثل، ويصور لنا ذلك بأسطورة الكهف المشهورة بقصة رمزية، قصة جماعة من الناس عاشت مُكَبَّلَة بالأغلال في كهف تحت الأرض، وتمنعهم أغلالهم من النظر خلفهم لأن وجوههم تقابل جداراً تنعكس عليه صور التماثيل والأشخاص الذين يمرون خارج الكهف ، وتنعكس أشباح هذه الأشياء بسبب النار الموجودة خارج الكهف على الجدار الذي تسمرت عيون الجماعة عليه، فهم لا يعرفون ولا يسمعون إلا أشباح الأشياء المتحركة على الجدار والأصوات التي يعتقدون أنها تبعث منهم، ثم تصور أن هذه الجماعة ولدت وعاشت على هذه الحالة، وهي تعتقد جازمة بأن كل ما تراه أمامها هو الحقيقة التي لا يداخلها شك.وهم عامة الناس الذين لا يرون ؛ إلا بحواسهم فقط ؛ لكن من يدرك الحقيقة بعقله وهي عالم المثل وهذا الذي يدرك الحقيقة هو الفيلسوف ، فهو وحده هو الذي يقدر على تخليص هذه الجماعة من أسر الأوهام التي اعتادوها زمناً طويلاً، وهو الذي يجرؤ على كسر أغلالهم وإخراجهم من الكهف المظلم إلى عالم النور والشمس، فالكهف رمز للعالم المحسوس وإدراك الأشباح هو المعرفة الحسية، والخلاص من الأسر يتم بالجدل، والشمس خارج الكهف هي مثال الخير، والفيلسوف هو الذي يرتقي بنفسه وبأقرانه من العالم الزائف إلى العالم الحقيقي. وهذا ما قام به سقراط الذي حاول أن يخلص الشباب الأثيني مما بثه السفسطائيون فى أذهانهم من أوهام ، وخصوصا أنه سوف يواجه المتاعب بعودته كما يعبر أفلاطون عن ذلك بقوله : "إذا حاول أحد فك أغلالهم ، والصعود بهم إلى النور ، أفلا يستاؤون منه إلى حد أنهم يغتالونه ، إذا كان فى طاقة يدهم الإيقاع به ؟" .
اثر نظرية المثل في نظرية المحاكاة :
أفلاطون وفق نظرية المحاكاة التي يفسر بها حقائق الوجود ومظاهره وعنده أن الحقيقة وهي موضوع العلم ليست في الظاهرات الخاصة العابرة ، ولكن في المثل ..حيث تغدو المحاكاة في ما نراه في العالم ليس سوى انعكاس لعالم الفضائل والنظم ...حيث تغدو كلها محاكاة لعالم المثل واللغة بطبيعتها محاكاة لما ندركه من الأشياء التي بطبيعتها محاكاة . من خلال رؤيته أن لكلِّ شيء محسوس حقيقةً معقولة، والمعقولات هي الأصل في المحسوسات، وإذا كانت المحسوسات تُدرك بالبصر، فالمعقولات ـ أيضاً ـ لها وجود مستقل ويمكن إبصارها بتوجيه النفس نحو إدراكها، وهذا ما يقصده أفلاطون في تعريفه للفلسفة أنها: " رؤية الحق أو البصر بالمثال" . ويمضي أفلاطون في التشبيه إلى نهايته، فالعين ترى المحسوسات التي هي موضوعات للبصر، أما المُثل التي ندركها فهي موضوعات للعقل، وكما يحتاج البصر للضوء كي ينير المحسوسات للمرء، فكذلك الحقائق تحتاج لضوءٍ ينيرها كي يبصرها العقل، وهذا الضوء هو مثال الخير، وكما أن الشمس هي علة النمو في الكائنات وليست هي النمو، كذلك الخير هو علة المعرفة وليس هو المعرفة، ومن أجل ذلك فلن يبلغ الفيلسوف أي معرفة صحيحة عن الحق والجمال بغير أن يكون قد بلغ مثال الخير؛ لأنه علة وجودهما .
ما هو اثر نظرية المثل في موقفه من الشعر؟
خصومة أفلاطون الشعراءَ وطردهم في جمهوريته باعتبارهم مُقلّدين وغير مبدعين، يقلدون العالم الحسي بكل انفعالاته وهو عالم التخيلات وليس عالم الحقائق . يرى أفلاطون أن الفن عبارة عن محاكاة لعناصر تخيلية ،أي ليست حقيقة ، سرد ودمج لشخصيات وملحميات ، هي من نسج الخيال ، وليست حقيقة .بل أكثر من هذا أن هذه الملاحم تقدم تصوراتها في إطار تخيلي مثلما يحدث مع الإلهة . لهذه الأسباب ستندرج في معرفة رأي أفلاطون في الشعر والشعراء عموما .ذلك أن عنصر التخييل الذي يقدمه الشعراء في ملاحمهم ، يفسد النشئ وعلى المربيين والساسة أن يسهروا على ألا يتلقى الأطفال هذا النوع من الشعر ؛ لأنه يفسد عقولهم ، لكن ما طبيعة الشعر الذي يراه أفلاطون مناسبا لجمهورية ؟ ؛ لكن أفلاطون يعتبر أنَّ المشكل ليس في الفنِّ في حدِّ ذاته؛ وإنَّما في آليَّات استعماله، فإذا كنا قادرين على الاستفادة من الفنِّ، فإنَّه سيفيدنا، والعكس ينطبق؛ لذلك يجب أن نوظِّفه في التربية والتنشئة التي تربِّي الإنسان في الإنسان، وتنمِّي الذَّوق الجيد لدى الفرد، وهذه مهمَّة لا يتجشَّمها إلَّا شاعر مقتدر وملتزم تجاه القضايا الإنسانية، الشاعر الذي يَنطلق من الأرض نحو السماء وعالم الروح والجوهر. وهذا يبدو ان موقفه هذا ينطلق ؛ من دافع تربوي يرى إن الشعر لا يصلح إن يكون أساس في نظامه التربوي وقد مر هذا الموقف من الشعر بمرحلتين الأولى جاءت في محاورة ( ايون ) إما المرحلة الثاني فقد جاءت فى الجمهورية وهي التي عرف بها أفلاطون كما تم عرضه .وما جاء فيه من امثله " فإن أفلاطون لا يأتي بشيء مهما صغر أو كبر ؛ إلا من أجل غاية يؤديها تنسجم مع موضوع محاورته ، سواء أ كان ذلك طرفة يذكرها أم مثلا أم قصة أم أسطورة ".
إما المرحلة الأولى في محاورة (ايوان ):
ذا كتب أفلاطون محاورة "ايون" فتناول فيها مسألتين: أولاهما ما مصدر الشعر لدى الشاعر :الفن أو الإلهام ؟ وثانيهما: ما الفرق بين حكم الشاعر ، والناقد الأدبي على الشئ من جهة ، وبين حكم العقل والعلم على نفس الشئ . يؤكد أن الناقد والشاعر لا يصدران على العقل ،بل عن الإلهام الإلهي ،والشاعر يصدر عن ذلك أصالة ثم يعد الشاعر المنشد . وهذه خلاصة مقاربته الساخر إذ يحجم فيه دور الراوي في المحاور التي يصف في سمات منها إن " أيون ، راوي القصائد الملحمية المحترف ، وصل لتوه إلى أثينا، حيث أقام الأبودوريون مباراة لرواة القصائد الملحمية المحترفين تكريما له ، يعجب سقراط بمهنة الراوي ويحسده ؛ لأن من متممات فنه أن يرتدي الثياب الجملة ويظهر بمظهر حسن . بالإضافة إلى ذلك فهو في صحبة أهم الشعراء وعلى رأسهم هوميروس ، أميرهم وأفضلهم وأكثرهم إلهية ". بقول سقراط :" إنني غالبا ما حسدت مهنة الراوي ، يا إيون ؛ لأن من متممات فنك أن ترتدي الثبات الجملية وتظهر بمظهر حسن على قدر استطاعتك ، في حين أنت ملزم في الوقت عينه بأن تكون في صحبة العديد من الشعراء البارعين بشكل متواصل ، وخاصة بصحبة هوميروس ، الذي يعتبر أفضلهم و أكثرهم إلهية ..." .ثم يسال سقراط ، إن كان يعرف أن يتكلم عن هيسيود وأرخيلوخيوس ، أو أن فنه لا يتعدى نطاق هوميروس . ويجيب بأنه يختص بهوميروس فقط . ثم يسأله سقراط ، بالقول : لكن كيف حصلت على هذه البراعة بخصوص هوميروس فقط ، وليس عن هيسيود وبقية الشعراء ؟ أليست الحرب هي محاورته الكبرى ؟ أو لا يتكلم هو عن المجتمع الإنساني وعن تعامل الأخبار والأشرار ، البارعين وغير البارعين ، وعن الإلهة في حديثهم مع بعضهم بعضا ومع الجنس البشري ، ومما يحدث في السماء وفي العالم السفلي ، وعن نشؤء الآلهة والأبطال ؟ أليست هذه هي الألحان التي يغنيها هوميروس ؟ في هذه الحوارات يؤكد سقراط إن الرواة ليس لديهم فن بل مجرد تخيل لانهم مجرد ينقلون الرسالة التي تأتي لهم عبر الإلهام وبالتالي فالشعراء والرواة، بأوهامهم الهذيانية، يغوون الجماهير وفناني المسرح، إلى درجة الايمان، تجعل الكل يعتقد أن مخلوقات الشاعر الخرافية حقيقية ، قد يبدو الأمر محصورا، في الوهلة الأولى، في أجواء مرح الخيال الشعري، جو منفصل تماما عن الجدية المطلوبة من حكومة المدينة حسن، وراء مزحه، هذا الهذيان لكنه وهم الهي مشترك بين الجميع، حسبه يكون الخيال الشعري" حقيقية تكون محاورة ايون مقبولا، في معظم الأحوال، كبيان لعقلانية أفلاطون ونقده اللاذع للشعر التقليدي، وبالتالي للسلطة التربوية الرئيسة في عصره. بقوله :"...إن كل الشعراء الصالحين الشعراء الملحميون كما الشعراء الغنائيون ، لا يؤلفون قصائدهم الجميلة بالفن إلا لأنهم ملهمون وممسوسون ..." فقد كان كهان إغريقيون يقتبسون لقرون، في علاقتهم بالإلهة، الأساطير التي تحكي عن شعراء الماضي معتبريها وصفا للحقيقة الإلهية غير القابلة للجدل.
اما المرحلة الثاني كما جاءت فى محاورة الجمهورية
إما موقف أفلاطون من الشعر انه يرى أن الشعر يصف النقائص التي تبدو فيها محاكاة الشعراء السيئة، إلا انه يعود فيرى أجناس الشعر حسب دلالتها الأخلاقية المباشرة ، فيفضل – الشعر الغنائي لأنه يشيد مباشرة بأمجاد الإبطال ،بلى ذلك الشعر الملاحم ، لان النقائص المصورة فيه لا تؤثر في مصير البطل ، ولا تقل كثيرا من إعجابنا به بوصفه بطلا ويأتي بعد ذلك المآسي ثم الملهاة فهما أسوأ نماذج الشعر لمساسهما المباشر بالخلق ، وهو يعتقد أفلاطون أن العدالة لا تتأسس ؛ إلا باستبعاد عناصر التشويش في الدولة ،وهذه العناصر تنطلق من التربية أساسا ، فإذا كان من الواجب تربية الأطفال على ذائقة فنية تهذبهم وترتقي سلوكهم ، فيجب الابتعاد عن الشعر. لكن ما طبيعة هذا الشعر ؟ يركز هذا الشعر على النسق الأفلاطوني الذي أسسه في نظريته المعرفية ، وهو نسق يركز أساسا على العقلانية ، أي أقامة دولة ذات حقيقة برهانية ، وأفلاطون يعتبر أن الشعراء مجالهم الخيال لذا يجب استبعادهم رغم أعجابه الشديد بهوميروس وغيره من كتاب التراجيديا ؛ لكن استبعادهم يضمن للدولة الاستمرار ؛ لان الدولة مجالها الحقيقة لا الوهم إذ يقول أفلاطون: " من غير المناسب إن يستمع الصغار لحكايات وهمية لأنها تسبب لهم ضرراً. وخاصة في هذا السن المبكر من حياتهم لأنهم سريعي التأثير لقبول مثل هذه الحكايات التي يرغبون إلى سماعها ولهذا فمن الملائم إن نبعدهم عن سماع مثل هذه الحكايات الوهمية" . هذا القول جعل من الشعر متهما أمام الفلسفة ، منذ أن طرد أفلاطون الشعراء من المدينة الفاضلة بحجة أنهم " يقدمون المعاني الفاسدة ، ويثيرون العاطفة التي تبعد المتلقي عن الحقيقة ، وتهدم الأسس الأخلاقية التي ودحرهم من منظور أخلاقي ، حسب رؤيته ، وإنكار حديث الشعراء الغامض وطريقة الطرح البعيدة عن الواقع في كتاب الجمهورية الأول ."، يصف أفلاطون الحكايات وهي قصص إما وقعت في الماضي أو في الحاضر أو ستقع في المستقبل, وأرجع هذه الحكايات إلى ثلاثة أنواع هي: حكايات خاصة بسيطة. أو تلك التي من خلال قص الحديث بدون محاكاة، الحكاية التي فيها محاكاة للحدث الذي تقصه. ويوضح أفلاطون أصناف المحاكاة وهي نوعان:الأول: يكون مؤلف من العبارات غير المحاكية.الثاني: من العبارات التي يغلو فيها الحكاية من خلال الشكل أو الإيماءات لأنها تمثل أقوى أنواع المحاكاة عندهم. ويضيف أفلاطون , بان من الملائم للحراس إن كانت لهم الرغبة في سماع مثل هذه الحكايات وقصها عليهم شريطة إن يتمتعوا بالقوة والفضيلة والشجاعة وان لا يخيفهم الموت لأنهم لو صدقوها (الحكايات الفاسدة) وسيطرت على قواهم فأنهم بذلك يختارون العبودية والاستسلام على الموت في ساحة المعركة, ولهذا يجب التحصن من سماع هذه الحكايات الخرافية بالعلوم العقلية؛ ولهذا يؤكد أفلاطون: إن على الحراس إلا يحزنوا لفقدان عزيز ، عليهم, وعليهم إن يتحلوا بالصبر لهذا المصاب, ويشبه الحزن بضعف في النفوس ويقارنه بعويل النساء, وهذا صفة بعيدة عن الحراس والحكّام. يجب عدم السماح للحراس بالمحاكاة أولاً, لأن مهمتهم هي الدفاع عن المدينة وفضيلتها الشجاعة ثانياً, إن هذه المهنة لا تليق بهم كفضلاء ثالثاً؛ إذ يؤكد أفلاطون بان على المرء يجب إن لا يجمع بين صناعتين " إن الطبع الإنساني يذهب في تقسيم الإعمال إلى أبعد من ذلك, فلا يمكن للمرء تمثيل أشياء عديدة معاً, ويقوم بما يرمز إليه التمثيل من الأعمال الممنوعة...فإذا اصررنا على رأينا الأول وهو انه يجب إعفاء حكامنا من كل مهنة أخرى غير الحكم" ؛ لأن الاقتصار على مهنة واحدة سيكون أكثر ملائمة واتقاناً بصورة حسنة, وهذا ينطبق على جوهر المحاكاة لكي تؤدي غايتها بصورة جيدة وتحقق ما ترمي إليه. بالإضافة إلى هذا فهناك سر أخر وراء استبعاد أفلاطون للشعراء ، وهو أن الشعر الذي يقدمه كتاب الملاحم هو شعر ذو طابع تمثيلي ، أي فرجوي بالأساس وغير تجريدي ، وليس قه من العمق شيء يجلب الفرجة فقط . سواء على خشبات المسرح أو في المجال العمومي . لذا فضل أفلاطون إن يضحي بالشعر والشعراء في دولته ، لكن هل انتصر رأي أفلاطون ومن بعده تلميذه أرسطو في تصوراتهم المتنازعة بين الفلسفة باعتبارها برهانا وبين الشعر باعتباره خيالا أي مجالا للوهم والزيف ، هذا موضوع طويل ومن الصعب المساهمة في الجواب عنه في هذا الحال لكن ما يمكن قوله هو إن تاريخ الفلسفة الأدب هو تاريخ صراع طويل من اجل الاعتراف؛ إلا إن أفلاطون وضع استثناء فيما يباح من الشعر " تسابيح الآلهة ، وتقاريظ كبراء الرجال والأعمال الشريفة ." إنَّ هذا التصور الفلسفي التربوي لفنِّ الشعر يجعلنا نعيد النظرَ إليه على اعتبار أنَّه حالة وسط بين الوجود والعدم؛ لأنَّه يرتبط بالروح، وبالتالي فإنَّه إذا خادَع الروح فإنَّه سيخلق لدى الإنسان جهلًا تجاه ذاته، وسيسجنه داخل سجن الغرائز والمادَّة. بالمقابل فانه يرى فى الشاعر التراجيدي لا يحاكي ما هو كائن وإنما يجب أن يحاكي ما يمكن أن يكون وينبغي أن يكون بالضرورة أو بالاحتمال ؛ لأن محاكاة أفعال النفس العقلية وانشغالات الإنسان التي تتمحور حول عاداته ومسعاه في تحقيق السعادة التي تتجسم في السلوك الفاضل كما يجب أن يصور الفعل المسرحي بالتراجيديا المجابهة بين النقيضين وتكون العدالة خيرها الأسمى ويتطلب ذلك الارتباط بمعنى الرجحان والضرورة سواء كانت التراجيديا خيالية أو مستقاة من أحداث تاريخية وإنه لا يجوز للشاعر الدرامي أن يؤلف تراجيدية من أجزاء غير معقولة كالأحداث المستحيلة الوقوع . وهكذا يتبين أن التراجيديا لا تقلد شخصيات وإنما تقلد التحرك بحثا عن السعادة المطلقة أو الخير المطلق أو هدف ما في الحياة ، والتمثيل فيها لا يقصد محاكاة الأخلاق فهو يتناولها عن طريق محاكاة الفعل باعتبارها محاكاة للأخلاق والعواطف والأفكار . ولتفعيل التطهير ؛ فهي تحتاج إلى الانقلاب والتعرف عبر تحرك الشخصيات في انتقالها من حالة إلى أخرى ، كالانتقال من الحب إلى البغض أو العكس ؛ لأنه يرى في مفهوم الجميل ليس هو الصورة الحسية التي تحدث في النفس لذة حسية جمالية ، وإنما الجمال الحقيقي هو جمال الحق و جمال الخير ومصدر هذا كما مرً بنا هي نظرية أفلاطون إلى الوجود التي تقسم الأشياء على عالم المثل وعالم الظلال وهذا ترك ظله على الشعر عامة والمسرح ضمناً فيجب أن تكون الملهاة "الكوميديا" متجهة إلى السخرية من الأخلاق الذميمة ، ولا يجب أن تظهر فيها إلا الطبقة الدنيا ، أما الطبقة الارستقراطية ، فيجب أن إلا تتمثل معلقاً في الملهاة ، أما المأساة "التراجيدية" فيجب أن تمثل العواطف النبيلة ، وأن يكون كل أشخاصها ممن ينتسبون إلى الطبقة الارستقراطية لكل تمثلهما فيها من عواطف نبيلة . هنا تظهر بوضوح تلك التصورات الاورفية التي تعلي من شان الآخرة التي ظهرت هنا بالنماذج / المثل إلى جانب التصور الطبقي الذي ينتمي إليه أفلاطون .هذه الطبقية افلاطون ادخلها في جمهوريته منذ البداية وحديث عن المسرح فيه هذا التوصيف من خلال انحيازه التراجيدا بوصفها تحاكي المثل هي بالحقيقة تعبر عن مثل الطبقة النبيلة التي ينتمي لها أفلاطون ، فيما أقصى الكوميديا ، لأنها تحاكي أخلاق الطبقات المنحطة وأخلاقها المنحرفة بشكل ساخر ، فالموقف من الشعر والمسرح ومحاولة اعادة توجيهما مرتبط الى حد كبير بتاثير هذا المسرح في الحياة الاجتماعية والسياسية في اثينا وقد كان للمسرح دور مؤثر في الحياة اليونانية " المسرح حينها كان إحدى المآثر لهذا التألق الأثيني .....لقد كان مع المجلس النيابي والمحكمة أحد أعمدة السلوك السياسي للجماعة ، أحد الأمكنة الثلاثة التي تتعرف الجماعة فيها على نفسها بوصفها كذلك" ، ومما يؤكد البعد السياسي للمسرح تدخل الدولة فيه حيث أنها كانت" تنهض بأعباء مجموع الاحتفالات: حيث تختار الكتاب المقبولين للمنافسة ( أربعة كتاب تراجيديين يقدم كل منهم ثلاثية ودراما هجائية وخمسة كتاب كوميديين يقدم كل منهم مسرحية هزلية ) وتحدد [الدولة] لكل منهم راعيا يتكفل بمصاريف التحضير للمشهد المسرحي.....وتختار بواسطة القرعة أعضاء لجنة التحكيم التي تعين الفائزين، وتكافئ [أي الدولة] الممثلين والكتاب والموسيقيين، وتدفع أيضا ثمن التذاكر عن المواطنين الأشد فقرا . بمعنى إن للمسرح دور سياسي واجتماعي فى الدولة التي ينتقدها افلاطون ويحاول إقامة أخرى بديله عنها من خلال مشروع السياسي والفلسفي عبر تكيد على " ما ينبغي أن يقرأ ، أولا وبالذات ، فى جميع المحاورات ، هو هذه الحركة التي تتمثل فى تربية الروح ذاتها والتي تجد فى كل سؤال يطرح ، فرصة ؛ لتصبح أكثر تعقلا واكثر إبداعاً " .
الخاتمة :
التي نخرج بها من خلال استعراض فكر أفلاطون في توصفه السياسي والتربوي لموقفه من الشعر هو توصيف فيلسوف يريد إقامة دوله يوتوبيا تخالف الواقع القائم والذي يشغل فيه الدين والشعر والرواة الذين يشكلون العقل الجمعي والسياسي القائم على الدمقراطية التي احتل بها الشعر مكانة مميزة ، وهو بكل الأحوال على تناقض مع الدولة المتخيلة التي ينشدها أفلاطون وهي مستوحاة من العدو اسبرطة التي انتصرت على أثينا فالمغلوب يقلد الغالب عند أفلاطون ومن قبل أستاذه سقراط .يحاول إنشاء تلك المدينة على أسس عقلية برهانيه ، وليس على أسس واقعي ، وهو بالتالي يتعارض مع المنهج الجدلي السفسطائي ، والمنهج التخيلي الديني للشعراء ورواتهم ورجال الدين ، فهو يؤكد على الفيلسوف بوصفه رئيس الدولة تحقيق المدينة الفاضلة ، وهو يضح في محاورة الجمهورية كيفية إنشاء مدينة سياسياً واجتماعياً وذلك عن طريق تحقيق العدالة للفرد والمجتمع والدولة.الا انه فى حال تعذر وجود الفيلسوف أكد في محاورة القوانين على تطوير جميع نشاطات الدولة عن طريق التشريع المنظم يهدف الوصول إلى الخير الأسمى للمدينة باعتبار إن السياسة عند أسمى العلوم وهي نظرية شاملة لتنظيم المجتمع القائم على أسس أخلاقية. فهذه الدولة القائمة على القانون قوامها العقل ومنهجه البرهاني أي انه كما قلنا يحاول اقصاء الجانب الجدلي والسفسطائي والخطابي منها وهي طريقته في كل ما كتب في الفلسفة بشكل عام. وسوف تكون أيضا الأنموذج الذي تم تقليده من كل الخطابات الشمولية التي تقدس القوة فيما بعد والتي تنشد إقامة أنظمة شمولية ترفع الشعارات القائمة على الإقصاء بلغته التحذيرية التي نجدها فيما كان يحذر منه أفلاطون : "يجب إبعاد الأطفال عن الحكايات المزيفة لأنها تسبب لهم الخوف ".
بقلم د- عامر عبد زيد الوائلي
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.