إصدار جديد (الجزء الأول )

يوم جديد استيقظ راشد بتثاقل فتح عينيه التي دارت ببطىء تتفحص سقف حجرته والذي كان أكثر ترتيباً من أرضيتها، لحظات قليلة احتاجها ليدرك أن ما يسمعه هو أذان الظهر، من جديد فَوَّت المدرسة.

ابتسم حين تذكر كيف هزم البارحة وحش الصحراء، كم كانت مباراة قوية، أصابعه التي اعتادت نقر شاشة الهاتف اللوحي ببراعة فتهزم أي منافس، إنه الإصدار الخامس من هذه اللعبة التي اجتاز كل مراحلها منذ إصدارها الأول ببراعة وتفوق.

تحسس تحت الغطاء باحثاً عن هاتفه الحبيب فوجده وقد انقطع شحنه، تئِّن البطارية بإصرار ترجوه أن يعيد شحنها، أسرع بتوصيل القابس وهرع إلى الدور السفلي باحثاً عن شيء يأكله قبل أن يستكمل جولته الأخيرة في هذه اللعبة ويتوج بالكأس الذهبي.

كان البيت مظلماً على غير العادة، ساكناً من صوت تلفاز أو مكنسة كهربائية اعتاد سماعها.

راشد: صباح الخير أمي.

الأم : صباح الخير يا راشد، لم تذهب إلى المدرسة اليوم أيضاً.......... لم يهتم بسماع ما تقوله أمه يعرف أنها الشكوى اليومية النصائح التي حفظها أن يهتم بدروسه، أن الدراسة هي مستقبله أن....... وما الجديد، حضَّر شطيرة على عجل عائداً إلى غرفته حين سمع صوت بطارية هاتفه تدعوه ليعيد شحنها، تفقد القابس إنه متصل، حاول أن يضيء غرفته فلم يستجب مفتاح التشغيل، أسرع إلى أمه: ما بال الكهرباء اليوم؟

مازحته أمه ما بال كهرباء عقلك بني، كنا نتحدث البارحة على العشاء في هذا الموضوع، لقد أخبرتك أنت واخوتك أن وزارة الكهرباء أعلنت انقطاع التيار الكهربائي اليوم وأنهم يقومون بتغيير الوصلات الرئيسية في المنطقة ولن تعود الكهرباء قبل تسع ساعات.

صارخا: تسعُ ماذا!!!! تسع ساعات كيف يفعلون هذا إنه ظلمٌ، ظلمٌ كبير وإن الظلمَ ظلمات يوم القيامة- أمه ساخرة: صدقت يا راشد يا حكيم زمانك!!

تابع: وماذا أفعل حتى الثامنة مساءً، إنه يوم كامل يوم طويل بلا تلفاز بلا هاتف، أتعلمين كم عدد المتابعين الذين ينتظرونني الآن على الانستغرام لأنشر صوري وقصصي، ألف مشترك، ألف مشترك حياتهم مهددة بسبب وزارة الكهرباء والطاقة!!!

أمي هلا تعيريني هاتفك؟

أمه غاضبة: لا يا زعيم عصرك وزمانك واذهب عني قبل أن انفجر بوجهك، لم أجهز الغداء بعد سيصل والدك واخوتك قريباً.

أظلمت الدنيا بوجهه، أظلمت أكثر من ظلمة المنزل الذي فشلت كل النوافذ المفتوحة في إضاءته، تسع ساعات ماذا تفعل يا راشد بكل هذا الوقت؟

آه رأيت لوحَ كاكاو بالثلاجة... وفي أثناء وجوده بالمطبخ تعثر بأخته فاطمة ذات العامين: (راثد، راثد، ماما)، انفجر ضاحكا: أمي أسمعتِ فاطمة نطقت اسمي!

الأم: ما بك اليوم بني؟! إنها تنطق اسمك منذ شهرين، أنت غريب جداً اليوم.

احتضن ما استطاع حمله من الحلوى وعاد إلى غرفته يفكر كيف لم يلحظ كلمات فاطمة؟ ابتلع قطعة كبيرة من الحلوى حين لمح من نافذة غرفته جيرانه عمر وخالد يركضون بملابسهم الرياضية ناحية البحر، لم يكونا فقط جيرانه لقد كانوا زملاءه في نفس الصف قبل أن يرسب في السنه الخامسة، وبعد أن انشغل عنهم بألعابه الإلكترونية وحسابه النشط على الانستغرام، فقط التعليقات وتسجيلات الإعجاب ما يجمعهم به الآن.

ألقى بآخر كيس بطاطا يأكله قبل أن يلمح شيخاً يلوح له من حديقة المنزل هتف فرحاً: آه لقد جاء جدي.

بقلم الكاتب


كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر