إصدار جديد (الجزء الأخير )

عجوز بيد مرتعشة كان يغرس فسيلة في الأرض...

كيف حالك راشد؟

قبَّل يد جده: أهلاً أهلاً جدي الحبيب، أنا لستُ بخير إنه يوم ممل بلا كهرباء وبلا هاتفي اللوحي

بالعكس بني قد يكون اليوم هو أفضلَ أيام حياتك، أتعلم منذ متى لم أراك أعتقد منذ ستة أشهر، آتي وأذهب وأنت معتقل في غرفتك مع جهازك الشرِّير، حتى أن الصلاة تصليها في الغرفة، قال الحبيب صلَّ الله عليه وسلم (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم)، وهل يصلي الرجال بالمنزل؟ حتى الجمعة يا مؤمن!!!

متوتراً: لم تُتعب نفسك بالزراعة يا جدي، قم بمناداة أحد العمال ليقوم بالعمل عنك

الجد: نعم إنها فكره رائعة، أنت سوف تساعدني، ولكن بعد أن نصلي العصر بالمسجد.

ولأول مرة يستشعر الخشوع في الصلاة ولذة صلاة الجماعة، هكذا قضى راشد معظم اليوم بصحبة جده يساعده في تنظيف النخيل وريِّه، يعمل ويضحك ويستمع إلى حكايات جده التي لا يملها أبداً.

كان فخوراً جداً بنفسه حين غرس ثلاثة فسائل لقد زرع ووعد جده أن يهتم بهذه الفسائل حتى تكبر وتثمر، (كيف حرم نفسه هذا الوقت الممتع وظل حبيس غرفته؟!)

وبينما كانا يتناولان الغداء قال له جده: يجب أن تعرف يا بني أن حياتك ليست ملكك يقول عز وجل (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)

يجب أن تكون حياتك كلها لله، عبادة وطلباً للعلم ومنفعة للناس ولوطنك، العمل يجعل لحياتك قيمة، صمت الجد قليلاً ثم تابع: جدي قبل أن يظهر النفط في بلادنا كان يزرع النخيل، وحتى بعد أن أنعم الله علينا بكل شيء ظل يزرعه وعلَّم أبي زراعته وأبي علمني حتى أصبحنا كما ترى من أهم منتجي التمور في الخليج.

قال الله تعالى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) صدق الله العظيم، هذا ما أحب أن ألقى الله عليه، أعمل بيدي واكسب قوتي بكدي، أنفع الناس لا تتكاسل أبداً.

كان يُعد لجده كوباً من الشاي حين عادت أخته الكبرى مريم من الجامعة، على عجل بدلت ملابسها وانطلقت بسيارة والدها إلى الخارج، أسرع راشد نحو والده الذي عاد من العمل واستراح تحت شجرة مستمتعاً بنسيم المساء

راشد: أرأيت يا أبي ما حدث الآن مريم أخذت سيارتك من دون إذنك وغادرت، قد تصدم أي شيء، وإلى أين تذهب؟؟

رفع والده حاجباه حتى كادا يقعان من على وجهه!

راشد حمداً لله على سلامة وصولك إلى أرض الوطن سالماً، ألا تعرف عزيزي أن أختك حصلت على رخصة القيادة منذ أربعة أشهر، وهي ذاهبة الآن إلى مركز تعليم اللغات، أختك مريم تدرس اللغة الفرنسية هناك منذ سنه تقريباً، ولكن ماذا أقول، أنت لا تعرف عنا شيئاً لا تخرج من غرفتك إلا لتناول الطعام.

اعتذر من والده بلطف وانصرف، ساعة يده تشير إلى السابعة مساءً، وعلى الرغم من ظلمة الجو لم يكن بيته واضحاً كما الآن، أشعل شمعة وصعد إلى غرفة أخيه عبد الله، الذي لم يعد إلى الآن، شعر بالخجل من أن يسأل من بالبيت عنه فيسمع من التوبيخ ما اكتفى منه اليوم، فتح الباب ودخل، كانت الغرفة منظمة يعلو الحائط رفٌ امتلأ عن آخره بميداليات وكؤوس التكريم، هناك درع كتب عليه (عبد الله محمد راشد) المركز الأول في بطولة الشارقة لكرة السلة.

إذاً هذا ما يفعله عبد الله، إنه رياضي ومريم تدرس، جده صاحب الستون عاماً يعمل حتى والدته تهتم لأمر الجميع، الجميع من حوله، له حلم يسعى لتحقيقه وهو لا يسعى إلا لتجميع تسجيلات إعجاب لا قيمة لها وكؤوس وهمية في ألعاب سخيفة تسرق وقته وتلتهم عمره.

عادت الكهرباء فأضاءت كل شيء كما أضاءت ساعات الظلام عقله

رأى أسرته على حقيقتها ورأى حياته التي تضيع أمام جهازه اللوحي بكامل إرادته.

عاد إلى غرفته، نظر إلى هاتفه الذي كان لا يزال يطالب بإعادة شحنه

أسرع إلى الهاتف وحمله وألقاه في أحد أدراج خزانته، ابتسم منتصراً وأخرج حقيبته المدرسية بعدها للغد، يجب أن يستيقظ باكراً، لديه الكثير ليتعلمه، أصدقاء من لحم ودم يقابلهم، وحياة حقيقية قرر من الآن أن يعيشها بإصدار جديد.

تَمّْت

بقلم الكاتب


كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

كاتبة وروائية صاحبة رواية أكتوبر ٩٢الصادرة من دار ازاد للنشر